الأحد , ديسمبر 8 2019
مدن الأحلام

«مدن الأحلام» تتقدم في حسابات «حكومة إعادة الإعمار» على مشاريع السكن الشعبي

«مدن الأحلام» تتقدم في حسابات «حكومة إعادة الإعمار» على مشاريع السكن الشعبي

ولادكن رح يلعبوا بأمان… حديقة خاصة»… «الأرصفة العريضة لتمشوا مرتاحين» «منزل يغير مشهد الغروب»… هي عبارات ترويجية يطلقها أصحاب الشركات الراعية لما بات يُعرف بـ «مدن الأحلام» التي تبدو بمثابة «الثمرة المحرّمة» بالنسبة للأغلبية الساحقة من السوريين الفقراء والمنكوبين.

ولكن ماذا لو دفعك الفضول لمعرفة ما هو أكثر من هذا الإعلان الترويجي؟!

حينها سيصفعك الجواب بلا شك: سعر المتر الواحد بـ «1800 دولار»، ولتكتشف لاحقاً أن بعض الشقق يصل سعرها إلى أكثر من ضعف هذا الرقم!

فمن هم ذوو الدخل المحدود القادرون على شراء منزل يقارب سعر المتر المربع الواحد فيه المليون ليرة سورية تقريباً؟!

لا طبقة وسطى!

تتجاهل تلك المدن الموعودة الطبقة الوسطى، والشرائح العريضة من الفقراء، وبالتالي الفئات الأكثر تضررا من الحرب.

وعلى الرغم من أن أحدث الإحصائيات الصادرة عن المنظمات العالمية تشير إلى أنه لم يعد يوجد طبقة وسطى في سورية بنسبة أكبر من 4%، خاصة وأن روادها السابقين انزلقوا إلى القاع ليضافوا إلى الشرائح المفقّرة والتي قاربت 89% من السوريين، بينما قفز جزء ضئيل منها إلى قائمة الأغنياء الذين يشكلون بحسب نفس الإحصائيات 11% من السكان، 1% منهم هم من كبار الأغنياء ومعظمهم من أثرياء الحرب.

وتظهر دراسة أخرى أعدها مركز دمشق للأبحاث والدراسات «مداد» أن نسبة الطبقة الوسطى في سورية تضاءلت إلى 14%، وذلك في إحصائية تمت عام 2016، إلا أنه وعلى ما يبدو مع ارتفاع نسبة التضخم فإن تلك الطبقة بدأت بالتلاشي والذوبان أكثر فأكثر.

بيوت ليست للسوريين

على الرغم من الحاجة الملحّة إلى وجود مشاريع سكنية تستهدف الطبقة الوسطى في سورية، إلا أن الخبير العقاري عمار يوسف أكد في حديث لـ «الأيام» أن «كل المشاريع التي يتم طرحها تستهدف الطبقة الغنية، ولا يمكن للمواطنين متوسطي الدخل أو حتى جيدي الدخل أن يسكنوا في هذه المنازل».

وشكّك يوسف في أن «تكون هذه المشاريع للسوريين» متسائلا عن «وجود مواطن سوري سيتمكن من شراء المتر الواحد ب 4 مليون ليرة سورية، وهو ما يعني أن الشقة التي تبلغ مساحتها 100 متر مربع ستكلف المواطن السوري نصف مليار فمن أين له هذا»؟!

حكومة عاجزة…

يؤكد يوسف أن «الحكومة إذا استمرت بهذه العقلية فهي عاجزة عن حل أزمة السكن لـ 100عام القادمة، خاصة في ظل وجود 3 ملايين مسكن مدمر، والحاجة الفعلية اليوم في سورية هي مليون ونصف مسكن سنويا، وهذه الحاجة تزداد بين الـ 100 إلى 150 ألف مسكن كل عام، نتيجة لعدد من الأسباب منها التزايد السكاني، وانفصال العائلات عن بعضها، بالإضافة إلى أن وزارة الإسكان تضخ بين الـ 2000 إلى 3000 شقة سنويا، ولذلك كل ما يتم الحديث عنه حتى الآن كلام فارغ».

ما زلنا نسوّق!

يرى عدد من المتابعين لسوق العقارات، أن مشاريع إعادة الإعمار التي يتم الحديث عنها حتى اليوم، هي للتسويق الإعلامي فقط، وكل ما قامت به الحكومة منذ بداية الحرب وحتى اليوم، هو عبارة عن منتديات ومعارض ومذكرات تفاهم ومهرجانات.

