الخميس , أكتوبر 22 2020

الرقص مع الذئاب.. عقوبات واشنطن تكوي بنارها الحلفاء قبل الأعداء

الرقص مع الذئاب.. عقوبات واشنطن تكوي بنارها الحلفاء قبل الأعداء

منذ اعتراف مؤتمر بريتون وودز الدولي في نهاية الحرب العالمية الثانية، بالدولار كعملة عالمية، امتلكت أمريكا عصا العقوبات الدولية التي تستطيع بها ترهيب دول العالم قبل ترغيبها.

وعندما أصبح الدولار الرافعة الرئيسية للعلاقات التجارية والمالية الخارجية، فرضت الولايات الأمريكية “حقها!” في أن تطبع العملة الورقية بالدولار من دون تغطية ذهبية.

بهذه الامتيازات الاستثنائية أصبح الاقتصاد العالمي برمته في قبضة واشنطن، التي استخدمت هذا الوضع لفرض هيمنتها الدولية: تعلي من تشاء، وتحرم من تشاء، وتسحق من تشاء، بدون حسيب ولا رقيب، وأخذت تتعامل مع غالبية دول العالم كجمهوريات موز لا وزن لاستقلالها وإرادتها القومية.

بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفياتي، سارعت الولايات المتحدة، لفرض هيمنتها السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية على مختلف دول العالم، لكن وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السلطة مطلع سنة 2000 فأجأ عنجهية أمريكا التي اعتقدت أنها أصبحت سيدة العالم المطلقة لقرون طويلة، لذلك لم يرق لها أن ترى روسيا وقد بدأت تستعيد عناصر قوتها وسيادتها القومية.

إثر عودة القرم إلى السيادة الروسية وما تبعه من عقوبات غربية أعدت وكالة المخابرات الوطنية الأمريكية تقريرا عن العقوبات المتخذة ضد روسيا وقدم التقرير مدير الوكالة السابق دانيال كوتس. وأعلن التقرير بشكل خاص أن “روسيا لا تزال تواصل العمل لتقويض وحدة الغرب في مسائل العقوبات ودعم كييف، وأن الكرملين لا يزال قادرا على التكيف مع العقوبات في المستوى الحالي”.

وهذا الاعتراف الأمريكي بفشل سياسة العقوبات ضد روسيا واتهامها بمتابعة مساعيها لتقوض وحدة الغرب شكّل الضربة الجوابية الأولى لسياسة العقوبات الأمريكية التي جربتها واشنطن على معظم دول العالم بفعالية منقطعة النظير، وأدت لاحقا إلى إخضاع دول وإزاحة أنظمة وإغراق دول أخرى في الفوضى والأزمات الاقتصادية التي لا عدّ ولا حصر لها. ويعترف التقرير أن وحدة الغرب هشة، ولهذا فهي قابلة للتقويض، وأنه لسر مفضوح أن سياسة العقوبات لا تسير على ما يرام.

وبحسب تعبير الخبراء الأمريكيين”علينا الاعتراف أن العقوبات، المتخذة بشكل أحادي الجانب، لا تفعل فعلها. ومن الضروري أن نساعد حلفاءنا”.
وهنا تكمن المشكلة. إذ على الولايات المتحدة أن تواجه مسألة دعم “الحلفاء” في سياسة العقوبات. فأوروبا تتحمل خسائر كبيرة نتيجة العقوبات الأمريكية، لذلك تعتبر الكثير من الدول الأوروبية أنه آن الأوان للحد من هذه العربدة الانتقائية.
ومن المهم الملاحظة انه حتى على مستوى المخابرات الأمريكية، فإن الخبراء والإداريين أصبحوا يعترفون أن سياسة العقوبات ضد روسيا “لا تفعل”، وأن “تأثيرها تافه”، وهذا بحد ذاته ليس شيئا قليلا.

