الجمعة , أغسطس 23 2019

عفرين في قبضة الاحتلال: «تتريك» مع «حبّة مسك»!

عفرين في قبضة الاحتلال: «تتريك» مع «حبّة مسك»!

صهيب عنجريني

«عفرين لا تشبه نفسها في شيء». بهذه الجملة يمكن تلخيص عام من المآسي الاستثنائية التي عاشتها المدينة منذ بدء الغزو التركي لها. ومثلها مثل كل المناطق السورية المنكوبة، ذاقت المدينة كل ويلات الحرب، مضافاً إليها الوقوع تحت راية الاحتلال التركي. ولم يوفّر الأخير الفرصة، فأطلق «ورشة» مستمرة من التخريب الممنهج لكلّ شيء، جرياً على عادته في كل المناطق التي خضعت له، مع خصِّه عفرين بـ«حبّة مسك».

يقسم أبو محمد أنه لا يصدق حتى اليوم ما حلّ بمدينته، عفرين. لا ينبع ذهول الرجل مما حلّ بالمدينة وأهلها عقب احتلالها، إذ «لا شيء مستغربٌ على التركي». لكن فكرة سقوط المدينة في قبضة أنقرة ومن يدور في فلكها كانت «آخر ما يمكننا تخيله»، وفقاً لتعبير الرجل الستيني.

هناك إصرار على تبرئة واشنطن، أقله إعلامياً، من دم عفرين

قبل عام من الآن، كان معظم سكان المدينة مؤمناً بأنها ستخرج منتصرة من معركتها، كما خرجت عين العرب (كوباني) منتصرة في الرمق الأخير من معركتها ضدّ «داعش». لكن «حسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر»، واتّضح لاحقاً أن القتال تحت غطاء «التحالف» الجوي يختلف عن القتال ضدّ الرغبات الأميركية. وعلى رغم أن شعور الخذلان الذي عرفه أبناء عفرين كان ممزوجاً بالغضب تجاه الجميع، فإن نصيب «قوات سوريا الديموقراطية» منه هو الأكبر. «هم أبناؤنا، وعلى عاتقهم كانت تقع مسؤولية حمايتنا»، يقول الرجل المكلوم، ويوافقه في ذلك عدد من أبناء المدينة تحدّثت إليهم «الأخبار»، كلّاً على حدة. أما مصادر «قسد»، فتحاجج بأن «الجميع تواطأ على عفرين: دمشق، وموسكو، والمجتمع الدولي». ويبدو لافتاً إصرار المصادر على تبرئة واشنطن من دم عفرين حتى اليوم (أقله إعلامياً)، مع تكرار لازمة بعينها: «الأميركيون كانوا واضحين منذ سنوات طويلة، وقالوا إن عفرين خارج مسؤولياتهم». وإذا كان الأوان قد فات على الحديث عن ظروف المعركة، فإنه «ضروري للتعلم منه، كي لا نكرر الأخطاء حين نخوض معركة التحرير»، وفقاً لما يؤكده أحد شبان المدينة البعيدين عنها.

على خُطى ما سبق
يقود البحث في ما عرفته المدينة وأبناؤها منذ سقوطها رسمياً في قبضة أنقرة (18 آذار/ مارس 2018) إلى الوقوف على سيناريو مشابه لما شهدته مناطق «درع الفرات»، وبما ينسجم مع «العرف التركي». ويؤكد أبناء عفرين أن نصيب منطقتهم من الحقد مضاعف لأسباب تتعلق بـ«القضية الكردية»، غير أن الحال في المناطق الأخرى لم تكن أفضل. ويمكن القول إن الشعار غير المعلن الذي ترفعه أنقرة في الملف السوري هو «لا فرق بين كردي وعربي إلا بالولاء». وكما كان النهب مدخلاً إلى مرحلة «التتريك» الممنهج، ديدن أنقرة في التعامل مع لواء الإسكندرون قبل عقود، تكرّر العمل وفق المسار ذاته في مناطق «درع الفرات» («الأخبار»، 12 تشرين الأول 2017)، قبل أن تدخل منطقة عفرين على الخط في العام الأخير.

إفقار ممنهج
جاء العمل على إفقار أبناء المنطقة على رأس أولويات أنقرة والمجموعات السورية التي انخرطت في عملية «غصن الزيتون». وعقب سقوط المدينة، عمد الأتراك إلى إطلاق أيدي المسلحين المشاركين في العملية لمدة ثلاثة أيام، كانت «الغنائم» فيها من حقّ الجميع. لاحقاً، باتت المسألة «دقيقة»، وصار النهب امتيازاً تحظى به مجموعات بعينها، في ما يبدو أنه «نظام محاصصة» بين المجموعات «المختارة» وبين غرف العمليات التركية. وحظيت معاصر الزيتون، ومعامل تصنيع صابون الغار، ومعامل «البيرين» (مخلفات الزيتون المجروش) باهتمام خاص في أولويات النهب، نظراً لما توفره من ثقل اقتصادي لأصحابها. وتؤكد معلومات متقاطعة أن سبع معاصر زيتون على الأقل قد نُهبَت بالكامل، علاوة على قطع وحرق جزء من حقول الزيتون، والاستيلاء على حقول أخرى، وفرض إتاوات على أصحاب الحقول الباقية، ثم إجبارهم على بيع محاصيلها بأثمان بخسة. وتناولت تقارير إعلامية عدّة ملفّ «زيتون عفرين»، واستفاض موقع «بي بي سي/ عربي» فيه.

