الأحد , أكتوبر 25 2020

موازنة 2019 لا يمكن أن تزيد للموظف أكثر من 250 ليرة على راتبه!

موازنة 2019 لا يمكن أن تزيد للموظف أكثر من 250 ليرة على راتبه!

تحتل سورية المرتبة الأخيرة في دخل الفرد السنوي حسب إحصائية للأمم المتحدة، بمعدل سنوي لا يتجاوز 479$، رغم ذلك توقف الحديث عن «زيادة الرواتب» خلال الفترة الأخيرة، فهل نسفته موازنة 2019 واستبدلته فعلا بفرص عمل جديدة لا تسد رمق من سيحصل عليها؟ أم أن لدى المواطن اليوم ما يؤرقه أكثر، فسعر الدولار المتصاعد رفع الأسعار حتى بات مطلبه مقتصراً على ألا يسوء الوضع أكثر بدلا من المطالبة بأن يتحسن.

الموازنة!!

بالإضافة إلى أن الرواتب المناسبة حاجة أساسية لكل موظف، فهي أيضاً وسيلة مهمة من وسائل تنشيط اقتصاد الدولة لأنها توسع القدرة الشرائية للمواطنين، وبالتالي تحرك السوق وتجذب الاستثمارات، فهل لاحظت الحكومة ضرورة زيادة الرواتب في الموازنة الأخيرة؟

في مقارنة بين موازنة 2019 والموازنة التي سبقتها، وجدت الباحثة الاقتصادية نسرين زريق زيادةً في مخصصات مبالغ المتقاعدين وزيادة في تعويضات العاملين بقيمة مليار ليرة، أي 250 ليرة سوري لكل موظف، عند توزيعها على جميع الموظفين حسب أعدادهم التي صرحت بها المالية سابقا.

مؤكدة أنه من الممكن لحظ زيادة الرواتب في الموازنات العامة، بمقارنة رقمي 2018 و2019 ببساطة بعد استبعاد بند فرص العمل الجديدة، (الذي تضمن رواتب 12 شهر لـ 40 ألف فرصة عمل جديدة، وكأن الحكومة تود توظيف الناس من اليوم الأول بالسنة…) وتوضح: تقول الحكومة إن الموازنة تقديرية وحسب تصريح معاون رئيس لجنة الحسابات والموازنة في مجلس الشعب فهي جاءت بأعلى حد للإنفاق… أي أن الأرقام المخصصة للرواتب هي أعلى مما سنطمح إليه أي (250ليرة)!!

من جانبه يرى الدكتور بركات شاهين «معاون وزير صناعة سابق» أن الموازنة لم تتضمن نصاً واضحاً لزيادة الرواتب والأجور، فذلك عادةً لا يكون ضمن الموازنة، إلا أنه لابد من وضع خطة اقتصادية واضحة أسوة بأغلب الدول العالم بعد الحروب لإدارة ما بعد الأزمات، مشيراً إلى أن الحكومة الحالية ليست بحجم المشكلة الاقتصادية العامة، ولا حتى بحجم زيادة رواتب حقيقية أو حتى إعادة إعمار.

ويلفت شاهين إلى أن زيادة الراتب في الوقت الحالي تعني زيادة الكتلة النقدية المتداولة، ما يؤدي إلى تخفيض قيمة العملة ويرفع الدولار ويزيد الغلاء من جديد حتى يتم استهلاك كامل تلك الزيادة، لذا فهي لو تمت لن تكون مجدية.

مخيبة للآمال…

وسواء كانت موازنة 2019 قد نسفت زيادة الرواتب أم لا، فهي في النهاية كانت مخيبة من وجهة نظر الكثير من المختصين، ويقول الخبير الاقتصادي سعد بساطة إن موازنة 2019 كانت مخيّبة للآمال إلى حـد ما؛ ولم تلبِ طموحات ذوي الدخـل المحدود؛ ولكن دوما هنالك حلول (ولو ترقيعـية) بمناقلات وبنود إضافية، لافتاً إلى أنه لحظ الزيادة من خلال ربط الموازنة بعـدة متحولات – سلع وخدمات- (كما يحصل في الغـرب)، فبارتفاعـها يكون هناك ارتفاع حتمي للموازنة.

زيادة الراتب في «تصريحات»!!

تصريحات كثيرة تناولت زيادة الرواتب في الفترة الأخيرة، أكثرها كان محبطاً ومثيرا للاستهجان، ذلك بعد أن كان المسؤولون قبل أشهر يتسابقون في وعودهم بزيادات مقبلة!

أبرز تلك التصريحات كان لوزير المالية عندما قال «عندما يكون هناك زيادة في الرواتب، سوف يشعر المواطن بزيادة الرواتب»!!

