السبت , يناير 28 2023

دمشق لم تقاطع سوى تركيا: العلاقات الاقتصادية حافظت على “شعرة” المصالح

دمشق لم تقاطع سوى تركيا: العلاقات الاقتصادية حافظت على “شعرة” المصالح

أثار قرار الحكومة السورية السماح مؤخراً باستيراد السلع والبضائع من المملكة العربية السعودية، وما تبعه من تصريحات لوزير الخارجية السعودي قال فيها: “إن بلاده تبحث مع شركائها لإيجاد طريقة للتعامل مع الحكومة في دمشق بما يخدم تحركات ملموسة نحو الحل السياسي”، تكهنات كثيرة بقرب حدوث تطور ما في العلاقات السياسية بين البلدين، والتي قُطعت دبلوماسياً منذ بداية الأزمة، حيث سحبت الرياض سفيرها في شهر آب/أغسطس من العام 2011 وطلبت من السفير السوري مغادرة أراضيها في شباط/فبراير من العام 2012.

لكن يمكن القول إن هذه التكهنات هي أقرب إلى الرغبات منها إلى التوقعات المبنية على معطيات ومعلومات معينة، ولا سيما أن التبادل التجاري بين البلدين لم يتوقف نهائياً، وإنما تأثر بعدة عوامل أبرزها: العقوبات الغربية على دمشق، الأوضاع الأمنية وتأثر تجارة الترانزيت، خروج معبر نصيب الحدودي مع الأردن عن سيطرة الحكومة لأكثر من ثلاث سنوات، توقّف حركة النقل والتنقل الرسمية بين سوريا وتركيا، وغيرها.

ربما من المهم الإشارة هنا إلى نقطتين قبل استعراض توجّهات العلاقات الاقتصادية لسوريا خلال سنوات الحرب ومؤشراتها السياسية:

-النقطة الأولى تتمثّل في العلاقات المتداخلة بين المصالح السياسية والاقتصادية بين الدول، فاليوم لم يعد نشوء أو تطوّر أي علاقة اقتصادية بين بلدين مختلفين سياسياً هي بمنزلة انفراج سياسي أو تمهيد لحدث سياسي مقبل، بدليل أن العلاقات التجارية بين الدول حالياً لا تقتصر على الدول المتحالفة أو القريبة من بعضها سياسياً، والأمثلة على الساحة الدولية كثيرة جداً. إنما في المقابل لا يمكن دائماً قراءة بعض التطورات الاقتصادية بمعزل عن توجهات ورسائل سياسية معينة. والمقصود هنا بالتطورات الاقتصادية هو التحولات النوعية أو الخطوات التي ترقى إلى أهمية القرارات السياسية كالاستثمارات الكبرى. فمثلاً عندما قررت دمشق وبغداد إعادة تطبيع علاقاتهما أواخر تسعينيات القرن الماضي بعد عقدين تقريباً من القطعية الكاملة سياسياً واقتصادياً كان الاقتصاد هو البوابة، وهذا ما حصل مع الأردن في العام الماضي أيضاً، وإن بشكل محدود، وقد يحصل أيضاً مع تركيا. لكنه لم يحصل مع الإمارات أو سلطنة عمان على سبيل المثال لا الحصر.

-النقطة الثانية تتعلق بتقدم عوامل أخرى أكثر أهمية من الرغبات السياسية تدفع نحو “قسرية” التعاون الاقتصادي بين الدول، فالتغيرات المناخية المتسارعة، أزمات الغذاء والطاقة، البحث عن المزيد من الأسواق، البحث عن مخرج للأزمات الداخلية، وغيرها من المتغيرات تضع السياسيين أمام مقاربة مختلفة لعلاقات دولهم الاقتصادية الخارجية. وما حدث بعد الحرب الأوكرانية من أزمات وارتفاعات للأسعار ونقص في الإمدادات الغذائية والطاقوية أعاد ترتيب خريطة العلاقات الاقتصادية الدولية على نحو مختلف عن السابق.

