الإثنين , ديسمبر 9 2019

عودة العرب الى الشام… ماذا في الخلفيات؟

عودة العرب الى الشام… ماذا في الخلفيات؟

عباس ضاهر

أن يقول وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية ​انور قرقاش​ أن إعادة إفتتاح السفارة الإماراتية في دمشق، هي قرار “وليد القناعة أن المرحلة المقبلة تتطلب الحضور والتواصل العربي مع الملف السوري(…)، وان الدور العربي في ​سوريا​ أصبح اكثر ضرورة، تجاه التغوّل الاقليمي ال​ايران​ي والتركي”. وأن يجري التحضير في ​البحرين​، و​الكويت​، لتكرار الخطوة الإماراتية تجاه سوريا. وأن تُجاهر مصر بزيارة رئيس “​الأمن​ الوطني” السوري ​اللواء​ ​علي مملوك​ الى ​القاهرة​. وأن تستقبل تونس “أجنحة ​الشام​” في أحد مطاراتها. وأن يزور رئيس ​السودان​ ​عمر البشير​ العاصمة السورية ليدشّن عودة الزعماء العرب الى الشام. وأن تكون مصافحة وزيري الخارجية البحريني والسوري حارة على هامش إجتماعات ​الأمم المتحدة​. وأن تُرسل ​الأردن​ وفداً نيابياً رفيعاً الى دمشق يمثّل مختلف أطياف المملكة الهاشمية. وأن ترسّخ ​سلطنة عمان​ دورها الإيجابي تجاه السوريين. كلّ ذلك معلوم ومكشوف امام الرأي العام، يُضاف الى خطوات وقرارات ولقاءات ووساطات لم يتم ​الاعلان​ عنها، توحي جميعها أن القرار الخليجي-العربي إتُخذ: مصالحة الرئيس السوري ​بشار الأسد​، قبل دعوته لحضور قمة الدول العربية في آذار المقبل، إثر إعلان عودة دمشق الى ​جامعة الدول العربية​، بعد تجميد عضويتها بدفع قطري-سعودي منذ سبع سنوات.

فما سر الإندفاعة العربية الى الشام؟ .

تلعب مصر دورا بارزا في تقريب وجهات النظر بين ​الدول الخليجية​ وسوريا، والسعي لرعاية مصالحة تاريخية، تؤيدها ​الإمارات العربية المتحدة​، ولا تعارضها المملكة ​السعودية​، لكن الخطوة تحتاج الى تمهيد وتشريع، ولو في الشكل. وتتحدث المعلومات ان القاهرة قطعت شوطا كبيرا على طريق ​الرياض​-دمشق، في وقت كانت خطوات ​الامارات​يين أسرع، نتيجة العلاقات التي بقيت قائمة بين سوريا والامارات طيلة سنوات الازمة، فلم تقطع لا ​أبو ظبي​ ولا دبي خيوط التواصل مع الشام.

الكلام الشائع هو ان الدول العربية تريد سحب دمشق من مساحة التحالف مع ​طهران​. فهل تستطيع ترجمة القرار الذي تحدث عنه الوزير الاماراتي بشكل صريح؟.

يعود الباحثون الى التعمّق بنوعية التحالف السوري-الإيراني، وإمكانية فرض العرب تحالفاً بينهم وبين “سوريا الأسد” يطيح بالتحالف الإيراني-السوري. فينطلق الباحثون من التجارب التاريخية:

كانت الروابط متينة جدا بين السعوديين والسوريين، رسّختها في الثمانينات، طبيعة العلاقة بين الرئيس السوري الراحل ​حافظ الأسد​ وولي العهد السعودي آنذاك عبدالله بن عبدالعزيز الذي اصبح لاحقاً ملكاً قبل وفاته. لكن الباحثين يعتبرون أن الرياض تمدّدت في كل المراحل سابقاً، داخل ​النظام السوري​ عبر عدد من أركانه، ما دعا دمشق الى إضعاف الجيب السعودي تدريجياً، من دون ضجيج، الى حد قطعه نهائياً عبر: إقالة ​رفعت الأسد​، ثم تحييد رئيس الأركان ​حكمت الشهابي​، وتحجيم دور عبدالحليم خدّام، وخصوصا إزاء ادارته للملف ال​لبنان​ي، ومشاكسة سياسات السعودية في لبنان، عبر الإصرار على ​التمديد​ للرئيس الأسبق ​إميل لحود​.

