الإثنين , سبتمبر 20 2021

الحرب إلى إيران

الحرب إلى إيران

تخوض الجمهورية ال​ايران​ية حربا سياسية واقتصادية هي الأشد منذ انتصار ​الثورة الاسلامية​ عام 1979. لا يتعلق الأمر بمواجهة عسكرية، تستطيع طهران رصّ صفوفها الداخلية في التصدّي لها، بل ترتبط المواجهة بالبعد الاقتصادي، الذي تراهن عليه ادارة الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​، لاسقاط النظام الاسلامي من داخل الجمهورية الايرانية. هي ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها طهران لتحديات صعبة، لكن المواجهة الآن تأتي بعد عقد تسوية مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق ​باراك اوباما​، حول الملف النووي، ولّدت آمالا، قبل وصول ترامب الى رأس الادارة الأميركية، والانقلاب على التفاهم. كاد أن يكون الاتفاق بين الايرانيين والأميركيين هو صفقة القرن، لكن ترامب أراد أن تمرّ الصفقة عبر ​اسرائيل​، لانهاء القضية الفلسطينية، وتحقيق لتل أبيب ما عجزت عنه كل الادارات الأميركية التي سبقته.

يردّد الأميركيون كلاما عن أن ايران هي العقبة الأخيرة في وجه اتمام “صفقة القرن”. لم تعد المطبّات موجودة في العالم العربي. بالنسبة اليهم، باتت مصر مشغولة بأزمتها الاقتصادية الداخلية، والتجربة التي مرّ بها الأردن منذ أسابيع تضعف أي اعتراض للمملكة الهاشمية، التي أجرت لقاءات على أرضها حول الصفقة، بينما تواجه سوريا منذ سنوات اعنف حرب عليها تضعف قدراتها، والعراق واليمن والدول العربية الأخرى لن يستطيعوا ابداء الرأي، مقابل موافقة خليجيّة شبه شاملة على “صفقة القرن”، والمباشرة بعقد لقاءات مع الاسرائيليين، وتحضير المواصلات المفتوحة بين تل ابيب وعواصم عربية، لتسهيل التجارة والتواصل علنا، من دون أي رادع.

إقرأ أيضاً :  فرص «الحلّ السلميّ» تتراجع: عودة التوتّر إلى درعا

اقليميا، لا تعترض تركيا عمليا على الصفقة، لتبقى ايران وحدها تتقدم صفوف المواجهة للمشروع الأميركي-الاسرائيلي. ومن هنا فان المطلوب أميركيا، امّا رضوخ طهران لفرض عدم اعتراضها، ووقف دعمها للحركات المناوئة لمشروع الصفقة-هذا لا يتجانس مع العقيدة الايرانية التي قامت على اساسها الثورة الاسلامية، وامّا تصعيد الحرب الأميركية ضد الجمهورية الايرانية، عبر هزّ الثقة الشعبية بالنظام، وفرض استسلامه من الداخل، بعد زيادة العقوبات المشدّدة، ومنع الدول من استيراد النفط الايراني، لعدم وصول موارد ماليّة الى طهران، وضرب اقتصادها بالكامل. يعتقد الأميركيون انهم يحققون نجاحات في اثارة الحالات الاعتراضية الشعبية، التي تضغط على الحكومة: احتجاجات بسبب الاوضاع الاقتصادية والمطالبة بوقف دعم سوريا وحركات المقاومة. احتجاجات على خلفية سوء أوضاع المياه. احتجاجات بسبب الغلاء وارتفاع الاسعار وانخفاض قيمة العملة الايرانية. لكن الجمهورية الايرانية قادرة على التعامل مع الأزمات، كما أثبتت تجارب صعبة مرّت في السنوات الماضية، بعدما كانت توسّعت حركات الاحتجاج في أكثر من محافظة ومدينة. علما أن ايران هي دولة منتجة تؤمّن متطلبات الاستهلاك في الزراعة، حيث الاكتفاء الذاتي، وفي الصناعة حيث القدرات الهائلة. وهو ما يجهض الرهان على نجاح الضغوط الشعبيّة في هز الاستقرار الايراني، خصوصا بعد رصد مرونة داخلية في ادارة الشأن العام للبلاد.

