الخميس , ديسمبر 8 2022

هل سمعتم عن “الإسلام الفرنسي”؟ طقوسه سرية واستلهمه ماكرون من نابليون

هل سمعتم عن “الإسلام الفرنسي”؟ طقوسه سرية واستلهمه ماكرون من نابليون

واقفاً بجوار نعش يلفُّه العَلم الفرنسي، يرقد بداخله ضابط شرطة قُتِلَ في هجومٍ إرهابي بجنوبي فرنسا، ألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باللوم، الشهر الماضي (مارس/آذار 2018)، على ما سماه “الإسلاموية السرية”، ومن “يلقّنون تعاليمها على أرض فرنسا ويفسدون فيها بشكلٍ يومي”.

وقالت صحيفة The Washington Post في تقرير لها، إن الهجوم كان بمثابة سببٍ إضافي للإسراع بتنفيذ مشروع يجري العمل عليه، فقد بدأ ماكرون في مسعى مثير للجدل، يهدف إلى تغيير صورة الإسلام بفرنسا، بهدف دمج المسلمين، والحيلولة دون نشر الأفكار المتطرفة. وقال ماكرون إنَّه سيُعلن خلال الأشهر المقبلة “مخططاً للتنظيم الكامل” للإسلام. وينصرف انتباه المهتمين بما ستبدو عليه صورة هذا المخطط إلى حكيم القروي، أحد أبرز الأصوات المروجة لكيفية ملاءمة تعاليم الإسلام للثقافة الفرنسية.
تجديد الدين
لا يغيب عن نظر المتابع أنَّ الرجل الذي يبدو صوته مسموعاً لدى ماكرون في قضيةٍ حساسة كهذه، له سماتٌ مشابهة للرئيس؛ فالقروي، تماماً كماكرون، مصرفي سابق في بنك روتشيلد، وينتمي إلى طبقةٍ اجتماعية تفضل الحُلات الأنيقة والقمصان البيضاء الناعمة، وتحب التنظير لأفكارٍ كبيرة. آخر تلك الأفكار ما يلي: الطريقة المثلى لدمج الإسلام داخل المجتمع الفرنسي هي الترويج لنسخة من الدين “يمارسها المؤمنون بها في سلام دون الحاجة إلى الإعلان عن إيمانهم علناً”. ولكن، لو كان القروي يضرب نموذجاً لتصور ماكرون لدمج تعاليم الإسلام مع القيم الفرنسية، فربما ينتهي الحال بمسعى الإصلاح إلى التعثر في طريقٍ وعرة. تعليقاً على هذا يقول ياسر لواتي، الناشط الفرنسي في مجال الحريات المدنية والقيادي في الجالية المسلمة بفرنسا: “القروي منفصل عن الحياة اليومية للمسلمين، ويملك شرعية الحديث في هذه القضية فقط، لأنَّ اسمه حكيم القروي، هذا كل ما في الأمر”.
فشل مراكز علاج التطرف
قُتل ما يزيد على 230 شخصاً في فرنسا في هجماتٍ إرهابية منذ عام 2015، نفذ معظمها مواطنون فرنسيون أو أوربيون تابعون لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أو متأثرون بأفكاره. في الوقت نفسه، يشير مركز صوفان المختص في دراسات التحول إلى التطرف، إلى أنَّ ما يصل إلى 1910 مواطنين فرنسيين سافروا للجهاد في العراق وسوريا. زلت الخطى الفرنسية كثيراً في طريقة التعامل مع هذا الأمر، وتحديد ما يصلح وما ينبغي أن يكون عليه الدور الصحيح للحكومة. ووقعت الحكومة بالفعل في أكثر من خطأ. افتتحت الحكومة عام 2016 ثلاثة عشر “مركزاً لمحاربة التطرف” في قلعة قديمة في وادي لوار؛ حيثُ تطوع الشباب المُعرض لخطر الانضمام إلى الجماعات الإرهابية لحضور برنامج مكثف في التاريخ والثقافة الفرنسيين. غير أنَّ هذا النهج كان عرضةً للنقد لإغراقه في النزعة القومية، ولإبعاده الشباب عن منازلهم ومجتمعاتهم، وكذلك لاعتماده على علوم محل نقاش. وبدأ السكان المحليون في الاحتجاج على وجود إرهابيين محتملين في الجوار. وعلى ذلك أُغلِقَ مركز لوار عام 2017، وأعلنت الحكومة أنَّ الفكرة “مُنيت بالفشل الذريع”. واتبع ماكرون سياسة أمنية عنيفة؛ فسَنَّ بشكلٍ دائم مادةً تنصُّ على وجود حالة طوارئ أمنية في القانون الفرنسي، العام الماضي. وكذلك واصل حملات القمع على المساجد والأئمة من السلفيين، الذين يتبنَّون تفسيراً محافظاً جداً للإسلام.
