الثلاثاء , مارس 31 2020
لا أحد على هذا الحاجز.. هل انتهت الحرب حقا ؟

لا أحد على هذا الحاجز.. هل انتهت الحرب حقا ؟

لا أحد على هذا الحاجز.. هل انتهت الحرب حقا ؟

وثّق ناشطون إزالة عشرات الحواجز داخل دمشق، لتبقى الحواجز الكبرى هي الموجودة فقط، فيما تم تغيير أماكن حواجز أخرى، خطوة انعكست على «نفسيَة» السوريين إيجاباً ، ولكن مع حالة من الغرابة ما زالت تسيطر على من اعتادوا المرور عبر الحواجز لست سنوات خلَت، فتأسّست «علاقة» من نوعٍ ما مع جنودها .. يتساءل هؤلاء : هل انتهت الحرب حقاً؟..

«لا أحد على هذا الحاجز»!

تتفقد علا الصفحات الإخبارية على «فيس بوك» قبل خروجها من منزلها، هي عادة استمرت عليها طيلة السنوات الست الماضية، كانت تعرف من خلالها عدد القذائف التي تسقط على دمشق وأماكن سقوطها وأين الشوارع أو الحواجز الأكثر ازدحاماً كي ترسم خط سيرها الأسرع باتجاه وظيفتها.

تقول علا «أتذكر جيداً أول يوم نقف فيه على الحاجز في منطقتنا في العام 2012، اقترب العسكري وطلب منا هوياتنا، كان الارتباك واضحاً علينا، وكان هو أيضا يشعر بالارتباك، «أوهكذا شعرت ربما لا أدري».. وصار لقاؤنا يومياً مع عناصر الحواجز الذين بتنا نتنبأ بمزاجهم من كلمة صباح الخير، أو من طريقة إغلاقهم لأبواب السيارات والسرافيس. تضيف علا كان يتحتم علينا أن نخرج قبل موعد دوامنا بساعة على الأقل كي نصل في الموعد المحدد، واليوم قرأتُ خبر إزالة معظم الحواجز من داخل دمشق، كان الشعور مختلفاً عندما اقتربت السيارة من أول حاجز، لا تزال اللافتات موجودة «خط عسكري» وسهم يشير الى الخط المدني، ننظر جميعاً إلى مكان العسكري، يتوقف سائق التكسي لثوانٍ، ثم ينطلق «ربما يخرج الحرس علينا من جديد، لكن أحدا لم يكن موجوداً».

وداعاً للسير على الأقدام!

بانتظام، تسير السيارات باتجاه ساحة التحرير بعد أن رفعت الكتل الإسمنتية التي كانت في المنطقة، مسارب عديدة كان يتم فتحها وإغلاقها حسب الحاجة.

يضع حسام يده على هويته وعلى دفتر خدمة العلم، يمر السرفيس بالقرب من غرفة الحرس، لا يوجد من يطلب الهوية أو يدقق في عدد الأشهر المحسوبة لانتهاء مدة التأجيل، يعيد أوراقه إلى جيبه، يقول حسام: «منذ ثلاث سنوات اشتريت دراجة هوائية كي أختصر المسافات والوقت من منزلنا إلى جامعتي، كنا نتوقف يومياً بمعدل ساعة ونصف إلى الساعتين في الصباح ومثلها في المساء، لهذا كان المشي على الأقدام أو ركوب الدراجة الهوائية هو الحل الأمثل بالنسبة لي، لكن اليوم بعد إزالة الحواجز بات الركوب بالسيارة أو السرفيس أسرع من الدراجة الهوائية».

توجّس «مبدئي»!

لا تخفي أم رشاد تخوفها المبدئي من إزالة الحواجز داخل دمشق. وتقول: يقع منزلي بالقرب أحد الحواجز داخل دمشق القديمة (باب توما) تلقينا عدداً من القذائف، لكن ما أخشاه الآن هو دخول السيارات المفخخة إلى داخل دمشق وعودة مسلسل التفجيرات الذي عشناه في العام 2012. وتتابع نحن اليوم نشعر بالهدوء بعد أن اعتدنا على أصوات توقف السيارات وفتح وإغلاق الأبواب، لم يعد هناك اختناقات أمام منزلنا، «نأمل أن تكون صفحة الخوف والحرب قد طويت بلا رجعة».

