الجمعة , ديسمبر 3 2021

القوة الناعمة: «السينما السورية عبرت على جسد إغراء»

القوة الناعمة: «السينما السورية عبرت على جسد إغراء»

من المعروف أن أغلب الدول تستخدم الدراما والتلفزيون كوسيلة للإقناع وتوجيه الجمهور بشكل غير مباشر من دون إكراه أو إجبار، وهي سياسة عالمية قديمة استخدمتها الدول الكبرى والدول الأوروبية في توجيه مجتمعاتها والعالم لتحقيق أهدافها السياسية الخارجية، بالطبع العرب حاولوا تقليد هذه الظاهرة من غير أن يعرفوا عنها شيئا سوى الكسب المادي، أو الحصول على عدد أكبر من الجمهور. لكنهم مع الأسف، فشلوا في تحقيق نسبة إقناع، فالجاذبية التي استخدموها لم تخرج عن نطاق الجنس وإثارة المتلقي بصريا من دون أدنى محاولة للاقتراب من نمط تفكيره الاجتماعي والسياسي والأخلاقي، فاستخدموا جسد المرأة كوسيلة لكسب أكبر عدد من الجمهور المكبوت، ولا ننسى بداية أفلام السينما التي كانت تظهر فيها نتف من جسد أنثوي، أو ملابس داخلية ملقاة رشّا حسب رؤية المخرج للإثارة، وكل ذلك بقصد جذب الجمهور. وهناك تصريح للفنانة السورية إغراء في حوار لها عن قصة نجاح فيلم الفهد وأفلام أخرى أكدت فيه أن بدايات السينما السورية كانت تستخدم هذا الأسلوب لجذب الجمهور قائلة «السينما السورية عبَرت على جسدي».

عام 1990 ظهر مصطلح «القوة الناعمة» والذي يعني استخدام الجاذبية والإقناع لتحقيق الأهداف السياسية الخارجية للدولة، وفي عام 2004 صدر كتاب لجوزيف ناي يشرح هذا المفهوم وهو بالتأكيد كتاب سياسي غير مرتبط بالدراما، إلا من خلال استغلال التلفزيون لكسب الجمهور بدل استخدام القوة الصلبة أو القسوة في توجيه الشعوب، وهو ما نشاهده على المستوى المحلي بشكل مباشر في إعلانات ترشيد استهلاك الطاقة أو المياه، وفي بعض الأعمال الدرامية الضعيفة التي تحشر في النص جملة تطالب بحب الوطن، وغالبا ما تأتي على لسان البطل بشكل مباشر فتتحول إلى موقف كوميدي سطحي.

إقرأ أيضاً :  هكذا بدا باسم ياخور في طفولته..هل تغيّر؟

غير أن استخدام الدول للقوة الناعمة مع باقي أنواع القوة التي تمتلكها من قوى عسكرية واقتصادية وأمنية، يحقق لأي دولة القوة الشاملة أو ما وصفه الكاتب «بالقوة الذكية»، والفنون عموما هي من أسلحة القوة الناعمة التي تستخدمها الدول عادة، لنكتشف أن الذخيرة هي الشعراء والكتاب والممثلون والمطربون والعازفون وكل ما يتعلق بعالم الملتيميديا.

الولايات المتحدة الأمريكية جسدت هذا المفهوم بشكل واضح وصريح، واستخدمت القوة الناعمة في مدينة صناعة السينما الأشهر «هوليوود»، وما أنتجته هذه المدينة من أفلام سينمائية ودرامية استطاعت من خلالها جذب العالم بأسره نحو ما يريد مركز القوة طرحه من مفاهيم الديمقراطية التي يتمتع بها المواطن الأمريكي وصُدرت إلى العالم، فكرة «الحلم الأمريكي» وقيم الحرية، من خلال قوة السينما والبرامج التلفزيونية ووالت ديزني وغيرها، كما قدمت اليابان الكارتون الياباني. ولا يغيب عن بالنا أن أمريكا تنفق على القوة الناعمة أربعمئة ضعف مما تنفقه على القوة الخشنة، ومع أنها لا تنتج إلا 10% من الأفلام السينمائية في العالم أجمع، إلا أنها تحتكر المشاهدين وأوقاتهم في كل العالم.

إقرأ أيضاً :  قاسم ملحو: نحن غير محميين .. ودفعنا ثمن الموقف السياسي

كما ذكر ناي في كتابه مثالا عن تأثير القوة الناعمة من خلال السينما والتلفزيون: «جدار برلين كان قد تم اختراقه بالتلفزيون والأفلام والسينما قبل سقوطه بزمن طويل»، معتبرا أن المطارق والجرافات ما كانت لتفعل فعلها لولا انتقال الصور المبثوثة من ثقافة الغرب الشعبية على مدى سنوات طوال، وهذا يؤكد على أن الصورة اخترقت الجدار قبل أن يسقط.

تماما ما شاهدناه بشكل عملي في الربيع العربي وكيف استطاع التلفزيون اللعب على بعض العقول واستخدامها أو توجيهها نحو سياسات معينة، في كل من مصر وتونس وسورية وليبيا وغيرها من الدول التي شاركت شعوبها في هذه الحرب باسم الحرية والديمقراطية. وهذا ما حصل في العراق بصورة دقيقة قبل سقوطه على يد الغزو الأمريكي.

في المقابل هناك دول لم تمتلك السينما والدراما التي تستطيع من خلالها السيطرة على الشعوب فاستخدمت ما تملكه من أماكن مقدسة وشعائر تبثها على التلفزيون في استقطاب الملايين من كافة أنحاء العالم وتوجيهها، وهي بالطبع تندرج تحت مصطلح القوة الناعمة شأنها شأن الأماكن السياحية التي تغري البعض في ارتيادها. وكان ذلك بمثابة تنافس مع الدول التي تمتلك سينما ودراما تلفزيونية وهو تسلّح لا يقل خطورة ولا ضراوة عن التسلح بالعتاد الحربي. وظاهر هذه القوة قيم ناعمة متسامحة تسعى للسلم والسلام بينما شاهدنا حقيقتها وحجم القتل والخراب والتخلف الذي خلفته، في الوقت ذاته قامت بتمويل قنوات لبنانية ومصرية وقطرية لجذب المشاهد العربي في طرح سياستها لكن بشكل مهذب وملمس ناعم كملمس الأفعى.

إقرأ أيضاً :  لن تتخيل ماهي مهنة هيفاء وهبي قبل الفن والشهرة.. والمفاجأة في ديانتها وعدد زيجاتها

من أسف، استطاعت تلك الدول السيطرة على جمهورنا بقوتها الناعمة وأقنعت الشعوب، بأنها أرض الأحلام والسلام والطمأنينة بينما فشلت أغلب المحطات التلفزيونية العربية ومنها محطاتنا العربية السورية، في تسخير السينما وشاشات التلفزيون لطرح قضايا الشعوب والقضايا السياسية. فمن جهة لم تعرف كيفية إدارة وسائل الصورة واللعب فيها لتكون جذابة، ومن جهة أخرى بسبب الطرح السطحي المباشر.

لؤي ماجد سلمان – جريدة الايام