الأحد , أغسطس 18 2019

كيسنجر في دمشق ..

كيسنجر في دمشق ..

مؤتمر جنيڤ .. الجزء الثاني ..

لم يكن موعد عقد المؤتمر، أو حتى كيفية صياغة رسالة الدعوة، هما المسألة الجوهرية، إذ قبل الوصول إلى تلك المرحلة المتقدمة لم تكن سورية قد قررت هل ستحضر مثل هذا المؤتمر أم لا. و نبّه الأسـد كيسنجر إلى أنّه لم يُتخذ بعد أيّ قرار يتعلق بهذا الأمر في دمشق، و أنّ الحديث عن تشكيل وفد لهذه الغاية ما زال سابقاً لأوانه. و أضاف أنه و قبل اتخاذ قرار نهائي. لا بدّ من أن يكون الأسـد مقتنعاً شخصياً بما سيحرزه مثل هذا المؤتمر لصالح العرب.

و أكّد الأسـد أنه عندما قبلت سورية قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ذا الرقم 338، كانت هناك رؤية واضحة للكيفية التي سيبدو عليها مؤتمر السلام. غير أنّ التفسيرات المختلفة لقرار الأمم المتحدة لا سيما الأمريكية منها و الإسرائيلية،ساهمت في تعقيد الأمور و جعل الصورة العامة غير واضحة تماماً، فضلاً عن تباين الرؤى الأمريكية السوفييتية لمؤتمر السلام، و مخرجاته النهائية، مما زاد الأمر تعقيداً.

أصيب وزير الخارجية الأمريكي بصدمة كبيرة، فقبل ثلاثة أيام من الموعد المفترض لافتتاح مؤتمر جنيف، و بينما كان كيسنجر غارقاً في الإجراءات الشكلية للمؤتمر، أراد الزعيم السوري التفاوض سورية حول مشاركة في المؤتمر، إنّ لم يكن الهدف منه التوصل إلى تسوية شاملة للصراع العربي – الإسرائيلي بمجمله. و كان ذلك هو الكابوس الملازم لكيسنجر الذي تمكّن السوفييت من إقناعه قبل مجيئه إلى دمشق ـ أو ربما ادّعى ذلك ـ أنّ سورية كانت مستعدة لحضور جنيف من دون شروط مسبقة.

و قال كيسنجر، مشتكياً إلى الأسـد، إنه لا يحقّ للاتحاد السوفييتي الامتناع عن إعلام الأمريكيين بمجريات الأمور. و أكّد أنه لا يوجد أيّ اتفاق حتى ذاك التاريخ بين واشنطن و موسكو حول اي قضية جوهرية من قضايا الشرق الأوسط باستثناء الاتفاق على ضرورة عقد مؤتمر ذي طبيعة ما. و أنّ أي معلومات مخالفة ترد إلى سورية غير صحيحة دون شك.
و بصراحة قال كيسنجر للأسـد: ” عليّ أن أكون صادقاّ معك، أعتقد أن بوسعنا أن نكون أسرع من الاتحاد السوفيتي في عقد صفقة معك . ”

و خلافاً للسوفييت، ادعى كيسنجر أن لديه نفوذاً حقيقياً في إسرائيل، التي هي طرف حاسم في عقد مؤتمر للسلام أو إفشاله، إلا أنّ الولايات المتحدة ، و بعيداً عن العلاقات الودّية، لم تكن تعترف بـ ” مناطق نفوذ في الشرق الأوسط .” و قال كيسنجر للأسـد إنه لن يبدي أيّ تذمّر إن أرادت سورية التشاور مع الروس، مؤكداً أنّ الولايات المتحدة ” لا تسعى إلى التأثير في العلاقات السورية – السوفييتية. ” بالطبع، لم تكن عبارته الأخيرة صادقة، إذ كتب كيسنجر في مذكراته صراحةً أنّ الولايات المتحدة تفضل أن تكون العلاقات السورية السوفييتية ( أقلّ تقارباً. ) كان كيسنجر يعلم مسبقاً أنّ أنور السادات يبتعد بالتدريج، و لكن على نحو مؤكد، عن المعسكر السوفييتي ليدخل في تحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، ممّا جعله يتصور إمكان تأرجح الأسـد في موقفه و حذوه حذو السادات.

لم يُجب الأسـد، بل أشار إلى كيسنجر أن يتابع حديثه، ممتنعاً بحذر عن إعطائهِ جواباً نهائياً، إذ لم يسمع بعد كلّ ما أراد أن يسمعه من الأمريكيين. كان كيسنجر يدور مراراً و تكراراً حول منطقة أكثر راحة للتفاوض، معتبراً الحصول على موافقة الأسـد على حضور مؤتمر جنيف امرا مسلّماً به. ثمّ عاد إلى مناقشة جدول أعمال المؤتمر. في المرحلة الأولى، يجب التوصل إلى فصل القوات، و يجب على إسرائيل الانسحاب من بعض الأراضي العربية. و ستشهد المرحلة التالية انسحابات إسرائيلية أخرى، و بحثاً حول موضوع الضمانات الأمنية، و نقاشاً حول مصير الفلسطينيين، و القدس طبعاً.

تردّد كيسنجر إلى حدّ ما في نقاش الشؤون الفلسطينية مع الزعيم السوري، إذ نصحه الجميع ألا يفعل، و لكنه أراد أن ” يختبر حظّه، معولاً على حسن الضيافة العربية. ” و قال كيسنجر مقراً ” لا يمكن إيجاد حلّ دون أخذ حقوق الفلسطينيين بالاعتبار “، ابتسم الأسـد، و قد بدت الدهشة على وجهه لدى سماعه مثل هذا الموقف الأمريكي، أو ربما كانت زلّة لسان. و بسرعة أضاف كيسنجر أن هذه ليست خدعة، و أنه مستعدّ لـ ” كتابة رأيه في مذكّرة يؤكد فيها وجهة نظره عن الفلسطينيين “، لكنه طلب أن يبقى هذا الأمر سراً. و شدّد على أنّ أي محادثات بين الولايات المتحدة و الفلسطينيين يجب أن تبقى سريّة، شأنها شأن الإجتماع الذي جرى بين وفود من منظمة التحرير الفلسطينية، و الدبلوماسيين الأمريكيين فى المغرب إبّان حرب تشرين الأول.

و هنا مثّل كيسنجر دور الجاهل – و هذه تقنية مشروعة في الدبلوماسية ـ قائلاً إن هناك الكثير من الجماعات الفلسطينية، تقارب فى عددها عدد الدول العربية، و إنه لا يدري حقاً مع أيّ جماعة يجري اتصالاته، طالباً النصح، من الآن فصاعداً، من الأسـد حول أكثر الجماعات الفلسطينية أهمية في السياسة الفلسطينية.

من كتاب حافة الهاوية ” وثيقة وطن ”
الرواية التاريخية لمباحثات حافظ الأسـد و هنري كيسنجر
للدكتورة بثينة شعبان المستشارة السياسية و الإعلامية للسيد الرئيس بشار الأسد
ص 47