الثلاثاء , أكتوبر 19 2021

حرب أو لا حرب؟

حرب أو لا حرب؟
عباس ضاهر
هل فعلاً تريد اسرائيل خوض حرب ضد ​لبنان​؟ لمعرفة الإجابة الشافية على هذا السؤال الجوهري، فلا بدّ من الحصول على اجابات على أسئلة أخرى: لماذا ستشن اسرائيل حربها على لبنان؟ وهل تستطيع تحقيق اهدافها بالقضاء على “​حزب الله​” او تقليص دوره، بعدما فشلت عام 2006؟ يومها كان الحزب يملك صواريخ متواضعة نسبياً، لكنه بات الآن يملك ترسانة ضخمة من الصواريخ وأنظمة الدفاع التي تصيب العمق الاسرائيلي، كما فُهم من مضمون الكلمة الأخيرة للأمين العام للحزب ​السيد حسن نصرالله​. ما يعني أن الداخل ال​إسرائيل​ي تحت مرمى صواريخ “حزب الله”، عدا عن المفاجآت التي يعدّها الحزب في الإقتحامات التي يُقال أنها ستدهش إسرائيل في الجليل، بعدما بات مقاتلوه مدربّين، جاهزين، قادرين على الهجوم، بعد خوض المعارك العنيفة في ​سوريا​ خلال السنوات الماضية، التي أكسبتهم خبرات هجومية دسمة.
وهل تستطيع اسرائيل ايضاً تحمّل اصابة مراكز ومعامل حسّاسة بصورايخ دقيقة باتت بحوزة الحزب؟ تغيّرت المعادلة عن 2006. اسرائيل تدرك ذلك. لكن، لماذا تهدّد وتلوّح بحرب على لبنان؟.
كل المواقف الإسرائيلية تحمل مؤشرات تصعيدية تصبّ في خانة الإحتمال بأن تل أبيب تحضّر لشن عدوان على لبنان، آخرها إطلالة رئيس حكومة تل ابيب ​بنيامين نتانياهو​ على منبر الأمم المتحدة في نيويورك، وما تضمنته كلمته من ادعاءات، استوجبت ردّاً لبنانياً، فدخل نتانياهو في سجال عن بُعد مع وزير الخارجية اللبنانية في حكومة تصريف الأعمال ​جبران باسيل​، الذي اصطحب معه سفراء الدول في بيروت الى الأمكنة التي سمّاها رئيس الحكومة الاسرائيلية، لكشف زيف ادعاءات نتانياهو حول سلاح “حزب الله” في ملعب العهد وغيره قرب مطار بيروت الدولي. ما عزّز احتمالية الحرب ايضاً هو الكلام الروسي على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي حذّر تل أبيب من الإقدام على حرب ضد لبنان، في وقت كانت تل ابيب سرّبت أخبارا عن مناورات اجرتها تحاكي شن هجوم على لبنان.
لكن، كل تلك المؤشرات لا تحسم جدّية اسرائيل في شن الحرب. صحيح انها تهرب من الخطوط الحمر التي وضعتها موسكو في سوريا، بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسيّة، لتلوّح باللجوء الى ضرب “حزب الله” على أرضه، وبين جمهوره، كبديل عن إستهداف سوريا. وصحيح ايضاً أنها تريد تثبيت كلامها عن انها تلاحق “حزب الله” لمنعه من مزيد من التسلّح. لكن تل أبيب تعرف ان فتح الحرب مع لبنان، هو خلط للاوراق ونسف قواعد الاشتباك التي تم فرضها بعد عام 2006. ومن يضمن ان الحرب ستبقى محصورة في حدود المواجهة بين لبنان وإسرائيل فقط؟ خصوصا ان الحزب كان اتخذ قرار الرد على اي طلقة إسرائيلية فوراً، من دون تأخير ولا تأجيل.
اذا كانت تل أبيب تعي ابعاد وخطورة الإقدام على تهور ضد لبنان، فلماذا تصعّد إذاً؟
تريد إسرائيل فرض قواعد إشتباك جديدة، والإستفادة من الأجواء الإقليميّة والأميركيّة القائمة، وخصوصا في شأن العقوبات على إيران، وسعي واشنطن لترجمة “صفقة القرن”. فرفعت تل أبيب من سقف تهديداتها ضد لبنان، بعدما لاحظت أن رهاناتها في سوريا سقطت. وباتت عواصم عربية تتسابق الى الصلح وتنظيم الخلاف مع دمشق، من الأردن الى البحرين وما بينهم من دول عربية ضمناً، هي الآمرة والناهية، لجذب سوريا من إيران الى جامعة الدول العربية مجدداً، كما جاء في طرح الاردن، القادم الى فتح حدوده الرسمية مع سوريا في المعابر الشرعية.
وهل يتحرك الاردن بمعزل عن رضا السعوديين عن خطواته الإستراتيجية؟ بالطبع، لا تُغضب عمّان المملكة العربية السعودية.
اللجوء الاسرائيلي الى الساحة اللبنانية، يأتي في زمن النزاع الاسرائيلي-الروسي المضبوط، وسعي قيصر الكرملين الى خلق توازن رادع مع الغرب وإسرائيل، لحماية مصالح ودور روسيا في سوريا وجوارها، بما فيه لبنان. لذلك جاء التحذير الروسي لإسرائيل من شن أي هجوم على لبنان. موسكو ايضاً، مستاءة من تل أبيب التي تخطّط لأن تصبح نقطة ارتكاز لخطوط الغاز القادمة مستقبلا من الخليج اليها، ومنها الى اوروبا عبر البحر. فتريد اسرائيل فرض قواعد اشتباك تضمن لها السلام الدائم لخطوط ومحطّات الغاز.
إذا لم تحقّق تل أبيب غايتها بفرض شروط وقواعد اشتباك جديدة، من خلال الإبتزاز، والتهويل فقط لا الحرب، هل يصير امر العدوان على لبنان قائماً؟.
لا يمكن أن تسقط احتمالية الاعتداء، لأن التجارب ثبّتت طبيعة الاسرائيليين، لكن هناك عاملين أساسيين يمنعان الحرب: أولاً، قدرات حزب الله الهائلة والإلتفاف الشعبي حوله يجهضان المخطط الإسرائيلي. ثانيا”، مصالح موسكو التي تفرض على روسيا الحزم في تحذير تل أبيب، خشية من تمدد الاشتباك الى حدود المس بمناطق النفوذ الروسي في سوريا.
النشرة