الثلاثاء , مارس 31 2020

ماكرون: أوروبا الباحثة عن السيادة

ماكرون: أوروبا الباحثة عن السيادة

حياة الحويك عطية

لا يستطيع الرئيس الفرنسي إلا وأن يقدّم فاتورة سياسية، يبرهن فيها أنه لم يتخل عن مطالب اللوبي الأطلسي ولا مطالب اللوبي الصهيوني ولا مطالب حلفائه من المموّلين. ولذلك قرن التأكيد على الحفاظ بأي ثمن على النووي الإيراني، مع ضمان عدم التخصيب بعد 2025 والتخلّي عن الصورايخ الباليستية ومناقشة الحضور الاقليمي. بنود ثلاثة أصبحت بمثابة عقدة القضية كلها لأنها تخصّ إسرائيل وحلفاءها في المنطقة. وإلا فما الذي يُخيف فرنسا من صواريخ إيران أو من حضورها في المنطقة؟

من الاستشهاد بدوستويوفسكي إلى زيارة أرملة سولجنستين، حاول الرئيس الفرنسي، على طريقته الخاصة توجيه رسالتين إلى العالم وإلى مضيفه بوتين.

“لبلدينا مهمة تحديد رافِعة حقيقية للمُصالحة بين جميع المتناقضات الأوروبية” ردّد نقلاً عن دوستويوفسكي.

“صورة فرنسا متراجعة في روسيا، ضعيفة وفادقة لمعاييرها” قال لأرملة الكاتب المنشّق عن الاتحاد السوفياتي، والتي ردّت عليه بسذاجة: إن على أوروبا استيعاب روسيا وإلا اتجهت نحو الصين. السيّدة العجوز ما تزال تعيش في عصر زوجها، لكن الرئيس الشاب يعيش عصراً آخر، يحاول فيه إنقاذ الاقتصاد الفرنسي الذي تهدر أزمته الكبيرة في شوارع باريس. والذي سيقضي عليه إلغاء الاتفاق النووي مع إيران. ولكنه مكبّل بقيود جميع اللوبيهات التي كبّلت بها بلاده، تباعاً، منذ أسقطت شارل ديغول عام 1968، ولذلك فهو يحاول أن يحمل مطالب واشنطن وتل أبيب إلى موسكو، وأن يقدّم تنازلات بشأن القرم وأوكرانيا يحصد مقابلها في إيران وسوريا ومحور المقاومة.

إيمانويل ماكرون الذي علّقت عليه الصحف خلال حملته الانتخابية أنه ما يزال كالكتاب المُبتدئين الذين يحبّون ترداد عبارات كبار المفكّرين ليظهر ثقافته. هو في الحقيقة رئيس صنعته الشركات والبنوك، ولذلك فإن صون المصالح هذه يظل على رأس التزاماته. وعليه فإن كل الغزل الموجّه لروسيا، التي تذكر الجميع فجأة أوروبيتها وقدرها في التعاون لأجل أوروبا، ما هو إلا توسّل تعويض الخسائر التي ستُمنى بها الشركات الفرنسية جرّاء العقوبات الأميركية على التعامل مع إيران.

لفرنسا 500 شركة عاملة في روسيا، تضمّ 170 ألف موظف. لكن ذلك غير كاف. بوتين مدّ له اليد وفيها 50 عقداً جديداً، أهمها دخول توتال في مشروع عملاق للغاز المُسال في نوفاتيك بقيمة 5و2 مليار دولار. هو تحديداً، تعويض توتال عن خسارتها نتيجة انسحابها الاضطراري من السوق الإيراني؟

الرئيس الفرنسي أعلن أنه سيعود إلى موسكو بحجّة حضور كرة القدم. والصحافيون الفرنسيون علّقوا بأن لعبتين تهمّان بوتين: الجودو وكرة القدم، الأولى تقوم على احترام الخصم، والثانية لعبة جماعية. ببساطة يقولون له: “احترمنا ولنلعب كفِرَق”. هذا اللعب الجماعي عبّر عنه ماكرون عندما عبّر عن الجانب السياسي في ما يخصّ سوريا: فلنحافظ على مسارين متوازيين، أستانة، وباريس (المجموعة المُصغّرة التي تضمّ فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة والأردن والسعودية) وذلك لتحقيق هدفين: الدستور والانتخابات التي يشارك فيها جميع السوريين بمن فيهم ملايين اللاجئين. من دون أن يسأل أحد عن مدى حرية هؤلاء اللاجئين في الاختيار ورغيفهم وخيمتهم بيد أعداء سوريا.