من هو القرويّ؟
ولكنَّه بدا مهتماً أيضاً بإحداث تغييرٍ في الإسلام الفرنسي، يتجاوز مسألة الأمن القومي. منذ ثمانينيات القرن العشرين يحاول رؤساء فرنسا إنجاز الأمر ذاته، ولكن دون جدوى. أما الأربعيني ماكرون فمصممٌ على النجاح فيما أخفق فيه الآخرون. ويبدو مقتنعاً بصورةٍ خاصة بأفكار القروي. وحيث إنَّ القروي ينحدر من أبٍ تونسي مسلم، وأمٍ فرنسية بروتستانتية، وهو أيضاً ابن أخي رئيس وزراء تونس الأسبق، فهو يميل إلى أن يُعرِّف نفسه بأنَّه “فرنسي مسلم”، بيد أنَّه لا تبدو عليه مظاهر التدين. يجسد القروي من نواحٍ عدة النخبة الفرنسية الحديثة في نظر بعض المسلمين، بل ربما في نظر الكثير منهم. ويعارض القروي أيَّ مظاهر دينية كالحجاب، الذي يراه أداةً سياسية تعزز انعدام المساواة بين الرجل والمرأة، وبالتالي يعارض جوهر قيمة “المساواة” الفرنسية؛ وهو بهذه الرؤية يتماشى مع التفسير الصارم للعلمانية الفرنسية المعروفة باللائكية. ولم يسبق للقروي قبل هجوم شارلي إبدو عام 2015 -الذي يشتبه في تورط فرنسيين مسلمين به- أن بحث أو كتب في شؤون مسلمي فرنسا، الذين يشكلون مجتمعاً منقسماً يبلغ قوامه 4.5 مليون شخص، وإن كان العدد الدقيق لهم غير معلوم، بسبب رفض الحكومة جمع الإحصائيات الرسمية حول العرق أو الدين أو النوع. يستعرض القروي مجملَ مواقفه المختلفة في كتابٍ صدر له حديثاً بعنوان “L’Islam, Une Religion Francaise”، وهو إسهامٌ كان محلَّ استحسان الكثير من أبناء النخبة الفرنسية، بسبب دعوة القروي للمسلمين أنفسهم بتحمل مسؤولية جاليتهم؛ إذ سطَّر في خاتمة الكتاب قوله: “نحتاج دعمَكم وحشدَكم”. وأضاف: “لن يصبح الإسلام ديناً فرنسياً بالسلفية، إلا إذا التزمتم أنتم بجعله كذلك”.
الخلفية المالية لها تأثير أيضاً على الدين
وبنزعة ماكرونية إجرائية، تعامل القروي مع المشروع على النحو المتوقع من شخصٍ ذي خلفية مالية؛ إذ سعى إلى وضع قيمة كمية للاستهلاك الإسلامي في فرنسا و”الحصة السوقية” للمسلمين العلمانيين، مقابل داعش وجماعة الإخوان. وتناول أيضاً اعتماد المنتجات الحلال “ضمن سلسلة الأنشطة المضيفة للقيمة بأكملها”. ويُولي القروي اهتماماً خاصاً للتدفقات المالية، ويرغب في الحد من الدعم الأجنبي للمساجد والأئمة، وهو مقترحٌ تشير تصريحات ماكرون الأخيرة إلى أنَّه ربما قرر أخيراً اتباعه. وقال القروي في مقابلةٍ عُقدت معه في مكتبه في باريس: “وقعنا في خطأٍ استراتيجي في الماضي، حين تقرَّر اعتبار المسلمين أجانب عن البلاد، وأنَّ الإسلام لا بد أن يُموَّل من دول أجنبية”. وأشار إلى أنَّ الإسلام هو ثاني أكثر الأديان ممارسةً في فرنسا، وأنَّ الأغلبية العظمى من مسلمي فرنسا، نحو 75% منهم، فرنسيو المولد. ومع ذلك، تتلقى المساجد والأئمة في فرنسا الدعمَ من الجزائر والمغرب وتركيا. وفي هذا الصدد يقول القروي: “أصبحت فكرة التمويل الأجنبي في قمة الغرابة”. ويقترح تمويل الأنشطة الحياتية للجالية المسلمة عبر قنواتٍ محلية عديدة، بدلاً من ذلك. أثارت مقترحات القروي تحفظاً في أوساط المسلمين الأكثر تديناً ومناهضي الإسلاموفوبيا. ووُجِّهَ إليه النقد لقبوله فكرة أنَّ التطرف مشكلة إسلامية في المقام الأول، ينبغي التعامل معها داخل طبقات الجالية المسلمة، وذلك بالرغم من أنَّ العديد ممن أُدينُوا في هجماتٍ إرهابية لم تكن لديهم سمات تدين خاصة.