ومرة أخرى عندما طرح معادلته الشهيرة أمام مجلس الشعب وهي «زيادة الرواتب والأجور تعني زيادة أسعار المشتقات النفطية، والحكومة ترفض زيادة أسعار المشتقات النفطية ولو كان ذلك من أجل زيادة الرواتب والأجور»!!

وكان ختام هذه التصريحات لرئيس الحكومة عندما قضى على الأمل الأخير بقوله «إن الجميع يتحدث عن زيادة الرواتب، وخطتنا بدل زيادة الرواتب تأمين زيادة في فرص العمل»!!

فهل من المعقول أن تكون فرص العمل بديلا عن زيادة الرواتب لمن يعمل أصلاً؟؟

وهنا تستغرب زريق أن تكون باقي زيادة كتلة الرواتب قد جاءت في بند فرص عمل، موضحةً: كيف يوجد وفورات لتحقيق فرص عمل وعدم استخدام هذه الوفورات ذات الـ 15 مليار ليرة «فقط» على شكل زيادة رواتب، ولاسيما أن فرص العمل في القطاع الحكومي تأتي بمظلة البطالة المقنعة أي «لا يعمل ولكنه سيقبض راتب» وذلك لقلة الإنتاجية الحكومية في العمل العام، إذ أن آخر الإحصائيات، حسب الباحثة الاقتصادية، أثبتت أن العاملين يعملون لمدة ساعتين فقط أسبوعيا كمجموع لساعات العمل ودقائقه، ذلك بالنسبة للقطاع العام، موضحة أن هناك من يعمل كل الوقت وهناك من لا يعمل أبدا فجاءت الإحصائية هذه كمتوسط حسابي لأعلى حالة فشل بتنفيذ الأعمال وقتاً ونوعيةً.

«مرض» تحسين المعيشة

توضح زريق أنه ليس منطقيا أن داء كالبطالة المقنعة يعد بندا لتحسين المعيشة، فتوظيف الناس هو مكافحة بطالة، ورفع الرواتب هو تحسين لمعيشة الموظفين، فمن سيرغب بالوظيفة ليبقى براتب أقل من 100 دولار إلى الأبد؟

وتضيف زريق: «لا يمكن بمكان ما أن تضع دواء الكريب لعلاج مرض سرطاني… بهذا المثال أستطيع إيضاح ما أراه من عظمة هكذا قرار لعلاج مرض (تحسين المعيشة)!»

يوافقها على ذلك سعد بساطة حيث يجد أن زيادة الرواتب وفرص العمل، موضوعان منفصلان؛ مضيفاً: بلا شك خلق فرصة عـمل يكلـّف الدولة مبالغ جمة، وينحو لحل أزمة البطالة المستفحلة، ولكن هذا ليس له عـلاقة بمن يعـمل للتو ويجد بنهاية الشهر أن مرتـّبه – تحت ظل انعـدام الرقابة عـلى الأسعار وهي مسؤولية الدولة – قد أضحى رقماً وهمياً يبعــث عـلى الضحك.

ويشير بساطة إلى أنه يجب ألا ننسى المنظمات الدولية؛ أو المحلية التي تنشط بتمويل دولي، تشغّـل فئات من الشباب برواتب حقيقية، فترى، من سخريات الأقدار، والدا جامعـيا ذي خبرات عـديدة ومتراكمة، يكد لسنوات طويلة منتهياً براتب يقارب بالكاد (100$)؛ وابنه حديث التخرج ومحدود الخبرة؛ يعـمل لقاء عـدة آلاف من الدولارات!

الزيادة مقبلة!!

ورغم كل المعطيات السابقة ما زال هناك من هو متفائل، حيث يقول عضو مجلس الشعب وائل ملحم إن الزيادة غير مرتبطة بالموازنة ، موضحاً: لم تلحظ أي موازنة سابقة زيادة الراتب في السنوات الماضية، وكانت الزيادة تحدث، مؤكداً أن زيادة الرواتب تحتاج إلى «قرار»، وتوقع ملحم أن الزيادة قادمة وقريبة!

لا جدوى منها…

وعلى الرغم من أن حلم زيادة الرواتب والأجور بات في طور التلاشي، إلا أن ما يخفف الفجيعة هو أن نعلم أن هذه الزيادة حتى لو حدثت لن تكون حقيقية أو مجدية، وبهذا الخصوص يوضح بركات شاهين أن زيادة الرواتب، في ظل أسعار الليرة الحالية غير مجدية، إنما ما هو مجد أن نسعى إلى تثبيت سعر القطْع، فإذا لم يكن هناك تثبيت لسعر الصرف فلن يكون هناك استثمار، والمجدي أيضاً تقديم التسهيلات للاستثمارات وتهيئة المناخ للاستثمار، إضافة إلى إعادة النظر في المراسيم والقرارات المتعلقة بالقطع والاستثمار، فسبب تراجع الليرة هو تراجع الاستثمار، لذا التحريض على الاستثمار هو أكثر ما يمكن أن يحسّن معيشة السوريين.