لا يستطيع الرئيس الفرنسي إلا وأن يقدّم فاتورة سياسية، يبرهن فيها أنه لم يتخل عن مطالب اللوبي الأطلسي ولا مطالب اللوبي الصهيوني ولا مطالب حلفائه من المموّلين. ولذلك قرن التأكيد على الحفاظ بأي ثمن على النووي الإيراني، مع ضمان عدم التخصيب بعد 2025 والتخلّي عن الصورايخ الباليستية ومناقشة الحضور الاقليمي. بنود ثلاثة أصبحت بمثابة عقدة القضية كلها لأنها تخصّ إسرائيل وحلفاءها في المنطقة. وإلا فما الذي يُخيف فرنسا من صواريخ إيران أو من حضورها في المنطقة؟

هذا التشابك الذي يبدو جلياً في الجانب السياسي قد يكون أكثر غموضاً ودقّة في الجانب الاستثماري، وهذا ما يتطلّب التخصّص. فمن الذي يملك أسهم الشركات التي يعرفها الناس كمجرّد أسماء. هذه المتعدّدة الجنسيات التي تحكم العالم أكثر مما يحكمه زعماؤه السياسيّون؟ فقطر – مثلاً – تملك حصة لا بأس بها في نوفوتيك، ومؤخراً اشترت الإمارات أيضاً أسهماً معتبرة فيها، كما أن أسهم توتال نفسها موزّعة على أطراف عديدة فرنسية وغير فرنسية. وهي حال تنطبق على جميع الشركات المتعدّدة الجنسيات، ما يجعل تداخل المصالح وحسابات الربح والخسارة أمراً أعقد من لعبة شطرنج صعبة.

واقع المتعدّدة الجنسيات هذا، في واقع المعادلات الدولية الجديدة، يطرح بقوة مسألتين طرديتين: العولمة والسيادة. ففي حين بدأ بعد عام 1990 أن المفهوم الثاني قد أمّحى تماماً وأصبح من التاريخ المنقضي، عاد ليحتل مكانه من جديد مع دونالد ترامب نفسه. صحيح أن دولاً سيادية ظلت تناضل للحفاظ على سيادتها إزاء العولمة الأميركية، ولكن عودة قيادة واشنطن نفسها إلى منطق الحمائية خلط الأمور، من جديد، على مستوى العالم. وعادت مسألة الحفاظ على السيادة الوطنية والاستقلالية، رهاناً صعباً لا بقاء ولا حرية للدول من دونه، لكن معركته هي أصعب المعارك التي يمكن أن يخوضها سياسي.

هكذا انتعش في أوروبا بقوة صوت السياديين، وعدنا نشاهد غضب دومينيك دوفيللوبان على شاشة التلفزيون الفرنسي، هو صاحب الخطاب التاريخي ضد غزو العراق، وصاحب كتاب “صرخة الغارغوي” الذي نعى فيه استقلالية فرنسا (ترجمته الكاتبة إلى العربية عام 2003). ولذا قال بوتين لماكرون بخبثه المعهود، بأن فرنسا دولة صديقة لأنها ” تطلّعت دائماً إلى الحفاظ على سيادتها”. هذا ما قصده ماكرون عندما قال لأرملة سولجنستين بأن “روسيا تعتبر إنها قلعة محافظة”. وإذا ما انتبهنا إلى أن تطوّراً مشابها برز في الخطاب الألماني عندما تساءلت ميركل عن بقاء الجنود الأميركيين على أرض ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية، لتساءلنا هل أن عصراً جديداً من الصراع قد بدأ، انطلاقاً من سوريا، لأن فشل المشروع الأميركي الصهيوني فيها هو الذي جدّد الحاجة إلى تطويق إيران من جديد، وفتح معركة جديدة لا نعرف كيف ستقوم تحالفاتها. وما الدور الذي ستلعبه الحاجة (والقدرة) السيادية فيها؟
الميادين