الخميس , أغسطس 16 2018
الرئيسية / مقالات / نارام سرجون:حافظ الأسد .. الرجل الذي رفض التوقيع .. فجعل سورية فوق الجميع

نارام سرجون:حافظ الأسد .. الرجل الذي رفض التوقيع .. فجعل سورية فوق الجميع

نارام سرجون:حافظ الأسد .. الرجل الذي رفض التوقيع .. فجعل سورية فوق الجميع

نارام سرجون

هل كان علينا ان ننتظر 18 عاما كي نفتح أدراج الرئيس حافظ الأسد ونخرج منها بعض الوثائق والاسرار .. ونتحدث عن الرجل بانصاف ونعطيه أهم لقب يحوز عليه قائد عالمي كبير .. “الرجل الذي لم يوقّع” .. وهذا الوصف هو الذي يختزل كل شيء كمعادلة فيثاغورثية و معادلة نيوتونية و معادلة اينشتاينية كلها جمعت في عبارة واحدة لها ثقل كل المعادلات السابقة مجتمعة : الرجل الذي لم يوقع !!! عبارة اجترحتها قناة الميادبن في برنامج وثائقي مهم قادم عن الرئيس الراحل حافظ الأسد ..

هاجمت الرجل في حياته وبعد مماته كل كلاب الحي ونبحته كل الجراء .. ورشقه كل غلمان العرب بالحجارة .. وكل مرتزقة الصحافة غرزوا أقلامهم في لحمه كالخناجر حتى لم يبق فيه شبر لايخلو من ضربة قلم أو رمح صحيفة .. وهاجمه كل الذين يوقعون .. وكل الذين يقبضون ويقايضون .. حتى لم تعد جماهير العرب تذكر شيئا عن حافظ الاسد سوى انه اسم مرتبط بأحداث حماة .. وسجن تدمر .. ومرتبط بالديكتاتورية .. ومرتبط بأنه نسخة معدلة وأذكى عن صدام حسين ومقابره الجماعية .. وأنه لم يطلق رصاصة على الجولان .. بل وانه سلم الجولان .. وقيل كل شيء عن الرئيس الراحل .. كل شيء الا شيئ واحد .. هو يختصر كل شيء .. ويختصر كل الحكاية وكل الأزمات التي عاصرته وحاصرته من أول تمرد في حماة الى آخر تمرد في الربيع النفطي العربي .. ويفسر كل هذا العداء والحقد الدولي والعربي عليه .. انه الرجل الذي لم يوقع أي اتفاق مع اسرائيل والرجل الذي لم يسمح لعلم اسرائيل ان يخفق في سماء أهم عاصمة عربية وأول عاصمة اسلامية على الاطلاق .. دمشق عاصمة العصر الأموي ..

كل ماقيل من كراهية بحق الرجل كان سببه أنه لم يوقع .. وكل الترويج لأحداث حماة على انها الصفحة السوداء كان لأنه لم يوقع .. وكل الحقد على اسمه وسيرته سببه انه لم يوقع .. وكل مانال سورية من ظلم وطعن وغدر حتى اليوم سببه ببساطة أن هذا الرجل لم يوقع ولم يمنح التاريخ فرصة ان يتمتع برؤية حبر قلمه يخط توقيعا على معاهدة سلام مع عدو سيرحل عن الارض ان عاجلا أو آجلا .. ويضم دمشق الى القافلة اليهودية وبضاعة شايلوك .. ولم يمنح الاسرائيليين فرصة لقائه ومصافحته .. بل وحرّم على وفود السلام السورية في واي بلانتيشن وحذرها من ان تصافح اي اسرائيلي اثناء المحادثات ..

كم حاول العالم كله أن يقبل هذا الرجل بأن ينضم الى قافلة التطبيع والتوقيع .. لكنه كان يعرف انه لو وقع العالم كله واعترف باسرائيل فان بقاء الرئيس السوري من بين شخصيات العالم التي ترفض التوقيع مع القطيع فانه سيحرج العالم كله أخلاقيا .. لأن كل العالم في قرارة نفسه يدرك ان اسرائيل باغية وظالمة وسارقة وكريهة وكاذبة ودولة بلطجة ولصوصية .. وكل سياسي في العالم يدرك ذلك في أعماق نفسه ولايجرؤ على البوح .. ولكنه سيحس بالحرج ان هناك من امتلك الشجاعة والبأس كيلا يكون جزءا من القطيع اليهودي ..