“العقوبات الاقتصادية تعني تعطيل العلاقات التجارية والمالية المتعارف عليها لأغراض سياسية وأمنية”، هذا هو المعنى المتعارف عليه للعقوبات الاقتصادية التي تفرضها دول أو كيانات تعتقد أنه بإمكانها “تأديب” غيرها .

وأصبحت العقوبات والحصار والحظر سياسة أمريكية معتادة تجاه البلدان التي لديها نظرة أخرى في القضايا الدولية.

وفيما يلي أبرز العقوبات الاقتصادية التي تم تطبيقها على الدول ونتائجها على اقتصادها

كوبا

فرضت أمريكا حظرا اقتصاديا على كوبا بدأ عام 1959 عقب الثورة الكوبية، بزعم أنها دولة راعية للإرهاب. ورغم إن إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، بدأت بإعادة النظر بهذه العقوبات، إلا أن ترامب أعاد فرض جزء من العقوبات، وتعهد بعدم إلغائها قبل الإفراج عن السجناء السياسيين وإجراء انتخابات حرة، كما أمر بتشديد منع سفر الأمريكيين إلى كوبا، ومنع تدفق الأموال إلى هناك.

روسيا

بدأت أولى عقوبات الولايات المتحدة الأمريكية ضد روسيا إبان عصر الاتحاد السوفيتي، وتلى ذلك عقوبات عام 2012 ضد مسؤولين روس زعمت أمريكا انتهاكهم لحقوق الإنسان، ثم تبع ذلك فرض عقوبات جديدة على ما يخص الاقتصاد الروسي إبان الأزمة الأوكرانية.

وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات أيضا على روسيا تستهدف قطاعات كاملة في الاقتصاد الروسي إضافة إلى تجميد الأصول وحظر السفر.

كما تم فرض عقوبات أخرى تخص مشاريع روسية أوروبية، ووفقا لروسيا لم يتضرر اقتصادها بشكل كبير إذ رأت أن العقوبات المفروضة زادت من التنافسية على المشاريع داخلها.

وأثر هذا بالسلب أيضا على أوروبا التي يرتبط اقتصادها بروسيا بشكل كبير، وبلغ إجمالي التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي وروسيا نحو 270 مليار يورو في عام 2012، وهو أعلى بكثير من مستوى التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وروسيا.

إيران

فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على إيران مع احتجاز عدد من الرهائن إبان الثورة عام 1979، إلى جانب الحظر على الأصول الإيرانية والسفر، إضافة إلى تجميد كل الأصول الإيرانية الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية.

وأوقفت أمريكا تحويل الأموال من وإلى إيران واستهدف القانون الأمريكي عام 2010 وقف صادرات الوقود الإيراني، ونص على اتخاذ إجراءات ردع على المجموعات الأجنبية التي تستثمر في قطاع النفط الإيراني، وتبنى قانون جديد للكونغرس الأمريكي فرض عقوبات جديدة ضد إيران، وشدد الرئيس الأمريكي ترامب العقوبات ضدها بعد انسحابه من الاتفاق النووي معها في مايو الماضي.

كوريا الشمالية

فرضت أمريكا عقوبات على كوريا الشمالية منذ الحرب الكورية عام 1953 وحتى الآن، وارتكزت في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما على التضييق الاقتصادي، وتلت تلك العقوبات تجارب كوريا الشمالية النووية، ما أدى إلى حرمان البلاد من عائدات تقدر بمليارات الدولارات الناتجة عن التصدير وخاصة الفحم.

كما حظر مجلس الأمن بيع السلاح لها واستيراد المعدات التكنولوجية أو تصديرها، وامتد ذلك ليشمل المعدات العسكرية والمعاملات المالية، كذلك منعت من استيراد الوقود الخاص بالطائرات والصواريخ، ومرر مجلس الأمن بالإجماع مجموعة إجراءات جديدة ضد كوريا الشمالية لحظر الصادرات وفرض قيود على الاستثمار داخلها، ونجحت الولايات المتحدة الأمريكية في منع الصين من استيراد الفحم منها.