إقرأ أيضاً :  مقتل 3 مسلحين موالين للجيش الأمريكي بعمليات جديدة للقبائل العربية شرقي سوريا

الحرب الترامبية تتواصل ضد الايرانيين، على قاعدة ما اعلنته الخارجية الأميركية: السعي الى تقليص الايرادات النفطية الايرانية الى الصفر من أجل اجبار القيادة الايرانية على تغيير تصرفاتها في المنطقة. ولذلك، يتسابق الايرانيون والأميركيون على اقناع الدول الأوروبية بآرائهم، في ظل عدم وجود رغبة أوروبية بالتماهي مع المصالح الأميركية، وأخذ المصلحة الأوروبية أولا” بعين الاعتبار. يعوّل الايرانيون على دور أوروبي يمنع ” الأحادية الأميركية” في فرض مصلحة واشنطن من دون مراعاة مصالح الاوروبيين. لكن ماذا عن دور اسرائيل؟

تدلّ المؤشرات على تراجع دور تل أبيب، فيما يتعلق بالتعامل الدولي مع الجمهورية الايرانية. لم تعد اسرائيل هي ذاتها، بالنسبة للتأثير على الدول الأوروبية، بدليل دفاع معظم الأوروبيين عن مصالحهم الاقتصادية في ايران. بينما تعتمد تل أبيب على عنصرين: أولا، ادارة ترامب، وثانيا”، التحريض الذي تشنّه على طهران بعنوان مسؤولية الايرانيين عن دعم حركات المقاومة في وجه اسرائيل وتهديد وجودها. لكن الاسرائيليين، لا يقلقون من تراجع دورهم ازاء ايران، بسبب اعتمادهم على العداء الذي تكنّه دول عربية لايران، ما يعزز من الارتياح الاسرائيلي بوجود ازمات اقليمية، خصوصا بين السعودية وايران.

إقرأ أيضاً :  خبراء: مكاسب سوريّة متوقعة من الحكومة اللبنانية الجديدة

هل تنجح الولايات المتحدة في فرض الصفقة بعد تطويق طهران؟.

لا توحي مهمة الأميركيين بالقدرة على تصفية القضية الفلسطينية. قد تنجح صفقة القرن في ظاهرها، لكن أمر القضية الفلسطينية مرتبط بأبعاد دينية عقائدية، لا يستطيع أي نظام أو عاصمة فرض تصفيتها في عقول وعواطف وأدبيات المسلمين والمسيحيين. هذا البعد الذي تعتمد عليه طهران، بعدما شكّل حافزا لثورتها، ثم مسيرتها وانجازاتها، وتوسّعها الاقليمي. لقد راهن الاسرائيليون على حرب سنية-شيعية لضرب تمدد ونفوذ الايرانيين، من خلال تعزيز أدوار حركات ارهابية، كجبهة النصرة في سوريا، و”داعش” في العراق والشام، لكن مجريات الميدان أكّدت أن الرهان لم ينجح. سقط خيار المواجهات العسكرية المفتوحة، بانتصار حلفاء طهران، بعدما مرّ في تجربتين مفصليتين: معارك اسرائيلية مباشرة ضد حلفاء ايران، في فلسطين ولبنان وسوريا، ومعارك الارهابيين ضد المصالح الايرانية وحلفاء طهران في العراق وسوريا ولبنان، ليبدأ خيار الحرب الاقتصادية-المعيشية. هو آخر الحروب على ايران، لكن أشدّها، بعد انتقاله الى خوض غماره في ساحتها.

عباس ضاهر – النشرة