الثلاثاء , مارس 19 2019

خيبة ترامب الكبيرة

خيبة ترامب الكبيرة

فارس الجيرودي

هكذا فاجأ الرئيس الأميركي منذ أشهر الصحفيين، في وصفه لعلاقته الشخصية برئيس كوريا الشمالية “كيم جونغ أون”، الرجل الذي قامت وسائل الإعلام الغربية بشيطنته وشنّ أعنف الحملات الإعلامية ضدّه، وهو الزعيم الذي افتتح ترامب نفسه عهده الرئاسي بتهديدات عنيفة لنظامه.

«كنا نتبادل التهديدات.. ثم وقعنا في الحب»

هكذا فاجأ الرئيس الأميركي منذ أشهر الصحفيين، في وصفه لعلاقته الشخصية برئيس كوريا الشمالية “كيم جونغ أون”، الرجل الذي قامت وسائل الإعلام الغربية بشيطنته وشنّ أعنف الحملات الإعلامية ضدّه، وهو الزعيم الذي افتتح ترامب نفسه عهده الرئاسي بتهديدات عنيفة لنظامه.

ثم أن ترامب وفي تصريحات مفاجئة أخرى، توقّع مستقبلاً اقتصادياً باهراً لكوريا الشمالية، معتبراً أنها أكثر دولة في العالم تمتلك مؤهّلات النمو الاقتصادي السريع.

ليحطّم ترامب بذلك كل القوالب السياسية التي اعتمدها أسلافه في البيت الأبيض، في تصريحاتهم عن البلد الشيوعي الذي تقاطعه واشنطن منذ الحرب الكورية بين عامي 1950-1953، وهي الحرب التي انتهت بتقسيم شبه الجزيرة الكورية إلى شطرين، بعد أن ألقت الولايات المتحدة خلالها متفجّرات تكفي ليحصل كل مواطن كوري على 2 كيلو TNT، لو تم توزيع ما ألقي من قنابل بالتساوي على مجمل الكوريين يومها.

ترامب قام برهان التقرّب من أون، أملاً منه في تحقيق مكسبين رئيسيين، الأول داخلي يخصّ حسابات صراعه العنيف مع مراكز القوى في الدولة الأميركية العميقة، حيث روّج ترامب لنفسه عبر موقع “تويتر” باعتباره الرئيس الذي يتمتّع بقدرات دبلوماسية فوق العادة، والتي بفضلها جنّب أميركا حرباً نووية مع كوريا الشمالية.

فرغم أن “بيونغ يانغ” لم يسبق لها أن بدأت بتهديد الولايات المتحدة، بل هي مَن كانت في الواقع تتلقّى أعنف التهديدات بمسحها من على الخريطة من قِبَل المسؤولين الأميركيين، إلا أن معظم نتائج استطلاعات الرأي التي تجريها بشكل دوري وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الأميركية على الرأي العام الداخلي، تضع كوريا الشمالية في مقدّمة الأخطار الخارجية التي تهدّد الأمن القومي الأميركي.

بالطبع تعود هذه النتيجة لحملات «البروباغندا» المكثفة التي تقوم بها وسائل الإعلام الأميركية ضد ذلك البلد، لكن ترامب بالنتيجة قرّر الاستفادة من كل ذلك وراهن على اتفاق مع أون ينتهي بنزع سلاحه النووي، ليقدّم الاتفاق للرأي العام الأميركي كإنجاز تاريخي لإدارته.

المكسب الثاني الذي طمع ترامب بالحصول عليه من خلال مُغازلة كوريا الشمالية وإغرائها بالنمو الاقتصادي، هو جرّ ذلك البلد إلى صفّه بمواجهة الصين الدولة التي تحدّث ترامب كثيراً في حملته الانتخابية عن الأخطار التي تمثلها على الاقتصاد الأميركي، وبدأ عهده بشنّ أكبر حرب تجارية ضد شركاتها و منتجاتها، فبالنسبة لبكين المُحاصرة بطوق من البلدان التي تستضيف قواعد أميركية، كوريا الشمالية تعتبر قضية أمن قومي، حيث ظلت الصين تمد لها شريان الحياة عبر الحدود التي تفصلها عنها، في وقت قاطعها الغرب فيه، ولم تعترف بها الأمم المتحدة كبلد مستقل إلا بعد قيامها الفعلي بنحو أربعين عاماً.

لكن وبالنتيجة وبعد سفره لمدة 20 ساعة من الطيران إلى فيتنام، أملاً منه في توقيع اتفاقٍ يؤمّن نزع أسلحة كوريا الشمالية، لم يستطع “دونالد ترامب” الا أن يطأطىء رأسه كمداً وقهراً بسبب فشل القمّة، التي اختصرت مراسمها المعلنة، فلم تنته لا بغداء مشترك ولا بتوقيع أيّ اتفاق، رغم ذلك حاول ترامب تجميل الموقف، فأعلن أن «علاقته بالرئيس الكوري الشمالي جيّدة، وأن فشل القمّة لن يؤثر عليها»، ليطيح”كيم جونغ أون” بما تبقّى من هيبة ترامب، عبر تجربة نووية جديدة هزّت شبه الجزيرة الكورية بعد يومين فقط من القمّة.

ويبدو أن خطأ ترامب التاريخي الذي يدفع ثمنه اليوم في مفاوضاته الكورية، ليس سوى انسحابه الأهوج المتغطرس من طرف واحد من الاتفاق النووي مع إيران، حيث كان ذلك الانسحاب دليلاً قاطعاً على أن أي اتفاق مع واشنطن لا يساوي في ميزان العلاقات الدولية حتى قيمة الحبر الذي كتب به.

فبدلاً من الاستجابة لإغراءات واشنطن الاقتصادية، استغلّ الرئيس الكوري الشمالي اندفاع ترامب نحو تحقيق اتفاق تاريخي، ففتح “كيم جونغ أون” باب التسوية مع واشنطن، ثم أغلقه فجأة على أصابع ترامب، ليلقّنه درساً لن ينساه طوال حياته، وليسجّل نقاطاً في رصيده الشعبي الداخلي، بعد أن أهان الرئيس الأكثر غطرسةً في تاريخ الولايات المتحدة، وليبرهن للصين أن استثمارها في تنمية اقتصاد جارتها الكورية، التي تعاني ظروفاً اقتصادية صعبة بسبب الحصار الأميركي، أكثر جدوى من المراهنة على تجنّب مواجهة آتية لا محالة مع واشنطن.
الميادين

شاهد أيضاً

سورية في مواجهة حرب الاستنزاف والإرهاب بوظيفته الجديدة

سورية في مواجهة حرب الاستنزاف والإرهاب بوظيفته الجديدة العميد د. أمين محمد حطيط مع بداية …