سوريا

توقفت العلاقات بين الولايات المتحدة وسوريا رسميا في عام 2012. قبل ذلك، توترت العلاقات بين البلدين بسبب العديد من العقوبات ضد سوريا، والتي تم إدخالها منذ عام 1986.

وتم فرض العديد من العقوبات ضد المواطنين السوريين، وكذلك ضد الشركات السورية، التي تتهمها أمريكا بالإرهاب والفساد.

لا يُسمح للمواطنين الأمريكيين بالمشاركة في تجارة الوقود مع سوريا، وكذلك الاستثمار في سوريا.

السودان

أصبحت العلاقات بين الولايات المتحدة والسودان متوترة بعد أن اتهمت الولايات المتحدة السودان بدعم المنظمات الإرهابية، بما في ذلك الفلسطينيون واللبنانيون.

وفي عام 1993، أعلنت الولايات المتحدة أن السودان يدعم الإرهاب. بعد ذلك، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على البلاد في مجال التجارة والقطاع المالي، فضلا عن العقوبات الاقتصادية.

كما تم اتباع العقوبات فيما يتعلق بدعم السودان لغزو العراق للكويت، والمشاركة في المؤتمر الإسلامي العربي، ومنح اللجوء للإرهابيين الدوليين.

بيلاروس

تبنت الولايات المتحدة في عام 2004 “قانون الديمقراطية في بيلاروس” الذي طالب فيه المشرعون بإبلاغهم عن توريد الأسلحة والتكنولوجيا إلى بيلاروس.

واشتدت العقوبات بشكل مستمر، حيث في عام 2011، تم تقييد عدد من الرحلات، وتم تجميد الأصول. ومن بين الأشخاص المستهدفين رئيس بيلاروس، ألكسندر لوكاشينكو، وأبناؤه فيكتور ودميتري، بالإضافة إلى صحفيين ومسؤولين ومدعين عامين وقضاة.

ميانمار

منع الاستثمار في هذا البلد، ومنع أعضاء المجلس العسكري من دخول الولايات المتحدة.

وتم تشديد العقوبات في عام 2003. فقد تم حظر الاستيراد من ميانمار بشكل كامل، وتم تجميد أصول الحكومة في الولايات المتحدة.

كوت ديفوار

فرضت الولايات المتحدة في عام 2011 عقوبات على رئيس كوت ديفوار، لوران غباغبو، وزوجته وأنصاره، لأن السلطات الأمريكية لم يعجبها إلغاء الانتخابات في بعض مدن البلاد. نتيجة لذلك، تم اختيار غباغبو لفترة رئاسية ثانية.

وتم تجميد أصول الأشخاص الذين وجهت إليهم العقوبات كما تم فرض حظر على دخولهم للولايات المتحدة.

جمهورية الكونغو الديمقراطية

تم فرض العقوبات ضد جمهورية الكونغو الديمقراطية في عام 2006، ثم تم تمديدها عدة مرات.

ليبيا

فرضت الولايات المتحدة في عام 2011 عقوبات تجارية ومالية ضد ليبيا. حيث تم حظر العديد من البنوك والشركات من ممارسة الأعمال التجارية في الولايات المتحدة.

وقد تم فرض العقوبات لمواجهة نظام معمر القذافي، ولكن بناء على طلب الحكومة الجديدة تم رفعها.

كما وقعت الولايات المتحدة اتفاقية تجارة واستثمار مع ليبيا كجزء من استئناف العلاقات الاقتصادية بعد فترة انقطاع طويلة.

وكان العراق قد عاش لعقود تحت حكم عقوبات أمريكية قاسية جدا انتهت بإفقاره قبل أن تقدم القوات الأمريكية على غزوه عام 2003 واحتلاله.

المصدر: RT