الثلاثاء , نوفمبر 12 2019

ارتباطات شرق سورية واليمن

ارتباطات شرق سورية واليمن
أنس وهيب الكردي
يبدو اليمن مقبلاً على محطة تفاوضية جديدة تفرضها تغييرات إقليمية، ولا ينفصل التطور التفاوضي المقبل في اليمن عن سياقات أخرى في المنطقة.
أدركت السعودية أخيراً، أن ترف شن عمليتي «الحزم وإعادة الأمل» في اليمن، على حين تثبت واشنطن وأنقرة ميزان القوى في الهلال الخصيب لمصلحتها، قد لا يستمر طويلاً، وفور وصول الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى السلطة عام 2015، اتفقت أنقرة والرياض على تبادل الدعم وتقسيم عمل إقليمي بينهما، تشن بموجبه السعودية حملة في اليمن لـ«استعادة الشرعية»! وضرب السلطة التي أسستها «حركة أنصار الله»، على حين تعمل تركيا على تأسيس تحالف جديد للمسلحين على الساحة السورية هو «جيش الفتح» الذي شن هجوماً سيطر خلاله على إدلب، ما استفز روسيا للتدخل عسكرياً في الأزمة السورية، وعزز فرص التوافق بين السعوديون والأتراك في حينه، مخاوفهم من حصر الرئيس الأميركي باراك أوباما، اهتمامه في الشرق الأوسط بهزيمة تنظيم داعش والتوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران.
مع وصول الرئيس دونالد ترامب للسلطة وانخراط أنقرة في عملية أستانا تجمد الترتيب الذي جمع السعودية وتركيا حول سورية، وأقلعت الرياض عن تأييد عملية أستانا، ودعمت إرساء مساري القاهرة وعمان الذين رتبا الوضع في جنوبي سورية ومدينة دوما، وقرر السعوديون العودة إلى سياستهم القديمة في معاداة تركيا وقطر والإخوان المسلمين.
متشجعين بوجود ترامب، فتحوا النار على الدوحة، وانخرطوا في السياسة الأميركية الخاصة في شرقي سورية، ودعموا بقوة، لكن من وراء الكواليس، رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني في خطوته لتقرير مصير سكان الإقليم، وأيضاً «قوات سورية الديمقراطية – قسد» التي تقودها ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية، وهذا المسار جعل السعودية أكثر قرباً من مصر والإمارات على حساب علاقاتها مع تركيا التي وفرت مظلة لحماية مصالح السعوديين في الهلال الخصيب، ولم يتأخر يوم الحساب، حيث باتت أنقرة أكثر لا مبالاة بمصالح الرياض في سورية، مضحية بها على مذبح علاقاتها بشريكتيها في عملية أستانا كل من روسيا وإيران.
وقعت خلافات إدارة ترامب مع كل من روسيا وإيران وتركيا، على كاهل المصالح السعودية في سورية، وبالفعل، لم تكن الرياض بعيدةً عن الخلافات الأميركية مع كل من إيران وتركيا، لكنها انتظرت بفارغ الصبر هجوم ترامب الشامل على النفوذ الإيراني في الهلال الخصيب، وأداته الأمثل زعزعة الاتفاق النووي الإيراني، وبينما كان المسؤولون السعوديون يعللون النفس بقرب إطلاق الهجوم بعد إقالة هاموند ريموند ماكماستر وريكس تيلرسون من منصبيهما في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية الأميركيين، باغتهم ترامب بتصريحه حول الانسحاب الأميركي «القريب جداً» من الأراضي السورية، تاركاً السعودية أمام احتمال البقاء في العراء من دون دعم واشنطن.
لا شك أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد بذل كل جهده لإقناع ترامب بمخاطر الانسحاب الأميركي على نفوذ واشنطن الشرق أوسطي وميزان القوى الإقليمي، لكن من دون جدوى؛ فلم يكن ولي العهد السعودي يخرج من البيت الأبيض حتى ألقى ترامب بمفاجأته.
بات السعوديون الذين تدهورت علاقاتهم بأنقرة، مضطرين إلى البحث عن سبل لتخفيف انخراطهم في التراجيدية اليمنية من أجل إعادة توزيع مواردهم باتجاه الهلال الخصيب، حيث يقترب الحريق هناك، بشكل أو بآخر، من نهايته، والمنطقة سترسو على توازنات جديدة، وبينما سيضطر السعوديون من أجل المحافظة على نفوذ ما في شرقي سورية إلى طرق أبواب القوى الأوروبية، فإن تلك الدول سترد بمطالبة الرياض بالتوجه أكثر صوب الحلول السياسية للحرب المستعرة في اليمن، والأرجح ألا يرتاح السعوديون إلى شركائهم الجدد.
طبعت الخلافات العميقة العلاقات السعودية الأوروبية في العامين الماضيين، ونبع ذلك بشكل أساسي من معارضة الرياض لأي انفتاح أوروبي على إيران، وطالما، اجتهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أجل إقناع السعوديين بقبول «حركة أنصار الله»، والتعاون مع إيران مع أجل إرساء السلام والاستقرار في اليمن، لكن جهوده وضغوطه ذهبت هباء، وبينما يعمل الأوروبيون بكل ما أوتوا من قوة من أجل تفادي إلغاء ترامب للاتفاق النووي الإيراني الذي تجمع الدول الأوروبية على اعتباره بمنزلة «مرساة» للأمن في الشرق الأوسط، تسعى الرياض في العاصمة الأميركية للتأثير فيه، واللافت أن الأوروبيين بقيادة الفرنسيين، كانوا هم من تصدوا الخريف الماضي، لمحاولة السعودية هز استقرار لبنان عبر إعلان استقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري من العاصمة السعودية.
يبدو أن السعوديين قد وافقوا بشكل أو بآخر على إحياء المفاوضات السياسية حول اليمن بمقترحات جديدة كلياً تضمن انضمام حركة «أنصار الله» إلى الحكومة اليمنية المزمع تشكيلها، وذلك بعد تيقنهم من خطورة موقعهم في سورية، وخصوصاً في ضوء تقلص سيطرة المسلحين المدعومين منهم في محيط العاصمة دمشق، ومخاوفهم من تفجير الروس والإيرانيين الاستقرار القائم في شرقي وشمالي سورية بما يسرع خروج القوات الأميركية.
موافقة السعودية على البحث عن حل سياسي في اليمن واقترابها من قبول وجود حركة «أنصار الله» بشكل أو بآخر في التركيبة اليمنية فرضته وأملته الاستعدادات الكبرى القائمة للبحث في مصير سورية.
الوطن

اترك تعليقاً