مصادر خاصة أكدت لـ «الأيام» أن «كل ما يشاع عن وجود شركات روسية وصينية وإيرانية ترغب في المشاركة في إعادة الإعمار، إنما هو عبارة عن كلام فقط، فعلى الرغم من قدوم تلك الشركات وإبداء رغبتها في الاستثمار، إلا أنها كانت تكتفي بالسؤال فقط، نتيجة اصطدامها بعدد من العقبات منها عدم استقرار سعر الصرف، وأيضاً آلية إدخال وإخراج الأموال».

ويتساءل عدد من الخبراء العقاريين عن «سبب التأخر في إنجاز المخططات التنظيمية، خاصة وأن الحكومة هي المصدر الأساسي للأراضي من خلال المؤسسة العامة للإسكان، ومن خلال المخططات التنظيمية التي تصدرها الوحدات الإدارية».

ويرى الخبراء أن «الجهات الحكومية عاطلة عن العمل، ولو لم تكن عاطلة لما كانت انتشرت هذه المخالفات التي تريد الحكومة معالجتها اليوم».

كما تساءل عدد من الخبراء عن مصير المخطط التنظيمي الموعود لمدينة حلب والذي وعد به على مدار 40 عاماً، وكذلك المخطط التنظيمي لمدينة دوما، والذي وعد به أيضا على مدار 35 عاماً!

لازمة… غير لازمة!

على الرغم من أن «إزالة العشوائيات» لا تتجاوز بضع كلمات يكثر ترديدها في الأوساط الحكومية، إلا أن تلك المنازل تعني الكثير لساكنيها، وكان من الممكن أن تصبح تلك الشوارع مناطق منظمة، إلا أن الإهمال الحكومي جعل الناس على أرض الواقع تسبق الرسم على الورق، فتمّ بناء منازل من طين تفتقر إلى كل ما يجعل منها منازل قابلة للسكن الآدمي.

نسبة محددة

كعادة المؤسسة العامة للإسكان لا تزال متمسكة بنسبتها من تقديم السكن في سورية، متجاهلة الحاجة الماسة للعدد الكبير من المساكن، في الوقت الذي اتجه التفكير الحكومي نحو إشادة منازل الأحلام للأثرياء، وكأن تلك النسبة مقدسة ولا يمكن تجاوزها أو زيادتها.

مصادر في وزارة الأشغال العامة والإسكان أشارت لـ «الأيام» أن حصيلة المؤسسة العامة للإسكان من السكن لا تتجاوز 7%.

وأشارت إلى أن «المؤسسة لا تزال تنتظر دخول جهات أخرى كالمطورين العقاريين، وعلى الرغم من وجود 53 شركة للتطوير العقاري إلا أنه لم يتجرأ أحدا منهم حتى الآن على البدء بالإعمار».

ولفتت إلى «وجود مفاوضات مع الروس والإيرانيين، إلا أن الموضوع يتطلب استقرارا بالسوق والأيدي العاملة والمواد الأساسية والفيول».

لم تنته الحجج التي تذكرها وزارة الأشغال العامة والإسكان! فبينما رأى عدد من الخبراء أنه من حق المواطن على الحكومة اليوم تأمين مساكن بمساحات صغيرة لا تتجاوز 30 مترا مربعا، أكدت مصادر من داخل الوزارة أن «موضوع المساكن الصغيرة تحتاج إلى وجود ثقافة اجتماعية كي يتقبل الناس هذه الفكرة».

أولويات…

وحول الأولويات الحكومية الغائبة، يقول معاون وزير الأشغال العامة والإسكان مازن اللحام إن «معظم المناطق المدمرة هي مناطق عشوائية ولذلك سيتم العمل على إعادة بناء المناطق العشوائية والمدمرة معا».

كما أشار اللحام إلى أن «ملف السكن هو ملف حكومي ويتم العمل على المخططات التنظيمية، وإعطاء الأولوية للتوسع الشاقولي، بالإضافة إلى إعداد رؤية للمناطق المدمرة، والحكومة هي الأولى بتحديد الشركات المسؤولة عن إعادة إعمار كل منطقة».

ولفت اللحام إلى أنه «يتم العمل على تقديم أوراق الاستراتيجية الوطنية للسكن، وسيتم دراستها من قبل لجنة مختصة».

وحول مرور أعوام وأعوام على الحديث عن تلك الاستراتيجية، أشار اللحام إلى أنه «كان قد تم وضع استراتيجية عام 2008 إلا أنها لا تناسب الوقت الحالي، لأننا في ذلك الوقت كنا نحيا حالة من الرخاء وأما اليوم فيجب إعادة النظر».

وعن الهدف الرئيسي من هذه الاستراتيجية أجاب معاون الوزير أنها «تهدف إلى وضع رؤية لكيفية تأمين مسكن للمواطن بشكل لائق».

الراتب لا يكفي!

