الثلاثاء , سبتمبر 29 2020

“ترامب”.. وعجاجُ شرق الفرات!!

“ترامب”.. وعجاجُ شرق الفرات!!

كتب أمين سر مجلس الشعب السوري خالد العبود عن الخروج الأمريكي من سورية ، تحت العنوان أعلاه :

-كثيرون منّا يحاولون أن يجدوا قراءة لخروج “الأمريكيّ” من سورية، تناسب شعورهم تجاه الولايات المتّحدة، باعتبارها القوة التي لا يمكن هزيمتها، أولئك المصابون بلوثة الهزيمة، وهم بذلك لا يخطئون مرّة، وإنّما يخطئون مرات عديدة..

-“الأمريكيّ” وصل بفضل صمود السوريين وتضحياتهم إلى عنوان حقيقيّ في سورية، على مستوى حضوره الذاتي، وهو العنوان الذي يُعبَّر عنه: “بالحضور غير المفيد”، وهذا ما أوصله ودفعه إليه السوريّ تحديداً، من خلال صموده أولا، ونعني السوريّ، ومن خلال تحالفاته الاقليمية والدولية ثانياً، والتي جميعها أنتجت لحظة مرحلة “إفشال العدوان”، وهو ما يعبّر عنه في هذه الفترة بكثير من الوقائع التي لا تبدو متجانسة، مثالها: “زيارة البشير”!!..

-سبق هذا المعنى: “الحضور غير المفيد”، ضياعٌ “أمريكيّ” في سورية، طالما عبّرنا عنه: بـ “العمى الاستخباراتيّ”، حيث كان واضحاً انّ “الأمريكيّ” لم يعد قادراً على الرؤية في زحمة اشتباك استخباراتي هائل، وصحراء لم تكن وحيدة بعجاجها في وجهه!!!..

-“الأمريكيّ” لم يخرج من سورية لصالح إلا “الأمريكي”، وخرج لأنّ حضوره لم يعد مفيداً بالنسبة “للأمريكي” ذاته، وباعتبار أنّ أيّ بقاء أطول له لن يأتي عليه إلا بمزيد من الإخفاق، لهذا فإنّه بخروجه كان يبحث عن تأمين مصالحه، فالتقت هذه المصالح بالمصالح الوطنية السورية، وحقّ السوريين الدستوري في أرضهم، وهو ما كانوا يسعون له!!..

-هذا المعنى وهذه اللحظة كنّا نتحدّث عنها في مراحل سابقة، وهي اللحظة التي تسقط فيها أهداف تدخّل “الأمريكيّ” في عدوانه علينا، إذ أنه لم يكن مهمّاً أن تهزمه بشكل مباشر، الأهم أن تصل إلى أهدافك بأقل الأثمان، وهي الاستراتيجية التي اتبعت من قبل محور: “دمشق – طهران” تماماً مع “الأمريكيّ” في العراق!!..

-إنّ الاستراتيجية التي اتبعها حلف المقاومة مع “الأمريكيّ” في سورية هي استراتيجية الحصار الناعم، وصولا إلى إيصاله إلى لحظة “حضوره غير المفيد”، حيث تم القضاء على أدواته التي شكّلت رافعة فوضى، وتجريده من إمكانية الاستثمار فيها وصولا إلى أهدافه، ثم إسقاط إمكانية التعويل على حضوره المباشر، وهو ما تمّ بالضبط من خلاله منعه من الوصول إلى أهدافه خلال عدوانه المباشر على أكثر من موقّع عسكريّ سوريّ، منفرداً ومع آخرين خلال عدوانهم الثلاثيّ، حيث حاول “الأمريكيّ” أن يتدّخل بشكل مباشر لتحقيق هذه الأهداف إلا انّه فشل بذلك، وذلك نتيجة إفشاله من قبل السوريّ، من خلال منعه عسكريّاً من تحقيق اهدافه، خاصة العسكريةأولاً، وثانياً بفضل إنجاز تحالف إقليمي ودولي حال دون إمكانية أن يطوّر “الأمريكيّ” عدوانه المباشر..

