السبت , ديسمبر 3 2022

عشر دقائق فاصلة في تاريخ العدوانية الإسرائيلية

عشر دقائق فاصلة في تاريخ العدوانية الإسرائيلية

جورج حداد

في منتصف شهر أيلول المنصرم أسقطت طائرة استطلاع روسية من طراز ايل ـ 20 فوق المياه الاقليمية السورية قرب اللاذقية، وكان على متنها 15 رجلاً من المخابرات، مختصون بالاتصالات الالكترونية. وكانت الطائرة في مهمة استطلاعية ضد العصابات الارهابية التكفيرية في شمال سوريا. وسبّب اسقاط الطائرة مفاجأة كبرى وصدمة شديدة لدى القيادة السياسية والعسكرية الروسية. وبالتحقيق الشامل والدقيق الذي أجرته وزارة الدفاع الروسية تأكد ان اسقاط الطائرة تم “بنار صديقة” وعمليا بصاروخ سوري من طراز S-200 الروسي الصنع. ومع ذلك فإن وزارة الدفاع الروسية والقيادة السياسية ذاتها بشخص الرئيس بوتين بنفسه، اتهمتا “اسرائيل” بالتسبب في اسقاط هذه الطائرة الروسية.

لماذا؟

تقول نتائج التحقيق الروسي إن الطائرة المنكوبة كانت في مهمة استطلاعية ضد الارهابيين ولا علاقة لها بالصراع الاسرائيلي ـ السوري. وفي وقت وقوع الاصابة كان سرب من الطائرات الاسرائيلية يقوم بطلعة لقصف مواقع داخل الاراضي السورية مما تعتبره القيادة الروسية اعتداء على السيادة السورية. ومع تشغيل المضادات الأرضية السورية، فإن الطائرات الاسرائيلية تعمدت التلطي خلف الطائرة الروسية، ووجهت ضرباتها من خلفها، وانكفأت عائدةً الى قواعدها الاسرائيلية. وهكذا وقعت الطائرة الروسية ضمن دائرة منطقة الخطر المستهدفة من قبل المضادات السورية، وتلقت الصاروخ “بالنيابة” عن طائرة إسرائيلية.

تقول اوساط الخبراء إن صاروخ منظومة S-200 يطير نحو “منطقة الخطر” المحددة له ويتعقب مصدر الانبعاثات الحرارية والذبذبة الصوتية لكل جسم طائر داخل “منطقة الخطر” المستهدفة دون التمييز فيما اذا كان الجسم الطائر معاديا أو صديقا. وتقول مصادر التحقيق الخاص بوزارة الدفاع الروسية ان الطائرة المصابة لم تغادر “منطقة الخطر” لانه لم يتم ابلاغها بذلك. وانه منذ سنتين قبل الحادث وقع اكثر من 200 اعتداء جوي للطيران الاسرائيلي ضد مواقع سورية ولكنه لم يقع اي حادث لاي طائرة روسية بسبب اتفاق التنسيق الأمني بين روسيا و”اسرائيل” الذي يقضي بأن تبلغ “اسرائيل” روسيا بمسار طلعاتها الجوية قبل 10 دقائق من كل طلعة تلافياً لوقوع تصادم روسي ـ اسرائيلي، لان الوجود الروسي في سوريا يتعلق بالحرب ضد الارهاب وليس للمشاركة في الصراع الاسرائيلي ـ السوري.

وفي هذه المرة فإن الجانب الاسرائيلي لم يبلغ الجانب الروسي بوجود طلعة طيران اسرائيلية الا قبل دقيقة واحدة من الطلعة وتم الابلاغ بطريقة تضليلية تقول إن الطلعة ستكون باتجاه الجنوب السوري بينما هي كانت باتجاه الشمال السوري. واعتبرت وزارة الدفاع الروسية ان هذا البلاغ المتأخر، والتضليلي كان متعمدا، وان حركة المناورة الالتفافية للطائرات الاسرائيلية من خلف الطائرة الروسية والتلطي بها لتوجيه ضرباتها وتجنب المضادات السورية انما كانت ايضا مناورة مقصودة، الهدف منها الايقاع بالطائرة الروسية بشكل مقصود. واعتبرت الوزارة الروسية ان ذلك يمثل ليس فقط اخلالا بالتفاهم الامني للانذار المبكر عن الطلعات الاسرائيلية مدة عشر دقائق، بل ويشكل نية مقصودة للعدوان على سلامة الطيران الروسي وتعريض حياة العسكريين الروس للخطر، وان “اسرائيل” تتحمل كامل المسؤولية عن ذلك، والجانب الروسي يحتفظ بحق الرد على هذا الاعتداء بالشكل الذي يراه مناسبا.

