ما قبل حادثة إسقاط الطائرة الروسية في سوريا ليس كما بعدها
الإعلام الإسرائيلي كشف عن قطيعة كاملة بين وزيري دفاع البلدين، وعن فشل مساعي نتنياهو للقاء بوتين، وعن تحذير روسي للرؤوس الحامية في تل أبيب. فيما يواصل العسكريون الروس تدريب العسكريين السورريين على منظومة “أس 300″، فهل أرست موسكو قواعد اشتباك جديدة في سوريا؟ وفي سياق مواز، نتابع أبعاد التنسيق الأميركي التركي المتصاعد في الشرق السوري، فهل انتهت قضية الخاشقجي بتسوية تلبي مصالح الطرفين؟ أم حصلت أنقرة على ضوء أخضر أميركي للتوغّل شرق الفرات، حيث تزدحم التعقيدات الميدانية؟
المحاولات الإسرائيلية لإعادة العلاقة مع موسكو إلى ما قبل إسقاط الطائرة الروسية، تواجهها روسيا بتحذير “إسرائيل” من مغبّة المغامرة في العدوان على سوريا، وتغيّر موسكو القواعد السابقة مع إسرائيل برفضها المساعي الإسرائيلية والأميركية ضدّ إيران ومحور المقاومة في سوريا. المأزق الذي علقت به “إسرائيل” إثر تسبّبها في إسقاط الطائرة الروسية، هوّن نتانياهو من مخاطره إعتماداً على ما يراه علاقة شخصية حميمة مع الرئيس الروسي.
موسكو التي استخلصت من الحادثة انهيار ما كان يعرف بقواعد عدم التصادم في الأراضي السورية، اتجهت على الفور إلى عدم الركون للمباحثات مع “إسرائيل”، وأخذت على عاتقها حماية قواتها من “إسرائيل” في سوريا، وتعزيز القوات السورية بمنظومات صاروخية ضدّ الطائرات الاسرائيلية.
“إسرائيل” التي تطلق بالون اختبار في زعمها أن طائراتها قصفت إمدادات لحزب الله في سوريا، يحذّرها المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية إيغور كوناشينكوف، من الاستفزازات ويدعوها إلى تقييم الوضع بشكل منطقي، في إشارة إلى أن ما كان سابقاً فات أوانه، وأن القوات الروسية قد تضطر إلى إسقاط طائرات إسرائيلية وراءها رؤوس حامية، كما يقول.
نتانياهو لا يزال يعوّل على التفاهم مع بوتين إذا سمح بلقائه الرئيس الروسي في باريس بمناسبة ذكرى الانتصار في الحرب العالمية الثانية، لكنّ المتحدث ديمتري بيسكوف يفصح عن اجتماع بوتين مع ترامب، وأنه قد يتبادل بعض الكلمات مع الآخرين.
ما يؤرق نتانياهو في عجزه عن العدوان على المقاومة بذريعة حماية “إسرائيل” من إيران، هو بيت القصيد الذي يتناوله بوتين في رفض المساعي الأميركية ضدّ إيران، فالحكومة السورية معنية وحدها في هذا الشأن، وفق تصميم أبلغه لقمة اسطنبول الرباعية وأمام الحائط المسدود يحلم نتانياهو بالعودة إلى زمن غابر، لكن لكل زمان دولة ورجال.
ما قبل حادثة إسقاط الطائرة الروسية في سوريا، ليس كما بعدها. بعد نحو شهرين تبدو موسكو أكثر حزماً في مواجهة الإسرائيليين، وليلة إسقاط الطائرة، باتت لحظة انقطاع التواصل بين رأسي الهرمين العسكريين في تل أبيب وموسكو.
وسائل اعلام إسرائيلية تحدثت عن قطيعة كاملة بين وزيري الدفاع الروسي والأمن الإسرائيلي منذ حادثة الطائرة الروسية، وعن فشل محاولات مكتب نتنياهو ترتيب اجتماع مع بوتين، وعزت استمرار الأزمة مع روسيا إلى محاولات الروس فرض قواعد جديدة للتنسيق قد تحدّ كثيراً من فعالية الهجمات الإسرائيلية في سوريا.
إعلان الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية الجنرال إيغور كوناشينكوف بشأن التحذير من القيام بأعمال الاستفزازية في الأراضي السورية وإشارته إلى أن منظومة “أس 300” هو تحذير لكل “الرؤوس الحامية في المنطقة”، ترددت أصداؤهما سريعاً في “إسرائيل” بسسب توقيتهما ومضمونهما.
في التوقيت، ربطت الأوساط الإسرائيلية بين الإعلان الروسي وما قاله كبار المسؤولين الإسرائيليين، وعلى رأسهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من أن “إسرائيل” تواصل شنّ الاعتداءات في سوريا هذه الأيام، أي بعد إسقاط الطائرة الروسية، وهو ما أثار غضب الروس من التبجح الإسرائيلي والكلام لمعلقين إسرائيليين.
في المضمون، قرأ معلقون إسرائيليون الإعلان الروسي أنه تحذير خطير وواضح لإسرائيل مصوغ بلغة دبلوماسية، ونصحوا المسؤولين الإسرائيليين بالتعامل معه بجدية.
الموقف الروسي الأخير أتى في ظل تصاعد الأزمة بين موسكو وتل أبيب، مع فرض موسكو قواعد جديدة للتنسيق مع “إسرائيل”، يمكن أن تحدّ كثيراً من فعالية الاعتداءات الإسرائيلية في سوريا، وفق ما نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن مصادر أمنية إسرائيلية.
التوتر الروسي-الإسرائيلي الميداني بشأن سوريا، انعكس أيضاً على المستوى السياسي بين الطرفين. تقارير إسرائيلية تحدثت عن قطيعة كاملة بين وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو ووزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، وعن انقطاع العلاقات الشخصية الوثيقة بين الإثنين، التي استخدمت قناة حوار ثابتة بين المؤسستين الأمنيتين في روسيا و”إسرائيل”.
غير أن التعبير القوي عن التوتر، تجلى في فشل محاولات مكتب نتنياهو تنظيم اجتماع مع الرئيس الروسي فلاديمر بوتين، وبلغت ذروته مع اعتبار الكرملين التسريبات الصاردة من مكتب نتنياهو عن تحضيرات لعقد اجتماع مع بوتين في باريس، في 11 تشرين الثاني بمناسبة انتهاء الحرب العالمية الأولى، سابقة جداً لأوانها.
الميادين