-“أردوغان” لن يملأ الفراغ “الأمريكي”، كما يزعم بعضنا، باعتبار أن هذا البعض يعتبر أن هناك فراغاً سوف يتركه “الأمريكي”، والحقيقة أن من يملأ هذا الفراغ هو السوريّ وحلفاؤه، نتيجة سيطرة أمنية هامة كان يفرضها خلال السنوات الماضية على هذه الجغرافيا، والتي لم يعبّر عنها عسكرياً بمقدار ما عبّر عنها “أمنيّاً”، وهو الأمر ذاته الذي أوصل “الأمريكيّ” لوضع “حضوره غير المفيد”!!!..

-نعم السوريّ دفع “الأمريكي” لهذا الخروج، وهو خروج لم يتناغم أو يأتي تنسيقاً مع “التركيّ”، لأن “الامريكي” لو كان يريد مصلحة “التركيّ” لوقف إلى جانبه في تفكيك العنوان “الكرديّ” ووفرّ عليه كثيرا، باعتبار أنّ “الأمريكيّ” يدرك جيّداً أن العنوان “الكرديّ” في شرق الفرات لا يعني تركيا بمقدار ما يعني “أردوغان” تحديداً، ويحتاج له داخليّاً!!..

-لم يكن عقل كثيرين منّا قادراً على استيعاب هذا الخروج، وفهمه على أنّه جاء بفضل تضحياتنا وصمودنا، وهي حالة شعورية ليست جديدة علينا، نعني على أبناء هذا الشرق، خاصة أولئك الذين يتملكّهم “الشعور الدوني”، فلديهم قناعات مطلقة أنّ “الأمريكيّ” لم يخرج من العراق مهزوماً، أو من بيروت مدحوراً، واليوم يخرج من سورية فاشلاً خائباً، وهؤلاء هم ذاتهم الذين يعتبرون أنّ “الإسرائيلي” خرج من جنوب لبنان لأسبابه ومصالحه الاستراتيجية، وأنّه لا يريد احتلال غزّة لأنّها يمكن أن تكون ضارة “بنسيجه الداخليّ”، وأنّه لم يعد يريد تفكيك الدولة السورية لأن بقاءها وبقاء الرئيس بشار الأسد أفضل من وجود “داعش” في سورية، وهم هم ذاتهم الذين ينظرون إلى جلاء “الفرنسيّ” عن سورية على أنّه جاء نتيجة حالة سياسية مرّت بها فرنسا داخليّاً، وأنها لم تخرج من الجزائر إلا لذات الأسباب!!..

-“أردوغان” كان يعنيه جدّاً الموقف “الأمريكي” من العنوان “الكرديّ” شرق الفرات، وكان يحاول أن يجرّد “الأكراد” من هذا الدعم “الأمريكيّ”، غير أنّ “الأمريكيّ” لم يستجب، كون أنّه لم يكن يعمل على تأمين مصالح أحدٍ إلا نفسه، وكان يفرّق بين مصالح تركيا ومصالح “أردوغان”، وهو ما أشرنا له أعلاه!!..

-إنّ الإنجاز التاريخي، وسرّه الكبير، في إخراج “الأمريكيّ” من أراضي الوطن الغالي لم يكن إلا بفضل دماء وتضحيات السوريين، وقدرة الرئيس الأسد الكبيرة على استثمار هذه الدماء وتلك التضحيات استثماراً خلاقاً تاريخيّاً في مثل هكذا إنجاز!!..

-نعم لقد ضاع “ترامب” في عجاج صحراء شرق الفرات، وبعض خيامه التي نصبها على بعض تفاصيل هذا التراب الغالي، ونسيَ أنّ هناك رجالاً أعدوا له ما استطاعوا من قوّة، فأرهبوه ودحروه وألحقوا به عاراً لن يُنسى!!!..

خالد العبود..