لو وقّع الرجل لتغير التاريخ كله ولكان كتاب “السيرة الأسدية” يتحدثون عن الرجل الذي كان ان يكون رسولا في سورية وعن الرجل الذي بكته الارض عند رحيله .. وسميت باسمه الشوارع في نيويورك ولندن وباريس وتل ابيب وطوكيو .. وطبعت الطوابع المخلدة له الى جانب ألفريد نوبل ..
ولكن في نفس الوقت لو وقع حافظ الأسد لتغير معنى دمشق .. ومعنى أن نكون سوريين .. وسقطت فلسطين في البحر .. وسقطت بعدها سورية في البحر .. وسقط الشرق .. وسقطت الجغرافيا .. وصار العرب والمسلمون ونبيهم ودينهم وتاريخهم خرافة ..

وهنا يأتي السؤال الكبير .. وهو ان كنا في سورية تجنبنا الحرب الكبرى علينا في ربيع العرب المشؤوم لو كان هذا الرجل قد وقع مايراد له أن يوقعه ووفر علينا هذا الثمن الهائل .. وكأن هناك من يقول: أما كان أنجى لنا لو وقع هذا الرجل ؟؟ وماهو الأجدى لنا بعد اليوم .. أن نوقع ونتبنى شعار سورية أولا .. ام لانوقع ونتبنى شعار سورية فوق الجميع الذي كان شعار الرئيس حافظ الأسد في سياسته ومواقفه؟؟ ..

قد لاأبالغ ان قلت بأن كل الحروب تخاض من اجل كلمات .. وتقرر الهزائم والانتصارات عندما تهزم الشعارات الشعارات .. فالجيوش والدبابات لاتستسلم بل شعارات الجيوش .. والجنود لايحملون السيوف والرماح والبنادق في الحرب بل الكلمات أيضا تخوض الحرب وتتبارز مع الكلمات .. ورايات الاستسلام البيضاء هي في الحقيقة كلمات ترفع على أسنة الرماح وتصلب معلنة الهزيمة وانه تم التضحية بها لتشبه المسيح على الصليب الذي كان يشبه راية بيضاء رفعها البشر على سارية الصليب وهم يستسلمون لكلمات الشيطان ..

أخشى ماكنت أخشاه ان ننجز في الحرب التي شنت على سورية نصرا عسكريا ولكن أن نتعرض لأخطر اختراق فكري وايديولوجي في صعود شعار سورية أولا على حساب شعار سورية فوق الجميع .. وأقصد فعلا الجميع في الشرق .. فالغدر العربي والحقد الذي أظهره العرب على السوريين لايبدو ان اظهاره بهذا الشكل الفاقع كان بريئا .. بل كان المقصود منه عزل الشعور السوري لينكفئ على نفسه ويرفع شعار النأي بالنفس الذي لايجسده الا شعار (سورية أولا) .. بل ان الخطيئة التي استدرجت لها حماس كانت أكبر فخ وقع فيه الفلسطينيون الحمساويون وقاموا بتنفيذه بسذاجة مطلقة كمن يطعن قلبه الموجود في صدر آخر .. فالتركيز الاعلامي الخليجي على مواقف حماس كان يقصد منه ليس اخراج حماس من سورية بل اخراج كل فلسطين من الضمير السوري الشعبي .. وتحويل فلسطين في الوعي السوري الى مصدر للكارثة كان يمكننا تجنبه لو وقّع الرئيس حافظ الاسد وتركنا يومها القضية الفلسطينية ونأينا بأنفسنا كما نأى السادات بمصر وكما نأى المعتدلون العرب والخلايجة عن فلسطين .. وكانت كلمات فيصل القاسم الموجهة للعامة من السوريين وغيرهم (هلكتو ربنا بفلسطين) هي عملية زرع لفكرة جديدة في الوعي ترمي باللائمة على عدم التوقيع على أي سلام مع اسرائيل من أجل فلسطين وكان المقصود أن يقول كل سوري في نفسه: هانحن ندفع ثمن هذا الموقف والقرار .. ولم تكن هذه الفكرة المستهترة بلاصراع مع الاسرائيليين تقدر على النمو ولم يكن احد يتجرأ على التعاطي بها قبل اليوم .. لكن عندما تظهر للعلن في جو محبط فانها تتحول الى عدوى .. وتنكسر هيبة الصراع من أجل فلسطين .. بل ربما كان يراد منه تغيير شكل الوعي السوري والروح السورية .. واستئصال القلوب والأدمغة والارواح في الناس لزرع قلوب جديدة وارواح جديدة تقبل التوقيع على مالم نوقع عليه ..