ولبساطة أيضاً رأي مشابه فهو يرى أن زيادة الراتب؛ هي إبـرة مورفين؛ وأول من سيعـاني منها الموظف، الذي ستقوم زيادات الأسعـار بالتهام راتبه مع الزيادة بمجرد صدور إشاعـة رفع الرواتب.

أما الحل بحسب الخبير الاقتصادي فهو في ضبط ومراقبة الأسعـار؛ مع دراسة تكلفة «حقيقية» للسلع والخدمات! وربط أتوماتيكي للراتب بأسعـار عـدة متحولات (سلع وخدمات أساسية).

لا إنجاز اقتصادي في 2018

بالشكل المنطقي سؤال يطرح نفسه بقوة: هل الحكومة قادرة على زيادة الرواتب والأجور؟ أم أن ذلك فوق إرادتها فيما لو أرادت؟ خاصة مع نقص الموارد، والعقوبات الاقتصادية، والإمكانية الفعلية، يقول سعد بساطة إن الحكومة لا شك تئـن تحت وطأة المصاريف، وانخفاض بل انعدام المدخول (نفط، قطن، قمح، صناعـة، زراعـة، سياحة، ضرائب، جمارك)، في حين تنشط الفعـاليات القانونية من بيع وشراء واستيراد وتهريب من دون رقيب!

أما نسرين زريق فترى أن الحكومة القادرة على أن تزيد بند نفقات مكاتبها الإدارية بمبلغ 50 مليار ليرة، قادرة على زيادة الرواتب ولكنها لا تراه هدفا، كما صرّح وزير المالية في لقائه على قناة «الميادين»، بل ترى أن الحل بتحسين معيشة المواطن عن طريق تحسين الإنتاجية (تحسين الإنتاجية اقتصاديا تعني القضاء على البطالة المقنعة) ولكن كيف التنفيذ؟ بتوفير فرص عمل جديدة (المزيد من البطالة المقنعة)؟؟

والحقيقة أن الموازنة شديدة المرونة والتضخيم لأرقام المصروفات الثابتة كالقرطاسية وغيرها بحجة غلاء الأسعار… وشديدة التمسك بأنه لا غلاء أسعار عندما نتحدث عن زيادة الرواتب!!

وتوضح زريق: أنه تم تجيير قضية زيادة الرواتب لقضية بطالة، ويودّون مكافحة البطالة بزيادة البطالة… ضاربين الأمثال بالتعليم المجاني والمستشفيات المجانية، مع العلم أن الدستور السوري كفل ذلك، أي أن الدولة السورية كفلت ذلك لمواطنيها، وهذا نتاج نجاحات حكومية من 40 سنة وليست نجاحات حكومية حالية حتى ننسب استمرار نجاح الآخرين إلينا، لأنه لا نجاح لدينا سوى تثبيت سعر الصرف، ويبدو أن التثبيت ذهب مع الريح الآن. ولو عاد سعر الصرف للانخفاض فلن تنخفض أسعار السلع… بالتالي لا إنجاز في الاقتصاد حدث في 2018.

بحاجة حكومة جديدة

أما بركات شاهين فيجد أن المرحلة القادمة هي مرحلة إعادة إعمار، وتحتاج هذه المرحلة إلى حكومة كفوءة ومنسجمة، والمشكلة الحقيقية في أن حكومتنا اليوم إمكانياتها أقل من حجم المشكلة، فنحن بحاجة إلى حكومة جديدة أقوى، وقدراتها على الحل أكبر وأسرع، خاصةً وأن البلد اليوم يمر في ضائقة حقيقية.

محكومون بالأمل

من المفترض أن زيادة الرواتب والأجور مطلب حكومي وليس شعبي فقط، فهذه الزيادة ستضمن وجود الكفاءات واستمرارهم في القطاع العام، كما ستضمن وقوف الموظفين إلى جانب حكومتهم وبلدهم في مرحلة إعادة الإعمار القادمة، فالموظف الذي «لا يشبع الأكل» لن يسأل عن تطوير عمل مؤسسته، أو تحسين أدائها وبالتالي لن نستطيع النهوض بالبلد من جديد، إن لم تصبح الرواتب كافية لحياة كريمة… ونبقى محكومون بالأمل

الأيام