الجمعة , أبريل 23 2021

خريطة بولتون بين التنفيذ والنجاح

خريطة بولتون بين التنفيذ والنجاح

محمد نادر العمري

لم يمض شهر على دخول جون بولتون إلى عداد فريق البيت الأبيض كمستشار للأمن القومي، حتى تبدّت لمساته في قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتصرفات حلفائه في منطقتنا وتجاه ملفاتها المعقدة، ففي 28 آب الماضي نشر بولتون مقالاً في موقع «ناشيونال ريفيو» شرح فيه خطته للانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وقال في بداية مقاله: إنه كان قد أعد هذه الخطة بناء على طلب كبير استراتيجيي البيت الأبيض ستيف بانون ليعرضها على ترامب، ونشر بولتون حينها الخطة بعد أن أصابه الإحباط مع رحيل بانون عن البيت الأبيض في 18 آب، وقال إنه ينشرها لـ«الصالح العام».
تألفت خطة بولتون تجاه الملف النووي من أربع نقاط وسعت الإدارة الأميركية لتنفيذها بعد تولي بولتون منصبه كمستشار للأمن القومي:
النقطة الأولى: مشاورات سياسية ودبلوماسية علنية وسرية مبكرة وهادئة مع الفاعلين الرئيسيين مثل المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، الكيان الإسرائيلي والسعودية، لإخبارهم بإلغاء الصفقة القائمة على انتهاكات صريحة وغير ذلك من السلوكيات الإيرانية غير المقبولة، ونطلب مساهماتهم وفق وصف بولتون في خطته.
كان واضحاً أن ترامب في هذا البند بدأ مشاوراته بشكل مبكر من العام الماضي، ولكن اللاعبين الذين يصفهم بولتون بالرئيسيين ليسوا على رأي واحد حول مصير الاتفاق النووي، فالبريطانيون والفرنسيون والألمان أعلنوا صراحة معارضتهم الانسحاب منه، بينما ذهب كل من الكيان الصهيوني والسعودية إلى تشجيع ترامب على الانسحاب.
المساهمات التي يطلبها بولتون من هؤلاء الشركاء تختلف حكماً، إذ يتّضح أن المطلوب من الأوروبيين، بعد إبلاغهم بأن واشنطن عازمة على الانسحاب، هو أن يساهموا عبر الضغط على إيران لتقبل بإعادة التفاوض وطرح اتفاق جديد موسع، بينما تتركّز مساهمات كلٍ من تل أبيب والرياض في إطار الضغط السياسي والبروباغندا التي تصبّ في مصلحة الانسحاب من الاتفاق وتبرير الخطوة إعلامياً ونفسياً.
النقطة الثانية: الإعداد لحالة إستراتيجية موثقة للانسحاب، من خلال ورقة بيضاء مفصّلة، بما في ذلك رفع السرية عن معلومات استخبارية حسب الاقتضاء، توضح السبب الذي يجعل الصفقة ضارة بالمصالح الوطنية للولايات المتحدة وكيف انتهكتها إيران.
ورفع السرية عن معلومات استخبارية حسب الاقتضاء، يبدو أن نتنياهو قد تولّاها شخصياً من خلال العرض المسرحي الذي قام به على وسائل الإعلام، وهذا العرض يندرج في إطار تبادل الأدوار بين ترامب ونتنياهو وهذا ما ذهب إليه مراقبون كثر لأن نتنياهو اختار القيام بعرضه قبل تاريخ 12 أيار بأيام وليس قبل ذلك بحين، وأيضاً مسارعة إدارة ترامب بالترحيب والتأكيد على صحة ما جاء بعرض نتنياهو على لسان ناطقة البيت الأبيض سارة ساندرز ووزير الخارجية الجديد مايك بومبيو.
النقطة الثالثة: إطلاق حملة دبلوماسية موسعة فوراً بعد الإعلان عن الانسحاب من الاتفاق، خاصة في أوروبا والشرق الأوسط، ويجب أن نضمن التأكيد المستمر على التهديد الإيراني بالنسبة للأولوية الدبلوماسية والإستراتيجية العليا.
إعلان المغرب قطع علاقاته مع طهران بحجة دعم حزب الله لجبهة «البوليساريو»، ليس بريء السلوك والتوقيت، فضلاً عن أن تهديد ترامب للشركات الاقتصادية الأوروبية تأتي في سياق الضغط الاقتصادي على أوروبا للبقاء تحت العباءة والطاعة الأميركية.
النقطة الرابعة: تطوير وتنفيذ جهود الكونغرس والدبلوماسية العامة لبناء الدعم المحلي والأجنبي.
وبخصوص الجزء الرابع من تنفيذ خطته دأب المشرّعون الأميركيون على إقرارها، فأمام مجلس النواب حالياً أكثر من مشروع قانون جديد يشدّد العقوبات الاقتصادية على طهران ويشهر العصا بوجه الجهات الدولية التي تسعى لإقامة علاقات تجارية مع الجمهورية الإسلامية.
خطة جون بولتون وجدت تطبيقها الفعلي في الواقع السياسي ولكنها لم تنجح حتى اليوم في ثني إيران وإخضاعها للمطالب الأميركية في الحد من برنامجها الصاروخي وتقيد سلوكها ومنعها من امتلاك برنامج نووي، وما يزيد من تأزم الخطة الأميركية هو انقسام الموقف الأوروبي والطلاق العلني الذي انتهجته برلين وباريس بعد تعرض مصالحهما الاقتصادية للخطر.
الرهان الأميركي نجح في ترجمة خطته عملياً ولكن هل ينجح في قطف ثمار نتائجها كما يشتهي؟
الوطن