ثلاثة متغيرات

إذا أردنا معرفة المغزى السياسي الحقيقي لأيّ تحوّل في العلاقات الاقتصادية السورية الخارجية، فإنه من الضروري أن نقف على واقع العلاقات الاقتصادية للبلاد خلال الحرب، وما شهدته من متغيرات إيجابية أو سلبية. ويمكننا مقاربة ذلك من خلال ثلاثة جوانب أساسية هي:

-المبادلات التجارية الخارجية، وفي هذا الملف اضطرت دمشق وتحت ضغط مجموعة من المتغيرات إلى مراجعة مبادلاتها التجارية مع دول العالم، إلا أنها لم تعلن صراحة وقف تعاملاتها التجارية (الاستيراد تحديداً) إلا مع دولة وحيدة هي تركيا. فيما استمرت علاقاتها التجارية، وإن بنسب وأشكال متباينة ومختلفة عن سنوات ما قبل الأزمة، مع معظم الدول بما فيها تلك التي اتهمتها دمشق بتقديم الدعم العسكري والمالي للفصائل المسلحة المعارضة.

ويلاحظ هذا التباين بوضوح في قائمة الدول المصدرة والمستوردة إلى ومن سوريا، فالصادرات السورية توجهت نحو العديد من الدول بما فيها تلك التي هي على خلاف سياسي عميق مع دمشق كالسعودية التي جاءت في العام 2019 في صدارة الدول التي صدّر لها القطاع الخاص السوري، حيث بلغت قيمة صادراته إليها حوالى 74.5 مليون يورو، وبزيادة قدرها 19 مليون يورو عن العام 2018. وتركيا التي جاءت في المرتبة السابعة في العام 2019 بين الدول المستقبلة للصادرات السورية بعد أن كانت في العام 2018 في المرتبة الثالثة.

فيما كانت تشير خريطة المستوردات السورية إلى تقدم الدول الحليفة والصديقة لدمشق كالصين، الهند، روسيا، إيران، وغيرها. ومع ذلك فقد سجلت بعض الدول المختلفة سياسياً مع دمشق حضوراً على قائمة المستوردات السورية، فمثلاً تظهر البيانات الرسمية أن الولايات المتحدة الأميركية كانت من بين أهم عشرين دولة استورد منها القطاع الخاص في العام 2018، وذلك قبل أن تقرر إدارة الرئيس ترامب تشديد حصارها الاقتصادي على سوريا بداية العام 2019 وإقرارها لقانون قيصر في العام 2020، وهو ما أدى إلى تقليل حجم المستوردات السورية من الولايات المتحدة.

عموماً هناك ثلاثة متغيرات أساسية أثّرت في تركيبة وحجم المبادلات التجارية لسوريا مع العالم الخارجي، وهي على النحو التالي:

-العقوبات الاقتصادية الغربية المتتالية منذ العام 2011، والتي أدت تدريجياً إلى تغيير في منشأ السلع والمواد المستوردة في الأسواق السورية، حيث حلت البضائع ذات المنشأ الآسيوي مكان البضائع ذات المنشأ الغربي. كما أن تلك العقوبات حدّت بشكل كبير من خيارات المستوردين السوريين نتيجة مخاوف كثير من الدول من تعرّض شركاتها ومؤسساتها للعقوبات فيما لو تعاملت مع الشركات السورية.

-الأوضاع الأمنية التي تسبّبت بخروج معظم المعابر الحدودية لسوريا مع الدول المجاورة من الخدمة لسنوات عديدة، وهو ما تسبّب في ضعف ومحدودية المبادلات التجارية مع دول الجوار وما بعدها في إطار الإقليم، سواء مع العراق، الأردن، دول الخليج، تركيا، وأوروبا.

