الإثنين , أغسطس 19 2019

درعا ..هل تصمد التسويات في مواجهة فوضى السلاح؟

درعا ..هل تصمد التسويات في مواجهة فوضى السلاح؟

محمد الخضر

لم يكن الاعتداء على حافلة الجيش السوري على طريق ” اليادودة ” غربي درعا الاسبوع الماضي فريداً أو استثنائياً. الحادث الدموي يأتي في سياق تحرك متصاعد لعناصر التسويات ضد مؤسسات الدولة وأخطرها التعرض للمؤسسة العسكرية. ربما الحصيلة الدامية للإعتداء التي سجلت خمسة شهداء وعشرين جريحاً في استهداف الحافلة تلاها اغتيال ضابط برتية عقيد في قرية الشيخ سعد في ريف المحافظة الغربي.. هو ما قرع ناقوس الخطر من تداعيات الاوضاع الامنية في درعا بما تحمله المحافظة من رمزية منذ اندلاع الاحداث في آذار 2011.

الاعتداء جاء ضمن سلسلة من الاستفزازات ضد الجيش السوري وشخصيات في البلديات والمصالحات . وتشير المعطيات الى اكثر من عشرة تفجيرات بعبوات ناسفة او إطلاق نار على حواجز أمنية وسيارات عسكرية ومدنية خلال شهر حزيران فقط أوقع بعضها شهداء ومصابين . واللافت ان إحدى الهجمات طالت دورية للشرطة العسكرية الروسية في 13 من تموز الحالي في بصرى الشام في تحد لراعي تلك التسويات وبما يؤكد محاولة إحداث إرباك أمني بعد مرور عام كامل على التسويات في المحافظة.

جنبت تلك التسويات الجيش السوري خوض معارك كبيرة ، أسهمت في حينه بتسهيل إعلان درعا منطقة آمنة في تموز 2018 ، آلاف المسلحين والمطلوبين في قضايا أمنية قاموا بتسوية أوضاعهم ، انضم المئات منهم الى الفيلق الخامس بإشراف روسي وفضل أخرون البقاء في بلداتهم على أن يمارسوا حياتهم الطبيعية والالتزام بأداء خدمتهم الالزامية لاحقا . دخلت مؤسسات الدولة الى تلك المناطق، أعيد التيار الكهربائي ورممت المدارس والطرق ونشطت البلديات في مناطق بقيت أكثر من سبع سنوات خارج سيطرة الدولة.عادت الحياة ببطء الى مناطق درعا :جاسم نوى والحارة وانخل غربا الى بصرى والحراك والمسيفرة غربا. ضخت الدولة مليارات الليرات في ظل وضع إقتصادي صعب بعد 8 سنوات من الحرب وحصار اقتصادي غربي وعربي طال تفاصيل حياة السوريين.

مشهد لم يرق للمسلحين المنخرطين نظريا في التسويات لكن الأمر لا يرتبط بالتأكيد بمزاجية شخصية بقدر ما ترتبط بأوامر خارجية تهدف لبعثرة الأوضاع مجددا..جرت محاولات اغتيال لمسؤولي المصالحات في بلدات المزيريب وداعل وتم استهدا ف رئيس بلدية المسيفرة ورئيس بلدية المزيريب ووجهاء ممن وقفوا مبكرا مع خيار المصالحة وعودة الدولة بكل مؤسساتها الى قرى وبلدات درعا. محاولات انتقلت بعد إخفاقها بترهيب العاملين في مؤسسات الدولة خصوصا البلديات ودوائر الشرطة الى استهدافات طالت حواجزأمنية ومواقع عسكرية وتحرك العسكريين وصولاً الى الاستهداف الاخير الذي طال الحافلة العسكرية في اليادودة.

