الإثنين , يناير 20 2020

فوضى العلاقات التركية الأمريكية.. هل تقول أنقرة وداعاً لواشنطن

فوضى العلاقات التركية الأمريكية.. هل تقول أنقرة وداعاً لواشنطن

دخلت العلاقات التركية – الأمريكية مستوى غير مسبوق من التوتر والتصعيد إثر العقوبات الاقتصادية التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية الأربعاء الماضي على وزيرين تركيين هما وزير العدل عبد الحميد غول ووزير الداخلية سليمان سويلو، رداً على ما وصفته استمرار اعتقال القس الأمريكي أندرو برانسون، وبهذا يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد مزق عقداً من حسن العلاقات مع تركيا، البلد الحليف لواشنطن في العديد من الملفات وعلى أعلى المستويات ناهيك عن كونهما شريكان في حلف الناتو.

قرار ترامب جاء صادماً لجميع حلفاء واشنطن، كما كان مستغرباً ومستهجناً من قبل البعض الآخر، ولاسيما وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف الذي غرّد يوم أمس على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”: أن فرض العقوبات الأمريكية اللاشرعية ضد وزيرين في تركيا، الدولة الحليفة لأمريكا لا يثبت فقط سياسة الحكومة الأمريكية في فرض الضغوط والابتزاز بدلاً عن النهج الديبلوماسي، بل يعدّ مؤشراً أيضاً إلى أنه لا حدود لإدمانها على فرض الحظر.

نقتبس من الجملة الأخيرة لكلام الوزير ظريف، ونقول أن أمريكا لم تترك أحداً من شرها لا عدو ولا صديق، أن تختلف واشنطن مع طهران أو بكين أو حتى موسكو فهذا ليس بالأمر المستغرب ولكن أن تهاجم حلفاءها وتبتزهم من عرب وأروبيين وأتراك لأسباب غير منطقية يجعل هذه الدول تعيد حساباتها في العلاقة مع أمريكا، خاصةً الحلفاء التقليديين الذين عانوا الكثير بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، فقد هاجم الرئيس الأمريكي هذه الدول وهدد بالانسحاب في عدة مناسبات من الاتفاقيات والتحالفات والتعهدات الدولية التي تجمعه معها، وخرج من بعضها بالفعل، ما ترك خشية واضحة لدى البعض من أن يبالغ ترامب في قراراته البعيدة كل البعد عن الدبلوماسية والسياسة وتكاد تكون أشبه بمراهقة سياسية تنم عن عدم امتلاك ترامب لأي بعد سياسي استراتيجي في سلوكه الذي شهدناه خلال العامين الفائتين.

لماذا تركيا؟!

ذريعة العقوبات الاقتصادية على الوزيرين التركيين جاءت تحت عنوان الرد على اعتقال السلطات التركية القس الأمريكي أندرو برانسون، علماً أن القس كان معتقلاً منذ أكتوبر/تشرين الأول 2016 بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي شهدتها تركيا في العام نفسه، وما فعلته تركيا مؤخراً أنها حاولت احتواء الأزمة وأخرجت القس من السجن منذ حوالي الأسبوع ووضعته تحت الإقامة الجبرية، ولكن واشنطن أصرت على أن يتم إطلاق سراح القس الأمريكي، والسؤال هل قضية “القس الأمريكي” سبب كل هذا التوتر بين واشنطن وأنقرة أم إن هناك أسباباً أخرى؟!

خلال الفترة الماضية وخاصة بعد اندلاع الأزمة السورية واستمرارها لعدة سنوات دون الوصول إلى حل، بدأت تركيا وأمريكا البحث عن مكاسب لكليهما على الأرض السورية، ولكن لسوء الحظ اختلفت المصالح، فأمريكا وجدت فرصتها في سوريا عن طريق تحويل الأكراد إلى حصان طروادة لتنفيذ النهج الأمريكي، وهذا ما تعارض مع المصالح التركية التي تعتبر الأكراد الخطر الأكبر على أمنها القومي.

عند هذا الحدّ وعلى الرغم من هذا الخلاف كانت العلاقات تسير على نحو جيد وكان الطرفان يجدان سبل الحل في هذا الملف، ولكن في صيف العام 2016 حدثت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، ما جعل الأتراك أكثر حذراً في العلاقة مع واشنطن، خاصةً أن أمريكا رفضت تسليم فتح الله غولن المتهم الأول بالمسؤولية عن الانقلاب الفاشل، وساور تركيا بعض الشكوك حول ما إذا كانت واشنطن قد شاركت في هذا الانقلاب عبر قاعدة إنجرليك.

بعد ذلك رفضت أمريكا بيع تركيا صواريخ “باتريوت” لترد أنقرة بشراء صواريخ “أس 400 ” من روسيا، ما أغضب واشنطن من جديد ليصدر الكونغرس إثر ذلك قراراً يمنع توريد طائرات إف35 إلى أنقرة رغم أنها عضوة في ائتلاف تصنيع المقاتلة الأمريكية.

يضاف إلى ما تقدم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان عرّاباً لما يسمى “صفقة القرن” وقد سهّل له هذه الصفقة العديد من الحلفاء العرب ومضى قدماً في تنفيذها لكن تركيا “أردوغان” رفضت الانخراط فيها ودافعت عن حق الفلسطينيين وفقاً للقانون الدولي، ما أضعف خطة ترامب بتصفية القضية الفلسطينية وهناك رائحة انسحاب للسعودية من هذه الصفقة أيضاً، وبالتالي قد يكون إجراء ترامب انتقاميّاً تجاه أنقرة.

وفي النهاية يجب ألّا ننسى بأن تركيا رفضت قطع علاقاتها مع إيران بالرغم من كل المحاولات الأمريكية لإقناع أنقرة بالامتناع عن التعاون مع طهران على مختلف المستويات، وترى تركيا أنها غير معنية بتلك العقوبات بالنظر إلى أنها لم تصدر من هيئة أممية.

التداعيات

بعد إعلان العقوبات الأمريكية ضد تركيا سارعت أنقرة إلى التنديد بخطوة واشنطن ومطالبتها بالتراجع عن القرار الذي وصفته بالخاطئ، وبالموقف العدائي الذي لا يخدم أي هدف، وتعهدت بالرد عليه بالمثل دون تأخير.

واعتبر ليونيد كروتاكوف- المحلل السياسي والمعيد في معهد العلوم السياسية في الجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية أن الوقت الراهن يشهد شرخاً في العلاقات بين تركيا وأمريكا والناتو وسيكون أردوغان مرغماً على اتخاذ إجراءات مضادة رداً على هذه العقوبات.

وأضاف إنه “يجب أن نتذكر أن أردوغان كان عشية الأزمة في مؤتمر بريكس، وطالب بضم تركيا إلى هذه المنظمة”، وتساءل كروتاكوف أنه “في حال انضمت تركيا إلى البريكس، فكيف يمكن جمع ذلك مع الناتو؟”. ورأى أن الأمريكيين يسعون إلى استباق الوقت لأن تركيا ستقول لهم وداعاً.
الوقت