«والله عجقة عَ الحاجز»!

بعد عام 2012 انتشرت الحواجز بشكل كبير في معظم أرجاء دمشق، ثمّة تقارير أفادت بتوزع قرابة 250 حاجزاً في المدينة منذ ذلك الحين. بالطبع كان لا بد لحياتنا من أن تتحول مع هذا التغير الكبير، ومع الحواجز التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من يومياتنا.

«كي أعبر من منزلي الواقع وفق تصنيفات الأخبار «شرق دمشق» إلى وسط المدينة، عليّ المرور إما بحاجز شارع بغداد أو حاجز العدوي، وكي أعود عليّ أيضاً المرور بحاجز التجارة أو حاجز شارع بغداد» تقول نسرين، وتضيف : كل يوم صباحاً أفكر بأي طريق عليّ المرور، وأحاول التنبؤ بأقل الطرق ازدحاماً، أطول وقت قضيته ذات مرة على حاجز وصل إلى ساعة ونصف، وبالطبع أصبحت الحواجز إحدى أقوى أعذارنا للتأخّر عن المواعيد: «والله عجقة عَ الحاجز»

علاقة «حواجزية»!

حفظت عن ظهر قلب عناصر الحواجز، أشكال وجوههم، ماذا يرتدون، ومزاجهم اليومي، لكني لم أعرف اسم أحدهم يوماً. صرت أعرف من منهم يقول لي بابتسامة عريضة «صباح الخير»، من يحب إطلاق النكات، من يستقبلني عابس الوجه، من يقضي ساعات طويلة على «الواتساب» ربما مع حبيبته، ومن يصرّ على تفتيش السيارة كل يوم. حين أصبحت علاقتي مع الحواجز جانب منزلي «قوية»، صرت أتجرأ على المزاح معهم أيضاً: «شو معِك ورا؟» «ما في شي.. تلات قنابل وعبوتين»، «ليش مسرعة .. شو بدك تفجرينا؟» «لا ما بعملها.. بخاف على حالي».

اليوم أخرج من منزلي لأجد كافة الحواجز المحيطة بمنطقتي قد أُزيلت، رُفعت الكثير من الكتل الإسمنتية، بدت الغرف الصغيرة التي اعتاد الجنود المكوث فيها خالية، وبقيت بعض اللافتات وحيدة في الفراغ: «خط عسكري فقط»، «مسرب للسيارات المدنية»، شعور غريب دون شك. أسأل نفسي: «هل انتهت الحرب حقاً؟»

«سأحتفظ بورودي»..

يسقي أبو زياد(45سنة) عدداً من الورود قام بزراعتها داخل براميل رُسم عليها العلم السوري أمام الحاجز الذي يناوب عليه على مدخل إحدى بلدات ريف دمشق، يقول: أقف على هذا الحاجز منذ سنتين، واليوم بعد إزالة الحواجز هناك إشاعة كبيرة لإزالة الحواجز في الريف أيضاً، «لا أدري ماذا سأفعل بعد أن أترك الحاجز، لقد اعتدت على هذه الحياة، أخرج من منزلي لأقضي أكثر من عشر ساعات على الحاجز وأعود لأبيع بعض الخضروات، لكني لم أعد أرغب بالبيع كما السابق، لذلك قمتُ بشراء البطيخ كي أبيعه عند الانتهاء من مناوبتي».

ويضيف أبو زياد: حفظت وجوه أهالي المنطقة الداخلين والخارجين، وهم اعتادوا علينا، ولكن بعد إزالة الحواجز لا أدري كيف ستكون حياتي الجديدة. ويضيف إذا أُزيل الحاجز سأحتفظ بورودي وأضعهم ضمن بسطة البطيخ.

نسرين علاء الدين – الأيام