الإثنين , ديسمبر 9 2019

اللعب بالخرائط خط أحمر

اللعب بالخرائط خط أحمر

موفق محمد

من نافل القول إن سياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه سورية تؤكد نيّاتها لتقسيم البلاد، وذلك في إطار سياسات الإدارات الأميركية المتتابعة بوضع بلدان الشرق الأوسط باستمرار تحت خطر التقسيم، ولكن لا مبالغة في القول إن ما طبق في تسعينيات القرن الماضي على العراق من أميركا من الصعوبة بمكان تطبيقه اليوم على سورية.
صحيح أن نيّات الإدارة الترامبية، تؤكدها تصريحات مسؤوليها، من الإبقاء على احتلال بلادهم لمناطق في شرق سورية إلى مدى طويل، ومن ثم تعزيز ذلك بنشر مزيد من جنودها ودبلوماسيها هناك، وتدريب ما يسمونه «قوات محلية» وتمويل ما يزعمون أنه «الاستقرار»، وصولاً إلى التهديد بإقامة منطقة حظر جوي شبيه بما حصل في شمال العراق في نهاية عقد التسعينيات، من أميركا بوش الابن، لكن النيّات شيء وتنفيذها شيء آخر.
فما بين تسعينيات القرن الماضي و2018، تغيرت أشياء ومواقف كثيرة، وباتت هناك حقائق سياسية وجغرافية وميدانية، لا يمكن السماح بالقفز من فوقها، فسورية اليوم ليست وحدها، كي تستفرد بها إدارة ترامب كما استفردت أميركا البوشية بالعراق خلال حكم صدام حسين الذي لم يبق للعراق حينها صديق ولا حليف.
اليوم، وبعد عقود من الركون، إثر تفكك الاتحاد السوفييتي، عادت روسيا بقوة إلى مسرح المنطقة السياسي والعسكري من بوابة الأزمة السورية ومن بوابة مكافحة الإرهاب العالمي وهي الحليف الأبرز لسورية، واستعادت دورها كقوة عظمى في العالم لتنهي بذلك معادلة القطب الأوحد، ما أجبر واشنطن على التوجه باتجاه حَصْرِ الصراع مع موسكو في سورية ضمن النطاق السياسي والدبلوماسي ورفع أي صبغة عسكرية عنه، ومن هنا برزت وإن بشكل غير معلن ما سمي تفاهم «شرق الفرات» و«غرب الفرات».
لكن تصاعد الدورين السوري والروسي على الصعيدين، الميداني باستعادة معظم الأراضي التي كانت تحت سيطرة الإرهابيين والميليشيات المسلحة، والسياسي بطغيان مساري «أستانا» الذي ترعاه روسيا وإيران وتركيا و«سوتشي» الذي جاء بمبادرة من موسكو، حجم «مسار جنيف» الذي تقوده بالشكل الأمم المتحدة ومن وراء الكوليس أميركا وحلفاؤها الدوليون والإقليميون، لا يشيان باتجاه حَصْرِ الصراع مع أميركا وحلفائها ضمن النطاق السياسي والدبلوماسي، إذا ما واصلت أميركا محاولاتها لتنفيذ مشروعها في تقسيم البلاد، وإنما باتجاه مواجهة تلك المحاولات الأمر الذي برز في تأكيد دمشق أكثر من مرة بأن الهدف القادم سيكون شرق الفرات، وكذلك في تصريحات مسؤولين روس مؤخراً بدأت من الكرملين ومن ثم وزارة الخارجية وصولاً إلى وزارة الدفاع وكانت أشبه بحملة تصاعدت تباعاً، ضد نيّات الولايات المتحدة الأميركية محاولة تقسيم سورية عبر «إنشاء كيان كردي مستقل عن دمشق شمالي شرقي البلاد»، وتؤكد أن موسكو لن تسمح لواشنطن البتة تنفيذ نيّاتها، وأن إيجاد ثقب في خريطة سورية أو اللعب فيها يعتبر خطاً أحمر.
لعل الرسالة الأبرز التي بعثت بها روسيا إلى أميركا ويفهم منها انتهاء تفاهم «شرق الفرات» و«غرب الفرات» وتحمل الكثير من التحذير لواشنطن من إيجاد ثقب في خريطة سورية أو اللعب فيها، ما تحدثت عنه تقارير إعلامية بأن روسيا أرسلت حشوداً عسكرية إلى مدينة الميادين في شرق نهر الفرات، ومواصلة التأكيد أن القوات الأميركية في سورية بشكل غير شرعي، ويجب خروجها.
أيضاً في إطار الردع الروسي لمشروعات أميركا وإفشال محاولاتها الرامية إلى اللعب بالخريطة السورية، برز أيضاً تزويد موسكو لدمشق بمنظومة صواريخ «إس 300»، التي غطت المجال السوري، ما يعني عملياً، سكب ماء بارد على تهديد واشنطن بإقامة منطقة حظر جوي في شرق سورية، وقد لوحظ أنه ومنذ وصول تلك المنظومة إلى البلاد توقف اعتداءات طائرات «تحالف واشنطن» المزعوم على تنظيم الإرهابي، على مواقع الجيش العربي السوري وحلفائه.
عدا عن ذلك، تطورات الأحداث في العقود الماضية وخصوصاً في المحيط الإقليمي، تشير إلى أن الدول التي توزع الأكراد على خرائطها، سورية والعراق وإيران وتركيا يمكن أن تختلف على كل شيء إلا على ضرورة إجهاض الحلم الكردي بدولة مستقلة، وكان لافتاً نجاح روسيا حتى الآن باستمالة تركيا الحليف مع أميركا في حلف «الناتو» إلى «مسار أستانا».
ما سبق لا يحمل رسائل لأميركا فقط، بأن سياساتها التخريبية في سورية والمنطقة ستواجه، وإنما أيضا لأكراد غارقين بأحلام وأوهام ذهاب أميركا معهم حتى النهاية في إقامة كيان انفصالي لهم، بأن يراجعوا سياستهم ويتجهوا إلى برامج وطنية سورية، ويتعظوا من تجارب الماضي البعيد والقريب، بان أميركا منافقة، فقد باعتهم لتركيا في عفرين ومنبج وأعزاز، وقبل ذلك في إقليم كردستان العراق، وفي هذا السياق لا أدل على النفاق الأميركي أكثر مما قاله السفير الأميركي الأخير لدى سورية روبرت فورد: إن «الأكراد السوريون يقومون بأكبر خطأ لدى ثقتهم بالأميركيين» وتأكيده أن واشنطن ليست في وارد استخدام الجيش الأميركي للدفاع عن إقليم كردي في سورية.
إن كانت دول الاستعمار الغربي استغلت الحالة المنكهة لـ«الوطن العربي» في بدايات القرن التاسع عشر بسبب احتلال عثماني دام أربعة عقود وفرضت تقسيمه ورسمت خرائط معينة بموجب ما سمته اتفاق «سايكس بيكو»، وقامت أميركا في تسعينيات القرن الماضي بثقب خريطة العراق بإقامة إقليم كردستان في شمالي العراق، فإن الوضع اليوم مختلف جذرياً وكل الوقائع والتغيرات بموازين القوى تؤكد أن اللعب بالخرائط خط أحمر.
الوطن