-اعتماد الحكومة السورية لسياسة ترشيد المستوردات والهادفة إلى تأمين احتياجات البلاد الأساسية فقط وتشجيع الإنتاج المحلي، وذلك للحد من تقلبات سعر صرف الليرة وتحقيق حالة من الموازنة بين إيرادات البلاد من القطع الأجنبي واحتياجاتها الأساسية. وفي مثل هذه الأوضاع فقد كان من الطبيعي أن تتراجع مستوردات البلاد من حوالى 6 مليارات يورو في العام 2016 إلى حوالى 4 مليارات يورو سنوياً في الأعوام الثلاثة الأخيرة.

-الاستثمارات الأجنبية، وهذه شهدت خلال سنوات الحرب تراجعاً كبيراً. إذ باستثناء بعض الاستثمارات العربية المحدودة لمستثمرين من لبنان والعراق ولشركات حكومية وخاصة من إيران وروسيا، فإن الاستثمارات الأجنبية في سوريا تكاد تكون معدومة خلال سنوات الحرب، بفعل الأوضاع الأمنية والاقتصادية غير المستقرة في البلاد أو نتيجة لتأثير المواقف السياسية للدول حيال الأزمة السورية والعلاقة مع دمشق. فعلى خلاف المبادلات التجارية، فإن الاستثمارات تبقى إحدى الأدوات التي تعكس واقع وزخم العلاقات السياسية بين الدول، ويمكن ملاحظة ذلك في العلاقة بين دمشق وأبو ظبي، إذ أن تطبيع البلدين لعلاقتهما السياسية ترجم سريعاً باستثمار إماراتي في سوريا لإنتاج 300 ميغاواط من الطاقة الشمسية.

-التعاون الفني والمالي بين الدول، وفي الحالة السورية فإن جميع أشكال التعاون الفني والمالي باتت منذ منتصف العام 2011 مقتصرة على الدول الصديقة والحليفة لدمشق من جهة، وعلى المساعدات الفنية والمالية المقدّمة من قبل منظمات الأمم المتحدة، والتي تأتي في إطار الدعم الإغاثي والإنساني للسوريين المتضررين وبعض المشروعات التي تدخل في إطار التعافي المبكر. وبحسب البيانات الرسمية السورية المتعلقة بقيمة القروض الخارجية التي تم تعليق العمل بها نتيجة الأزمة، فإن القيمة الإجمالية للتمويل من سبع مؤسسات تمويل عربية ودولية وصل إلى 5.6 مليارات يورو، وقيمة التمويل للمشروعات قيد التنفيذ حوالى 1.5 مليار يورو، وقيمة التمويل لمشروعات معروضة للتمويل الخارجي حوالى 422.5 مليون يورو.

التنجيم السياسي

ربما تكون التجربة مع الأردن خلال العامين الأخيرين أحد الأمثلة التي يمكن الاستعانة بها في قراءة أبعاد الأحداث السياسية والاقتصادية المرتبطة بالأزمة السورية. فالتحسن الذي طرأ على العلاقات الاقتصادية بين البلدين لم يتبعه انفتاح سياسي واسع كما كان يتوقع، لا بل إن التحسن الاقتصادي نفسه استقر عند مستوى معين ولم يكتب له مغادرته. ولذلك فإن القرار الأخير للحكومة السورية السماح بالاستيراد من السعودية قد لا يكون له بعد سياسي، إنما في المقابل فإن وجود مثلاً موافقة سعودية عليه وتسهيل عملية تنفيذه أمر قد يحمل في طياته رسالة سياسية مباشرة أو غير مباشرة، ومع ذلك فهي قد لا تثمر سريعاً عن تحولات ملموسة. فكل المتناقضات باتت تجتمع معاً عند أي محاولة لقراءة أو استشراف آفاق علاقات دول المنطقة ومستقبلها، والسبب أن عملية الاستشراف تلك أصبحت أقرب إلى التنجيم السياسي منها إلى المقاربات المنطقية والموضوعية.

الميادين_ زياد غصن

اقرأ أيضاً: في ظل التقارب التركي السوري.. هل تستطيع سوريا تأمين الخدمات الأساسية للمهجّرين فيما تعجز عن تقديمها للمقيمين؟