يُرجّح أن تفتتح المؤسسات التركية فروعاً لها في عفرين

كذلك، لم تُغفل المجموعات المسلحة ضرورة الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من العقارات، سكنية كانت أو تجارية، مع الحرص على تغليف المسألة بـ«غلاف قانوني». وشكلت العقارات التي تملّكها أصحابها بين عامي 2013 و2018 هدفاً سهلاً في هذا الإطار، تحت حجّة «عدم وجود مستندات ملكية رسمية». وبسبب إغلاق مؤسسات الدولة السورية في المنطقة، كانت معظم عمليات البيع والشراء التي جرت في السنوات المذكورة تُنجز بموجب عقود تُنظَّم في المكاتب العقارية، أو تُسجَّل في أفضل الأحوال لدى «الإدارة الذاتية». ودأبت المجموعات المسيطرة على عفرين في العام الأخير على عدّ كلّ عقار جرى تملّكه بهذه الطريقة هدفاً مُباحاً. ولم تسلم «أملاك الدولة» من الاستيلاء، وجرى الاستيلاء أخيراً على مساحات واسعة منها بغية إنشاء «مدن سكنية»، إحداها ستُشيَّد في منطقة شيراوا (قرب مريمين) بإشراف «جيش الإسلام». وتفشّت ظاهرة الخطف بهدف تقاضي فِدى في مقابل إطلاق المخطوفين، وراوحت المبالغ المقبوضة ما بين 15 و20 ألف دولار لـ«الفدية الصغيرة»، وأضعاف ذلك لـ«الفدية الكبيرة». وتشير مصادر محلية إلى استشراء ظاهرة لم تنل نصيبها من الضوء بسبب حساسيتها، هي اختطاف الفتيات والنساء على وجه الخصوص. وتؤكد مصادر «الأخبار» أن حوادث كثيرة من هذا النوع قد وقعت، وسارعت الأسر إلى دفع المبالغ المطلوبة بصمت «تحاشياً للفضائح».

عجلة «التتريك» دارت
لا يغيب العلم التركي، أو صور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن أنظار سكان عفرين. وبادر «المجلس المحلي» المتحكم بعفرين إلى إطلاق اسم أردوغان على ساحة رئيسة في المدينة، فيما غُيِّر اسم «دوّار كاوا الحدّاد» إلى «دوّار غصن الزيتون»، مع ما يمثّله الأمر من إشارات رمزية خاصة. وعلى رغم أن المؤسسات التركية لم تفتتح فروعاً لها بعد في عفرين (أسوة بمناطق «درع الفرات»)، إلا أن الخطوة مرجّحة الحدوث مستقبلاً، فيما أُولِيَ استهداف التعليم اهتماماً خاصاً. وعلاوة على خروج معظم مدارس المنطقة عن الخدمة، وتحويل بعضها إلى مقار عسكرية، تؤكد مصادر محلية أن «مسؤولين أتراكاً في وزارة التربية والتعليم دأبوا على زيارة مدارس المنطقة دورياً»، مع الإشارة إلى فرض تدريس اللغة التركية، وإلى إشراف تركي مباشر على وضع أسئلة الامتحانات.

حزام تركماني… وضلوع أميركي

يحضر الفرز الديموغرافي دائماً على الأجندة التركية، وعلى مختلف الصعد. والتزاماً بذلك، تحرص أنقرة على إنشاء «شريط حدودي بشري» يعزل منطقة عفرين عن لواء الإسكندرون. ووقع الاختيار على التركمان ليكونوا سكاناً حصريين لمعظم القرى القريبة من الحدود، كذلك حُصر الوجود العسكري فيها بـ«الألوية التركمانية». وحافظت معظم هذه «الألوية» على مكانة خاصة لدى أنقرة منذ سنوات طويلة (الأخبار، 7 آذار 2014). اللافت أن مصادر محلية من عفرين تؤكد «ضلوع الأميركيين بعمليات التغيير الديموغرافي، وكل ما يتفرع عنها في عفرين». وتشير المصادر إلى أن أبرز الفصائل الفاعلة في المنطقة هو «لواء المعتصم»، الذي أنيط به الإشراف غير المباشر على مجموعات كثيرة، ومن بينها مجموعات كبيرة مثل «جيش الإسلام» و«فيلق الرحمن». ويُعدّ «المعتصم» واحداً من «أكبر الفصائل المدعومة أميركياً، وينسّق كل تحركاته مع الاستخبارات الأميركية».
الأخبار