نظريا لا يوجد تبني واضح لهذه الاعمال باستثناء ما اوردته بعض مواقع التواصل الاجتماعي عن جهة تطلق على نفسها اسم ” المقاومة الشعبية” في عنوان إعلامي أكثر منه واقعي على الأرض . لكن وتيرة تلك الاستهدافات المتزايدة تؤكد وجود “خلايا نائمة” تتحرك وفقا لخطط مدروسة كما تؤكد مصادر رفيعة تتابع ملف التسويات. أكثر من ذلك لا يمكن فصل هؤلاء المتضررين من عودة الأمان الى درعا عن ارتباطات خارجية قديمة طالما أشرفت على تمويل وتدريب وتسليح المجموعات المسلحة قبل التسويات في المنطقة الجنوبية خصوصا وان عناصر تلك التسويات كانوا منخرطين حتى قبل عام على الأقل بغرفة الموك في عمان. وتذهب تلك المصادر أبعد من ذلك في ربط محاولة تفجير الاوضاع بدور إسرائيلي مباشر يحاول إحداث ارباك في درعا وخصوصا في الريف الغربي الأقرب جغرافيا الى الجولان المحتل مستفيدة أيضا من علاقات واسعة لعناصر التسويات بغرفة “الموك”. وتأخذ تلك التهديدات مخاطر اوسع إذا ما تم ربطها بخطط امريكية عادت عن قرار وقف تدريب المجموعات المسلحة في تموز2017 ليبدأ الجيش الامريكي بتدريب مسلحين يتبعون لما يسمى بـ “مغاوير الثورة” في معسكرات ضمن قاعدة التنف اوحتى في معسكرات داخل الاراضي الاردنية !! . تقاطع مصالح إسرائيلية أمريكية يبدأ من الاراضي المتاخمة للجولان المحتل وحتى الحدود السورية العراقية التي تريدها واشنطن تحت مراقبتها منعا لأي تواصل سوري عراقي ايراني.

واقع تتسع دوائره بعيداً عن جغرافيا درعا وإن كانت الأدوات تبدأ من تلك البلدات ما يفرض تعاطياً جديداً مع محاولات اللعب بتسويات تلك المنطقةالحيوية بموقعها . ثمة معطيات ليست بالسهلة تصعّب من التحرك أبرزها :احتفاظ مسلحي مناطق عديدة بأسلحتهم : درعا البلد وطفس وبصرى الشام . وهذه مناطق بقيت تحت سيطرة عناصر التسويات رغم دحول البلديات ومؤسسات الكهرباء والمياه وغيرها من المؤسسات الخدمية.وثمة حاضن إجتماعي لا يزال يرفر الغطاء لتلك المجموعات بصرف النظر عن حجم ونفوذ هذا الحاضن، وتركيز الجهد العسكري والسياسي للدولة السورية على جبهات الشمال وشرقي الفرات وإعادة فتح الطرق باتجاه العراق …

معطيات تؤكد أن المعالجة في المنطقة الجنوبية باتت ملحة إنطلاقا من بديهية أنه “لا سلاح الا سلاح الدولة “وهذا يبدو مطلب شريحة واسعة من اهالي المحافظة بحثا عن الأمان وتأكيدا على الانتهاء من ملف الفوضى وتحكم مجموعات مسلحة بتفاصيل حياتهم اليومية التي افتقدوه لسنوات. وهنا يبرز دور الوجهاء وغالبية المجتمع الأهلي في التصدي لظاهرة الفوضى واستيعاب آلاف الشباب الذين ترعرعوا خلال ثماني سنوات في بيئة خارجة عن سيطرة الدولة ..دورمتكامل بين الدولة ومؤسساتها وخصوصا الأمنية والعسكرية بالتعاون مع وجهاء تلك المحافظة في ترسيخ مناخ الأمان والاستقرار وسيادة القانون تعاون وحده الذي ينهي محاولات العبث بأمن المحافظة ويعطي دفعا للاستقرار الاساس لكل عملية إعمار وتنمية تحتاجها المحافظة والمنطقة الجنوبية عموماً.
الميادين