الأحد , سبتمبر 20 2020

عجائب “طريق إم فور”: تركيا – روسيا بحماية الجولاني

عبد الله سليمان علي

تطورات مثيرة تجري على “طريق إم فور” (طريق حلب ــ اللاذقية)، تثير احتمال أن يكون مسلحو تنظيم “جبهة النصرة” (هيئة تحرير الشام حالياً)، المصنفة على لائحة الإرهاب الدولي، يشاركون في تأمين سلامة جنود الدوريات الروسية – التركية المشتركة.

ويبدو بحسب المعلومات المتوافرة أن التنسيق بين القوات التركية المتواجدة في الشمال السوري، و”هيئة تحرير الشام” بزعامة الجولاني، لتأمين الدوريات التركية- الروسية المشتركة على هذا الطريق الاستراتيجي، أوسع مما كان متوقّعاً أو معروفاً حتى الآن.

ومن شأن ذلك أن يطرح تساؤلات حول الموقف الروسي من هذا التنسيق، وما إذا كانت موسكو راضية عن إشراك مسلحي الجولاني في تأمين وحماية دورياتها العسكرية مع الأتراك، أم أنها تغض النظر عنه مرحلياً في ظل عدم وجود بدائل يمكن اعتمادها لتوفير مظلة آمنة لمرور هذه الدوريات من دون أن تتعرض للاستهداف مثلما حدث في الأسابيع الماضية مرات عدة.

وساد في السابق اعتقاد مفاده أن الضغوط التركية الممارسة على “الهيئة”، قد تكون أجبرت الجولاني على وقف مساعيه لعرقلة الدوريات المشتركة والتي تجلت في الاعتصام الشعبي الذي نظمته ودعمته “الهيئة” على الطريق الدولي حلب – اللاذقية، وأدى إلى تأخير موعد تسيير الدوريات لأسابيع عدة.

وكانت الضغوط التركية على “الهيئة” قد تصاعدت، بشكل ملحوظ، بعد حدوث اشتباك مباشر بين القوات التركية ومجموعة تابعة لـ”الهيئة” في أعقاب استهداف رتل تركي على الطريق الدولي حلب – اللاذقية، في 26 نيسان (أبريل) الماضي. وقد دفع فضُّ الاعتصام على الطريق بسرعة قياسية إثر هذا الاشتباك إلى ظهور تفسيرين:

الأول يفيد بأن خشية الطرفين من تطور الاشتباك إلى صراع عسكري مفتوح بينهما، وهو ما لا يريده أحد منهما، قد دفعتهما إلى التواصل وعقد اجتماعات عدة حتى توصلا إلى صيغة لإنهاء التوتر بينهما، وكان فض الاعتصام الخطوة الأولى على هذا المسار.

وذهب التفسير الثاني إلى أنّ رسائل الجولاني من الاشتباك المباشر مع القوات التركية وصلت إلى من يعنيه الأمر في أنقرة، لذلك لم تجد القيادة العسكرية التركية بدّاً من السير في اتفاق الخامس من آذار (مارس) مع روسيا من دون إغضاب “هيئة تحرير الشام”، إذ يبدو تسيير الدوريات وكأن القصد منه هو تقزيم سيطرة “الهيئة” وتخفيف قبضتها الأمنية في المنطقة. ومن شأن ذلك أن يزيد غموض المشهد في الشمال السوري، ويجعل من الصعب تحديد مَن مِن الطرفين يضغط على الآخر هناك، “الهيئة” أم القوات التركية.

وقد عقدت اجتماعات مكثفة بين ضباط أتراك والرجل الثاني في “هيئة تحرير الشام” أبو أحمد حدود، الذي يقود الجهاز الأمني في “الهيئة”، في الفترة التي أعقبت الاشتباك بين الطرفين بهدف التهدئة. ولم تسفر الاجتماعات عن إنهاء التوتر واحتوائه قبل أن يتصاعد فحسب، بل أسفر عن وضع استراتيجية أمنية مشتركة بين الطرفين تهدف إلى تأمين وحماية الدوريات المشتركة، حسب ما قال لـ”النهار العربي” مصدر مقرب من “هيئة تحرير الشام”.

وذكر المصدر أنه بحسب الاستراتيجية الأمنية الموضوعة، فإن القيادي في “الهيئة” أبو أحمد حدود، والذي لا تزال هويته الحقيقية محل سجال وغير معلومة بشكل موثوق، يتولى مهمة التنسيق الاستراتيجي من خلال الاتصال المباشر مع ضابط أمن تركي رفيع المستوى في أنقرة، بهدف تأمين جميع المتطلبات اللوجستية التي يستلزمها تسيير الدوريات المشتركة. ومن ناحية ثانية، فإن القيادي الأمني أبو محجن، المسؤول الأمني عن إدلب في “الهيئة”، يتولى التنسيق العملياتي اليومي مع الجانب التركي، وذلك من خلال التواصل مع ضابط الأمن التركي المسؤول عن مراقبة الطريق الدولي أم فور.