النهج البراغماتي لمواجهة التطرف
وكانت دراسةٌ صدرت عام 2016 عن معهد مونتانيي بعنوان “A French Islam is Possible” قد أثارت تحفظاً بشكلٍ خاص. ومن بين ما تناولته الدراسة وجود رابطٍ بين المسلمين والتطرف، ووُجِّهَت إليها انتقاداتٌ تستند إلى أسسٍ فنية: فالبعض حاجج أنَّ حجم العينات التي أُجرِيَت عليها الدراسة لم يكن شاملاً، بينما يصر آخرون أنَّ الأسئلة التي طرحتها كانت موجهة. ويقول مروان محمد، المدير السابق لجمعية مناهضة الإسلاموفوبيا في فرنسا (CCIF) والناشط المناهض للتمييز: “القروي يسلك نهجاً براغماتياً، ويريد أن يحدد المشكلات ويقترح الحلول. غير أن ما يعده هو “تطرف” لا يمتّ إلى الإسلام بصلة”. ويرد القروي على منتقديه بالقول، إنَّه “من بين أكبر مشكلات العالم الإسلامي، والعالم العربي، انعدام القدرة على مواجهة المشكلة. دائماً ما يُحمَّل شخصٌ آخر مسؤولية ما يحدث. “هذا ليس خطأنا؛ هذا أمرٌ لا وجود له؛ هذه مؤامرة؛ هذا خطأ إسرائيل”. ولكن أين الحقيقة؟” لا يُولي القروي القدر ذاته من الاهتمام بمصادر أخرى موثقة عن تغريب المسلمين والتحول إلى التطرف، مثل التمييز الذي يحد من فرصهم في التعليم والوظائف، أو منظومة السجون الفرنسية التي لا تشهد تمثيلاً مناسباً للمسلمين. ويجد غضاضة كذلك في مراجعة المبادئ الأولية، مثل فكرة أنَّ الحجاب يشكل تهديداً على أساس الجمهورية الفرنسية. وقال في معرض التأكيد على هذا الموضوع في الولايات المتحدة الأميركية العام الماضي: “هذه حقيقة سياسية، ونحن لن نغير فرنسا”. تعد فكرة محاولة الدولة تنظيم شؤون دينٍ بأكمله لعرقلة نشاط أقلية من المتطرفين معركةً خاسرةً في نظر عددٍ من كبار علماء فرنسا. يرى هؤلاء العلماء أيضاً أنَّ هذا مسعى شبه ملكي لا مكان له في بلدٍ متلزمٍ بالعلمانية.
نابليون اقترحها قبل أكثر من 230 عاماً
وفي هذا السياق قال أوليفر روي، الخبير في شؤون الإسلام الفرنسي، والأستاذ في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا: “يبدو جلياً أنَّ هذه الفكرة مستلهمةٌ من سياسة الدمج المركزي لليهود، التي اتبعها نابليون، غير أنَّ نابليون كان قادراً على تنفيذها لأنَّه كان على رأس دولةٍ سلطوية”. أعلن نابليون عام 1808 منشوراً يؤسس المجلس الكنسي المركزي الإسرائيلي، وهو كيانٌ أُنشِئ بهدف تأسيس سلطة مركزية لتنظيم ممارسة الديانة اليهودية في أرجاء فرنسا. ولا تزال صورةٌ من هذه المنظمة موجودة إلى يومنا هذا. ويضيف روي: “كانت الفكرة مشابهة لفكرة لويس السادس عشر والغاليكانية”، في إشارةٍ إلى وجهة النظر التي تقضي بأنَّ ملوك فرنسا هم من يملكون السلطة الأخيرة على الكنيسة الكاثوليكية، كوسيلة للسيطرة على الشعب، وليس البابا في روما. وتابع: “كان هذا طبيعياً في ذلك الوقت؛ ولكنَّ لأن الملوك كان لهم حقٌّ إلهي”. وأضاف روي: “الدولة العلمانية لا حقَّ لها في التدخل في أي دين. وإذا ما فعلت يكون تدخلها مخالفاً للدستور. نسمع كثيراً حديثاً عن تأهيل الأئمة، وعن فكرة إسلام يقبل “قيم الجمهورية الفرنسية”. ما هذا بالضبط؟” غير أنَّ ما يلزم التعامل معه في نظر البعض الآخر هو ما يرونه النفاق الهيكلي للدولة الفرنسية، التي تعِد بالمساواة للجميع، ولكنَّها غالباً ما تفرض سلطتها على طريقة حياة بعض الناس، كما يتبيَّن في الجدل الأخير حول الحجاب والبوركيني. وتقول دنيا بوزار، المؤلفة والمتخصصة في محاربة التطرف، إنَّ المسلمين الفرنسيين “لا مكان لهم في الحياة العامة”. وتضيف: “لا حرية مجتمعية لدينا في المساحات العامة”.
عربي بوست