كان رد فعل بعض السوريين في الحرب في بعض جوانبه انفعاليا وارتكاسيا .. وتسلل فجأة شعار سورية أولا .. وكأنه يرمي باللائمة على الموقف السوري من الصراع العربي الاسرائيلي .. وحاول ان يقول بأن الخيارات التي اتخذتها سورية منذ عهد الأسد الأب كانت سببا في الحرب عليها .. ولو ان شعارات المرحلة الأسدية اتسمت بالواقعية وعدم استعداء الغرب لما وقعت الكارثة .. وفي هذا سيضاف ظلم تاريخي آخر لسيرة حافظ الأسد .. فنلومه لأنه لم يوقع .. ونحمله مسؤولية الحرب علينا بسبب ذلك القرار .. وقد يخرج بعض من يقول رغم اننا انتصرنا: ان الغد يجب ان يحمل سياسة النأي بالنفس والتي تترجم حرفيا الى كلمتين اثنتين فقط تختصران كل الجدل وهو (سورية أولا) ..

للمنفعلين والغاضبين والناقمين والمفجوعين والذين يشعرون بطعم السكين في ظهورهم أقول بأن الانفعال هو منعكس روحي كما هي المنعكسات الجسدية .. حيث يتصرف الجسد المتألم بانفعال وعصبية ليبتعد من مصدر الألم والوخز .. وكذلك الروح المتألمة .. ولكن علينا أن نسأل أنفسنا قبل ان نطرح هذا الشعار: هل تعتبرون هذا الشعار انتصارا لكم أم للاسرائيليين؟؟ أي من المستفيد من اقصائكم عن الصراع أنتم أم الاسرائيليون؟؟ ان الحقيقة هي ان اسرائيل ستعلن انها ضربت ضربتها وحققت هدفها في ادخال السوريين الى حظيرة (النأي بالنفس) التي تحشر فيها عددا من البلدان العربية بحجة السلامة والوقعية .. وهل يحق للاسرائيلي ألا ينأى بنفسه عن أي شيء ويتدخل في السياسة الداخلية لشعوب اوروبة ويفرض عليها النأي بالنفس في قضية فلسطين .. ويصل الى افريقيا ويتدخل في جنوب اميريكا بينما لايحق لنا ان نخرج خارج حدود حاراتنا ومزارعنا وخيمنا؟؟

اولا .. السلامة ليست انتصارا .. بل هي مرحلة تسمين الخراف قبل ذبحها .. وأمثلة الشعوب التي تراخت هممها ومالت الى تصديق اوهام السلام لاتزال ماثلة للعيان .. فالهنود الحمر هم أكثر امم الأرض سلاما ووقعوا مئات المعاهدات للسلام مع الغزاة .. ونقضها كلها الغزاة الذين كانوا يوقعونها كاستراحة المحارب قبل ان ينقضوا على القرى الهندية ويبيدوها ..
واذاكان الكلام عن البطولات تعتبرونه مناسبا للحكايات فقط وليس للواقعية والحاجة لحل مشكلاتنا بالتنازلات المؤبمة .. فالرجاء ان تتوقفوا عن تعليم ابنائكم قصصا عن البطولات والوطنية والتضحيات .. وكفاكم تحدثونهم مرة عن المسيح الذي ضحى بنفسه من أجل قتل الخطيئة .. وعن النبي محمد بن عبدالله الذي رفض ان يوضع الشمس في يمينه والقمر في يساره على ان ينأى بنفسه وأهله عن مشروعه العظيم .. وأنتم تفضلون ان تضعوا زجاجة كوكا كولا في يمينكم وزجاجة ببسي كولا في شمالكم ..