ورغم أنه من المفترض أن تكون الكلمة العليا في هذه الاستراتيجية للجانب التركي نظراً الى ضخامة وقوة جهاز الاستخبارات التركي وحيازته على إمكانات وخبرات كبيرة لا يمكن مقارنتها مع إمكانات “الهيئة”، فإن واقع تنفيذ الاستراتيجية على الأرض يشي بعكس ذلك تماماً، ويظهر ذلك “الهيئة” وكأنها هي صاحبة الأمر والنهي والمتحكمة الحقيقية بما يجري، حسب المصدر السابق نفسه.

ويمكن استخلاص هيمنة “الهيئة” في تنفيذ استراتيجية حماية الطريق الدولي أم فور، من خلال أمور عدة، أهمها، على سبيل المثال لا الحصر:

أولاً- انتشار ما يقارب ألف عنصر أمني من “هيئة تحرير الشام” في محيط الطريق الدولي قبيل مرور أية دورية مشتركة بين روسيا وتركيا. أما في الأيام العادية التي ليس فيها تسيير دورية، فإن ثمة نقاطَ رباط دائمة في محيط الطريق، يتناوب عليها أمنيو “الهيئة” على مدار الساعة. وحسب معلومات المصدر الذي تحدث إلى “النهار العربي” فإن عناصر “الهيئة” الذين ينتشرون لمراقبة وحماية الطريق يضعون شارات موحدة من أجل سهولة التعرف إليهم من قبل زملائهم الأتراك.

ثانياً- استدعاء أبو محجن إلى غرفة القيادة التركية المعنية بحماية الطريق الدولي في الشمال السوري، قبيل مرور الدوريات، من أجل المساهمة في عمليات المراقبة والتأمين وتسهيلاً للتنسيق المباشر بين الطرفين.

ثالثاً- إذا اكتشفت الطائرات المسيرة التركية التي تتولى التحليق فوق الطريق لمراقبته واستطلاع ما يجري حوله، أية عربة مشبوهة في محيط الطريق قد يُظن أنها تستعد لتنفيذ عملية ضد الدوريات المشتركة، فإن القوات التركية تتواصل مع الجهاز الأمني في “الهيئة” من أجل تأكيد ما إذا كانت العربة عدواً أو صديقاً.

رابعاً- بعد حوادث استهداف الدوريات المشتركة من قبل كتائب خطاب الشيشاني، فإن الاستخبارات التركية أرسلت صوراً وحطام الأسلحة المستخدمة إلى أمنيي “الهيئة” من أجل التحقيق في نوعها ولمن عائديتها؟

ويعتقد أن الخشية من التعرض لخسائر بشرية كبيرة، وعدم امتلاك الجرأة للغوص عميقاً في تعقيدات المشهد في الشمال السوري نظراً الى خطورته وغموضه، هما ما دفعا الجانب التركي إلى الاعتماد بشكل كبير على الجهاز الأمني لـ”هيئة تحرير الشام” من أجل القيام بمهام تأمين ومراقبة وحماية الطريق الدولي.

وقد تكون الاستهدافات والعمليات الانتحارية التي بدأت تتخذ منحى تصاعدياً ضد القوات التركية المنتشرة في تلك المنطقة سبباً إضافياً أدّى إلى رفع وتيرة الاعتماد على “الهيئة” وتكليفها بالقيام بالجزء الأكبر من مهام الاستراتيجية الأمنية، في حين تفضل القوات التركية أن يقتصر عملها على السير وراء خطوات عناصر “الهيئة” بهدف التقليل من فرص استهدافها.

ومن غير المستبعد أن يكون هذا الواقع أحد العوامل التي أدت إلى إحساس قيادة “الهيئة” بفائض كبير للقوة رغم التواجد العسكري التركي الكثيف في الشمال السوري. وقد يكون هذا الاحساس هو الذي جعل قياداتها تخرج مؤخراً للحديث بكل صراحة ليس عن “دولتها في إدلب سواء اعترف بها أم لا” فحسب، بل بدأت ترسل دعوات إلى بعض الدول الغربية من أجل مساعدتها في التخلص من النظام السوري، ورفع اسمها عن القائمة السوداء، حسب ما تحدث رئيس هيئتها الشرعية عبدالرحيم عطون لصحيفة سويسرية ناطقة بالفرنسية قبل أيام عدة.

وبالرغم من أن موسكو تجاهر باستمرار بموقفها الرافض لأي دور لـ”هيئة تحرير الشام” في إدلب باعتبارها تنظيماً إرهابياً ينبغي القضاء عليه، فإنه من غير الواضح ما إذا كان التنسيق التركي مع “الهيئة” على هذا المستوى يجري من دون علم موسكو أم أن الأخيرة تمارس سياسة غض الطرف ريثما تتمكن من تأمين بدائل تضمن تسيير الدوريات المشتركة على الطريق الدولي من دون أن تتعرض لتهديد أو استهداف.

النهار العربي