وقد قررت القيادة الروسية، كخطوة أولى للرد على هذا العدوان، اتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز الدفاعات الجوية السورية بتزويدها بمنظومة الصواريخ الدفاعية المتطورة S-300، القادرة على التصدي بفعالية اكبر للاجسام الطائرة المعادية وعلى التمييز بوضوح بين الاجسام المعادية والمحايدة والصديقة في دائرة شعاعها 250 كلم. وعلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ذلك بالقول ان ذلك سيكون ردا ملائما حتى الآن.

والجدير ذكره ان النظام السوري سبق ان طالب منذ اكثر من خمس سنوات بتزويده بمنظومة S-300. ولكن القيادة الروسية كانت تماطل في تنفيذ هذا الطلب بناء عل إلحاح “اسرائيل” لعدم كسر معادلات التوازن العسكري بين سوريا و”اسرائيل”. وقد توهمت القيادة الروسية انها بالتجاوب مع هذا الالحاح الاسرائيلي وبوجود اكثر من مليون يهودي روسي في “اسرائيل” يمكنها ـ اي روسيا ـ استمالة “اسرائيل” للانضمام التدريجي للرؤية الروسية لما يسمى “الحل السلمي” للصراع العربي ـ الاسرائيلي. كما توهمت القيادة الروسية ان “اسرائيل” ستحرص على تنفيذ اتفاق الـ10 دقائق للانذار المبكر بالطلعات الجوية الاسرائيلية وان ذلك سيكون كافيا لضمان سلامة العسكريين الروس في الجو وعلى الارض.

لكن “اسرائيل” استغلت الثقة الوهمية لدى القيادة الروسية و”ضربت ضربتها”. ولم يكن هدفها فقط اسقاط طائرة ايل ـ 20 وقتل العسكريين الاختصاصيين فيها، بل توجيه ضربة الى المشاركة الروسية في الحملة ضد الارهابيين، وان يكون اسقاط الطائرة بمثابة شرارة لاندلاع نزاع روسي ـ سوري وزعزعة العلاقات الروسية ـ السورية عامة. لكن وعي القيادة الروسية فوّت على “اسرائيل” واميركا هذه “الفرصة”، وأعطى نتيجة عكسية تماما لغير صالح “اسرائيل”.

وقد اتصل نتنياهو بالرئيس بوتين معزيا بضحايا الطائرة، لكن هذا لم يغير في الأمر شيئا. لقد حمّلت أوساط سياسية وعسكرية اسرائيلية نتنياهو مسؤولية هذا الفشل الذريع للسياسة الاسرائيلية القائمة على الغدر والعدوانية والاستخفاف بعقل القيادة الروسية وطعن ثقتها الوهمية “بالاتفاق” مع “اسرائيل”.

لكن أوساطا اسرائيلية أخرى تقول انه اذا اصبحت السماء السورية مغلقة بوجه الطيران الاسرائيلي بفضل منظومة S-300، فإن اسرائيل لن تعدم الوسيلة لضرب منظومة S-300 ذاتها وتعطيلها وهي رابضة على الارض تنتظر الطائرات الاسرائيلية.

ـ بأي وسيلة؟
ـ بالصواريخ المجنحة الذكية الاميركية!
وطبعا ان الترسانة الحربية الاميركية كلها في خدمة “اسرائيل”.

وهنا يبرز السؤال المفصلي التالي: هل ستغير “اسرائيل” سياسة الغدر والعدوانية، مع الفلسطينيين والعرب والروس وجميع شعوب الارض؟
الجواب طبعا هو: لا!

ما يمكن أن تفعله “اسرائيل” حاليا مع سوريا ومع الروس وغيرهم هو أن تغير وتطور أشكال وأساليب الغدر والعدوانية.
واذا كان الطيران الحربي يمثل حتى الآن “مقلاع داود” أو اليد الطولى لـ”اسرائيل”، فماذا يمنع “اسرائيل” من أن تغير استراتيجيتها وتحول الطيران الحربي الى قوة دعم ناري للجيوش البرية والبحرية، وتعتمد الصواريخ من كل المديات والاحجام والانواع (والمدعومة بالاقمار الاصطناعية) بوصفها “مقلاع داود” الجديد لـ”اسرائيل”.

طبعا سيكون ذلك مكلفا جدا. ولكنه اقل كلفة من الطيران الحربي، وبطبيعة الحال اقل كلفة بكثير من الهزيمة المفترضة لـ”اسرائيل”!
العهد