الجمعة , نوفمبر 15 2019
الناتو في كفر نبودة

الناتو في كفر نبودة

الناتو في كفر نبودة

كان من الواضح أن هناك تغيرات كبيرة ستحصل على مستوى الصراع في سورية من لحظة توجيه الأسير عبد الله أوجلان رسالته إلى الكرد في سورية، طالبهم فيها بوضع الحساسيات التركية في سورية ضمن حساباتهم السياسية، وترافق الأمر مع قبول هيئة الانتخابات التركية على إعادة انتخابات رئاسة بلدية إستنبول، ولا يمكن لهذا الأمر أن يحدث إلا إذا ضمن الرئيس التركي نجاح مرشحه في إستنبول، وهي الانتخابات التي ستقرر مصير الرئيس التركي سياسياً، وهذا الأمر يعتمد بشكل أساسي على تحويل كتلة انتخابية ضخمة لحزب الشعوب الديمقراطي، الذي يجّـير مليون ومائتي ألف صوت لصالح المرشح بن علي يلدريم، مقابل مرشح حزب الشعب الجمهوري إمام عمران أوغلو.

لا يمكن لهذا المؤشر المهم أن يتم بعيداً عن الرغبة الأمريكية وقرارها بإعادة احتواء تركيا ضمن حلف الناتو كلياً، ووفق المصالح الأمريكية التي تتعرض لضغوط شديدة في سورية والعراق واليمن وفلسطين، بالإضافة للفشل الكبير في محاصرة روسيا وإيران والصين أمنياً واقتصادياً وسياسياً، وهذا ما دفعها لسلوك سياسة مختلفة تعتمد على احتواء الكرد وتركيا ضمن مشروع سياسي جديد، عماده الأساس تركيا الطامحة لأن تكون صاحبة القرار الإقليمي تحت المظلة الأمريكية، بعد أن وصلت لمرحلة الإفلاس، نتيجة الديون التي تجاوزت الأربعمئة وعشرين مليار دولار، والتهديدات الأمريكية بتدمير الاقتصاد التركي المرتبط بطبيعته بالغرب.

الصيغة المقترحة ستكون بالعودة إلى الشكل العثماني للعلاقات التركية الكردية التي تميزت بالمتانة والشراكة الكبيرة حتى معاهدة لوزان عام 1923، ولَم تنفك عراها حتى الآن مع شريحة واسعة من كرد تركيا الذين يصوتون انتخابياً لصالح حزب العدالة والتنمية. إن هذه العودة تتيح لتركيا أن تمد نفوذها عبر كرد سورية والعراق بالإضافة لكرد تركيا الذين يشكلون نسبة كبيرة تتجاوز العشرين بالمئة من عموم سكان تركيا، على غرب آسيا، مع إعطاء الكرد حقوقاً ثقافية، وشراكة على مستوى الإدارة والسياسة.

أين روسيا وإيران من هذا التحول؟

ربما تكون إيران وروسيا أكبر الخاسرين إذا ما كُتب لهذا المشروع الأمريكي النجاح، إذ ستتحول تركيا إلى تهديد كبير للخاصرة الروسية الرخوة في الممرات البحرية، والضغط عليها للخروج من سورية، وحرمانها من القاعدة البحرية الوحيدة في المياة الدافئة على البحر الأبيض المتوسط، كما أن إيران ستخسر المنفذ الأساس لها لفك الحصار عنها، وستتعرض للضغط الكبير للخروج من سورية، وقطع التواصل البري بين طهران وبغداد ودمشق، بالإضافة للتهديد المحتمل من قبل كرد إيران، وبالتالي تهديد وحدة الأراضي الإيرانية، ثم تفكيك سورية والعراق كتحصيل حاصل.

ومن هنا تأتي أهمية معارك ريف حماه الشمالي الغربي، التي تعتبر معركة كفر نبودة المفتاح الأساس لها، ومن الواضح الآن كيف تدخلت القوات التركية بشكل مباشر عبر الدعم اللوجستي الكبير، وخبراتها العسكرية وتدخل الناتو المباشر عبر مرتزقة الشركات الأمنية، وإطلاق الصواريخ على قاعدة حميميم كرسالة واضحة للمغادرة وإقفالها.

لقد أدرك الروس طبيعة هذه المعركة، وطبيعة الرسائل والتهديدات المحملة من خلال الهجوم المتواصل للمجموعات المسلحة التي يقودها الناتو مباشرةً أو بوساطة تركيا، ما دفعهم للتدخل العسكري الكثيف، واعتبار المواجهة الحالية في ريف حماة الشمالي الغربي بمثابة مواجهة واضحة وصريحة مع حلف الناتو، وعليها تتوقف إشعارات البقاء في سورية من عدمه، والأهم من ذلك ضرورة وصول روسيا لقناعة مفادها أن إمكانية احتواء القيصر للسلطان عملية معقدة، وقد تكون أقرب للاستحالة رغم جميع الرهانات الاقتصادية، والاتفاقات والمشاريع التي تمت بين الطرفين حتى الآن، وخاصةً أن هناك اثنا عشر حرباً قد حصلت بين روسيا القيصرية والسلطنة العثمانية، بالإضافة لوجود تجربة حديثة بعد قيام الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 التي قامت بفضح سايكس بيكو المتضمن تقسيم تركيا بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، ودعمها الكبير لمصطفى كمال في حرب الاستقلال، وتثبيت حدود تركيا الحالية، ثم انقلاب تركيا عليها والتحاقها بالغرب، ثم انضمامها لحلف الناتو بعد الحرب العالمية الثانية.

ويبقى الخيار الروسي الأخير لإمكانية احتواء تركيا في مشروع يشمل كامل الإقليم القابع على فوهة بركان، بالعودة للاعتماد على سورية وإيران، وضم العراق ضمن منظومة تحالف استراتيجي تعمل على توفير ممرات برية آمنة، تبدأ من شواطئ بحر قزوين عبر إيران والعراق إلى البحر الأبيض المتوسط، وقطع البوابة الجنوبية لتركيا نحو سورية، وكامل المنطقة العربية، ولا يمكن أن يتم هذا إلا بعد تحرير إدلب بأكملها، وكافة المناطق المحتلة في جرابلس وعفرين وريف حلب الغربي، ما يعني بالضرورة خروج الولايات المتحدة من المعادلة السورية والعراقية، وبالتالي سقوط كل الرهانات الأمريكية على إمكانية إيجاد قوة إقليمية كبيرة، خاضعة للسياسات الأمريكية. وهذا يقتضي بطبيعة الحال إعادة التفكير بالمصالح الروسية العليا التي تتطلب إعادة التفكير بطبيعة العلاقة مع “إسرائيل” وبقية الدول التي لا يمكنها الخروج على الإرادة الأمريكية، طالما بقيت بقوتها.

اقرأ ايضا: الجيش السوري يصد هجوما لمقاتلي “النصرة” على كفر نبودة ويقضي على 10 منهم

معركة إدلب هي معركة وجود روسيا في كامل المنطقة، كما أنها معركة بقاء سورية، ومن يحسم معركة إدلب فإنه سيحسم مستقبل كلا المحورين المتواجهين في سورية، وسيعيد تشكيل الأدوار الداخلية المحلية والإقليمية التي تتطلب نمطاً جديداً من العلاقات البينية، يخرجها من نار الصراعات التي فتكت به، كما أن بقاء إدلب على حالها سيجعل سورية والإقليم بأكمله بحالة استنزاف دائمة، بالإضافة لروسيا.

مداد – مركز دمشق للابحاث والدراسات

د. أحمد الدرزي