ان شعار النأي بالنفس الذي يقول أنا ومن بعدي الطوفان هو شعار العاجزين وشعار المتعبين والهزالى ومن مات فيه الطموح ودبت الشيخوخة في عروقه وصار كل همه في الحياة ان يعيش على عكاز ويعيش على الحبوب والعقاقير المسكنة لألم الظهر والمفاصل .. وكل حروب الغرب وأميريكا هي لارغام الأمم لدخول حظيرة (النأي بالنفس) .. ايران يجب ان تنأى بنفسها .. وروسيا والصين .. وفنزويلا وكوبا والبرازيل .. الكل يجب ان يحبس نفسه في بيته ويغلق ابوباه ونوافذه ويسدل الستائر .. واذا سمع صراخا في الطريق وسمع فوران الدم على الأرضفة واصوات المغتصبات عليه ان يضع اصبعيه في أذنيه ويغلق فمه .. ةويتحول الى قرد لايتكلم ولايسمع ولايرى .. هذا هو باختصار شعار النأي بالنفس .. وانا أولا ومن بعدي الطوفان ..

وحافظ الأسد كان يعرف ان التوقيع هو مجرد رسم وخطوط متقاطعة يصنعها في ثوان لكن التوقيع هو الذي ينقلنا من شعار سورية لاتشبه أحدا ولاسقف لطموحاتها كدولة ذات حضارة متفوقة في التاريخ قدمت أبجدية للبشر .. ومتفوقة في تطلعاتها وهي فوق الجميع .. الى شعار ضئيل صغير خجول بلا طموحات يتهيب صعود الجبال ويعيش بين الحفر ويمشي الحيط الحيط ويطلب الستر .. وكل الامم التي جربت هذا الشعار وعاشت في ظله فقدت نفسها وموقعها وطموحها .. وصارت تابعة لكل من يرى نفسه في الغرب انه فوق الجميع ومن حقه ان يضبط ايقاع الأمم على ايقاع ثقافته وقوته ..

ان كل غاية الحرب على سورية هي اسقاط شعار التفوق والتميز (سورية فوق الجميع) وارغامنا على ان نرفع شعار (سورية أولا) ورفع شعار القرود الثلاثة (لانرى ولانسمع ولانتكلم) كما قرود العالم الاسلامي وقرود العرب .. وأن ندفع ثمن موقف الرئيس الأسد الأب الذي لم يوقع .. وأن نوقع على مالم يوقع عليه ..

الرجل الذي لم يوقع .. برنامج يظهر كم تأخرنا في اعلاء شأن الرجل الذي منحنا التميز والفرادة .. وكم كنا مقصرين في تكريم هذا الرجل الصلب .. وكم تركناه تحت نصال المزورين والحاقدين ككنز مهجور وذهب عتيق والماس براق .. فيما الآخرون يتباهون بقصديرهم ونحاسهم وخشبهم وخروقهم ..

هذا البرنامج سننتظره على الميادين وسنتحقق ان كان أنصف الرجل بعد أن ظلمناه 18 عاما لأننا صمتنا عندما كان الذين وقعوا يحاولون ان يصوروه طاغية وبائعا للجولان رغم أن أهم حقيقة على الاطلاق يحاول الخصوم اخفاءها هي أن من يتهم بالبيع هو الرجل الوحيد الذي لم يوقع اي اتفاق للبيع والشراء في زمن كان البيع والشراء فيه مهنة العرب والمسلمين زعماء وقيادات ونخبا .. حاول الجميع اخفاء الحقيقة الأهم والصفة التي ستلازم اسمه الى نهاية الزمان .. الاثر العظيم والانجاز للرجل الذي لم يوقع في زمن وقع فيه الجميع .. حتى الفلسطينيون وقعوا وتنازلوا عن فلسطين .. وبقي هو وحده لأنه كان فوق الجميع .. ليبني بلدا سيكون فوق الجميع .. فكان في صموده الاسطوري بلدا أذهل الجميع فصار بذلك فوق الجميع .. امتلك جيشا فوق جميع الجيوش .. وشعبا فوق جميع الشعوب بصلابته وفدائيته .. ونصرا فوق جميع الانتصارات ..

لهذا لن نوقع .. لأننا جيل الرجل الذي لم يوقع .. وسنبقى الشعب الذي لن يوقع .. لأننا نستحق ان نكون شعبا طموحاته فوق حدود الشمس .. ونستحق ان نكون الشعب الذي يقود الشرق .. ويتبعه كل الشرق .. الى القدس

شاهد أيضاً

عبد الباري عطوان:على ماذا يراهن سعد الحريري في تهجمه على سورية؟

عبد الباري عطوان:على ماذا يراهن سعد الحريري في تهجمه على سورية؟ عبد الباري عطوان لم …