الأحد , أغسطس 18 2019
الفقر في سوريا مُخيف فعلاً إن صحّت هذه الرؤية!

الفقر في سوريا مُخيف فعلاً إن صحّت هذه الرؤية!

الفقر في سوريا مُخيف فعلاً إن صحّت هذه الرؤية!

لم تعد مديونية الدول والحكومات معياراً يُعتد به في حسابات الغنى والفقر، بل أكثر من ذلك باتت المديونية المعدومة “صفراً”، تهمة تؤشّر على حالة ارتكاس في الإدارة الاقتصادية، لأن الدّين لأغراض تنموية لا يُصنّف في خانة الأعباء على الإطلاق.
بل الدول الفقيرة فعلاً هي تلك التي تبدو خاوية من أسماء متمولين كبار لهم حضورهم الدولي في عالم المال والأعمال، فالولايات المتحدة الأميركية صاحبة أكبر مديونيّة في هذا العالم، وقد وصل الرقم إلى أكثر من 21 تريليون دولار، لكن أحدث التصنيفات تشير إلى أن 12 من بين أغنى 15 رجلاً في العالم هم أمريكيو الجنسيّة، وبلغت ثروة جيف بيزوس صاحب الترتيب الأول ومؤسس شركة أمازون 112 مليار دولار.
بما ليس من الموضوعية، القياس وفق أدبيات النظام المالي والاقتصادي للولايات المتحدة الأميركية، فهي ليست مثالاً يُحتذى، لأنها تقوم على “القرصنة” في منطلقاتها ومؤدّاها أساساً، إلّا أن الفكرة تبدو مقبولة وواقعية، لو تناولناها من زاوية أن رجل الأعمال الوطني المليء هو “الثروة” الحقيقية لبلده أكثر بكثير من موجودات الخزينة العامة، لأن الاستثمار والتنمية مهمة قطاع الأعمال وليس الحكومات، التي يُفترض أن تُعنى بالنفقات الجارية بالدرجة الأولى.
ورغم أننا لسنا في وارد المقارنات الآن، لكن ليس من الخطأ في هذا الظرف غير التقليدي البحث عن دور جديد، ومسؤولية تنموية ببعديها الاقتصادي والاجتماعي لقطاع الأعمال السوري، الذي يبدو اليوم أمام استحقاقات استثنائية لا بد أن يضطلع بها، وهذا واجب، ولم يعد صدقة على الدولة، كما تبلورت المفاهيم القديمة في أوساط الاستثمار ذات الطابع العائلي المتقوقع.
فلا نظن أننا بحاجة للعرّافين وقارئي الأكف، لنستنتج أو لنتأكد من أننا نقف على بوابة تحوّل اقتصادي حادّ في زاوية الانعطاف واستشراف الآفاق الجديدة، ولا يبدو ذلك خياراً، بل توجّه تمليه المتغيّرات القاسية التي فرضتها الحرب والأزمة، وهو تحوّل يجب أن يكون رجال المال والأعمال أدواته الفاعلة، ولعلّنا لا نفشي سرّاً لو أخبرنا من لم يعلم بعد أن إجمالي أو معظم التمويلات بالعجز، وعمليات التسييل الكمي للعملة الوطنية السورية التي جرت خلال سنوات الأزمة، أمست عبارة عن دين داخلي على الخزينة المركزية، موجود حالياً في جعبة قطاع الأعمال الصناعي المنتج، وبدرجة أكبر لدى القطاع التجاري المستورد.
من هنا تترتب المسؤولية الاستثنائية على كاهل قطاع الأعمال، الذي ينام على الجزء الأكبر من كتلة الإصدار النقدي الإجمالية، لذا زعمنا أن الدور الجديد لرجال الأعمال السوريين هو واجب وليس صدقة، سيما وأن المطلوب استثمارات وليس هبات وتبرّعات، والاستثمارات تعني أرباحاً وتنمية لأصحاب رأس المال قبل أن تكون للدولة أو المجتمع.
على المستوى الأوسع علينا السعي لـ “تصنيع” وإنتاج رجال أعمال بأسماء عابرة للحدود بنفوذ مالي بحت، فرجل الأعمال أمسى من أهم الضمانات الفاعلة في سياق العلاقات الاقتصادية الدولية، وربما العلاقات السياسية أيضاً، فلرؤوس الأموال فعلها المؤثر جداً في المضمار السياسي، وقد ثبت أن مراكز القوى التي واجهناها في حربنا مع الإرهاب لم تكن مجرّد دول، بل كان ثمة رجال أعمال كبار في الواجهات والكواليس.
وإن كان ثمة من يسأل عن دور الدولة أو الحكومة هنا في المعترك الجديد، فهو الدور التحفيزي والإشرافي.. والحكومة معنية بتقديم التسهيلات والتشريعات المرنة، والأهم أن تتولى المهمة الإضافية والاستثنائية، وهي توزيع الأدوار التنموية على المتمولين الكبار، وبشكل مدروس وفق أبعاد وطنية حقيقية بعيداً عن العشوائية والخيارات المزاجية والمصلحيّة التي طالما توعدتنا بالفشل التنموي، فنحن اليوم في زمن “ممنوع الفشل”.

ناظم عيد – الخبير السوري