كل ذلك، يوحي بأن سوريا في زمن الأسد الأب، والإبن، كانت تتوجس من التمدد السعودي في صفوف أركانها. لكن بنية النظام السوري تسمح بإقتلاع أي مسؤول، مهما كان حجمه، من دون ان يتأثر النظام ابداً. حصل ذلك مرات، فغابت أدوار كبار الأركان، في السلم والحرب، بالتحييد أو الإنشقاق. من زمن إقالة رفعت الأسد، ثم خدّام، الى زمن إنشقاقات رئيس ​الحكومة​ ​رياض حجاب​ والعميد في ​الحرس الجمهوري​ ​مناف طلاس​، وغيرهم، وما بينهم، من دون ان يهتز النظام للحظة جرّاء تلك الاحداث والمحطّات، لا في الثمانينات من القرن الماضي، ولا في اعوام الازمة التي بدأت عام 2011.

هذا يعني ان لا رهان عربياً، على أي خطوة مماثلة في المستقبل، بعدما ثبّتت التجارب أن ركن النظام هو الرئيس لا غير. ومن هنا سيضطر العرب العائدون الى سوريا مدّ اليد الى الأسد، الذي اوحى بأنه سيصافح من دون النظر الى الخلف. يتصرف الأسد المنتصر في معركة مصيرية بفخر، بعدما صمد ثماني سنوات، فنجح في اصعب امتحان. وهو الذي يستطيع أن يقرر أين سيكون؟ هل الى جانب العائدين اليه؟ ام الى جانب الذين وقفوا معه؟.

يقول مطّلعون أن مصلحة دمشق تكمن في ان تكون وسيطاً بين الطرفين، فتلعب دور المصلح، وتقرّب وجهات النظر، وترعى التوافقات الاقليمية، تحديدا بين الايرانيين والخليجيين. لن تكون علاقتها مع ​تركيا​ جيدة، لإعتبارات عدة، أهمها: طبيعة دور انقره على حدود سوريا الشمالية. وهو امر ينتظر المستجدات الحدودية، في ظل الحشد التركي والتهويل ب​القضاء​ على الكرد، الذين عادوا الى الحضن السوري، بعدما تركهم الأميركيون في وسط الطريق.

لكنّ الأسد بالمقابل، يستطيع أن يلعب دوراً ايجابياً بين العواصم الخليجية وطهران. وبحسب المطّلعين، فإنّ أي خطط لدول عربية من اجل سحب سوريا من موقع الحليف لايران لن تنجح ابدا، استنادا الى تجارب تاريخية لم يكن حجم التوافق الايراني-السوري يومها بقدر ما هو عليه الآن. واذا كان المخططون يراهنون على دور روسي مساعد، يساهم في ابعاد دمشق عن طهران، مقابل تقريب المسافات بين عواصم عربية ودمشق، فإن واقع العلاقات الإيرانية-الروسية، وأبعادها الاقليمية، وحاجة الطرفين لبعضهما في المنطقة، يطيح بذاك الرهان. لا بل ان ​موسكو​ ستشجّع السوريين على لعب دور شبيه بأدوار الروس، بحفظ العلاقات مع كل القوى الاقليمية المتنازعة.

تعي عواصم خليجية حقيقة الموقف السوري، لكن لا خيار لديها الآن، بعد فشل الحرب على دمشق، سوى سلوك طريق الصلح، وحفظ دور مستقبلي اقتصادي وسياسي وموقعي في سوريا، خوفا من أن تتفرد كل من ​روسيا​ وايران، من دون اي وجود لدور عربي. فشجّعت ​واشنطن​ الاندفاعة العربية تجاه “سوريا الاسد”، تحت عنوان: عدم اخلاء الساحة السورية للايرانيين والروس.
النشرة