تتذرع وزارة الإسكان بالراتب كحجة جاهزة عند أي حديث عن ضرورة تأمين المساكن الشعبية، فكلما تم طرق باب أحد المسؤولين للحديث حول أهمية تأمين مسكن بسعر مناسب، يكون الراتب هو الحجة، فيقول أحد المسؤولين «إذا قمنا بتأمين مساكن بسعر 4 مليون ليرة، هل سيكون المواطن قادراً على دفع الأقساط في ظل الراتب المنخفض؟!»

وهو ما يطابق المثل الشعبي القائل «الجامع مسكّر ونحنا مرتاحين»، فطالما أن القدرة الشرائية للمواطن متدنية فلا داعي للعمل السريع ريثما يتم إيجاد حل مناسب للرواتب والأجور.

قصور…

على الرغم من أن فكرة التخطيط الإقليمي منتشرة في شتى أنحاء العالم ومنذ الخمسينيات، أي بعد الحرب العالمية الثانية إلا أنها لم تتواجد في سورية حتى عام 2010، وعلى الرغم من مضي 8 سنوات على إحداث قانون التخطيط الإقليمي رقم 26، إلا أن الوثيقة الأولى للتوجهات الأولية الناتجة عن التخطيط لم تتمكن من الصدور حتى اليوم.

وأما فيما إذا كانت هذه المدن المخصصة للأثرياء توافق التخطيط الإقليمي فقد قالت الأستاذة في المعهد العالي للتخطيط الإقليمي ريدا ديب: إن الهدف الرئيسي لهذه المدن هو الاستثمار فقط، وعلى الرغم من القاعدة القائلة بضرورة خلق أسباب وجود الناس في تلك المناطق، حتى ولو كانت مناطق سكنية استثمارية مثل ضرورة تأمين مشاريع استثمارية ملائمة قبل تأسيس تلك المدن، إلا أنه لم يتم العمل بهذه القاعدة، فعلى سبيل المثال عندما قررت مصر بناء مدن جديدة للسكن أنشأت مشاريع اقتصادية قبل أن تدعو المواطنين إليها.

الأولوية للاستثمار

تشير العديد من المصادر إلى أنه بسبب تأخر التخطيط الإقليمي فقد سبقت بعض المشاريع مثل مشروع الـ 66 أو ما يسمى بماروتا سيتي الخارطة المتكاملة، خاصةً وأن هيئة الاستثمار ترغب في جذب المستثمرين بغض النظر عن النتائج الأخرى.. وعلى الرغم من ضرورة القيام بما يسمى بالتحليل المكاني قبل المباشرة بأي مشروع، إلا أنه ربما يوجد من ينتهز غياب السياسات الإقليمية المتكاملة لينفذ مشروعات غير ذات أولوية.

وهنا تشير ديب إلى أن «هذه المدن ليست منفذة على نهج التخطيط الإقليمي، لكن يجب دراسة مواقعها لنعرف فيما إذا كانت توافق التخطيط الإقليمي، خاصة في ظل وجود ما يسمى أولويات العمل، لذلك من الأجدر أن يتم العمل على ربط هذه المدن بعملية استثمارية لتحقق الغاية المرجوة، ولذلك لا بد من القول إن التخطيط الاقليمي هو الحل».

في غير وقتها…

يرى الخبير العقاري والمستثمر في العقارات، رياض كحالة أن فكرة «ماروتا سيتي» هي فكرة جيدة إلا أنها لم تأت في وقتها، خاصة وأن القدرة الشرائية للمواطن اليوم منخفضة وغير قادرة على تحمل كلفة هذه المباني العصرية، والسوق غير مناسب لتسويقها.

ويشير كحالة إلى أنه من الأفضل اليوم تأمين مساكن للمهجرين، الأمر الذي يحتاج عددا كبيرا من المنازل كي يلبي الحاجة، يأتي بعدها بالأولوية تأمين منازل لذوي الدخل المحدود مع تقديم تسهيلات من قبل الجهات المصرفية والإسكانية كقروض طويلة الأمد بفوائد منخفضة، وثالثاً تأمين مساكن للطبقة المتوسطة القادرة على إكساء منازلها بنفسها، وأخيرا يأتي دور تلك المنازل الفاخرة.

رغم كل ما سبق، يبدو أن ناطحات السحاب المشيدة على أنقاض منازل الفقراء لن تستطيع التحليق عاليا، لأنها بنيت على أساسات وقواعد هشة، قوامها الثراء المستفحل بعد حرب طويلة ظلمت البعض وأغنت البعض الآخر.

ابتداء من «ماروتا سيتي» التي أخلت سكان عشوائيات الرازي من بيوتهم وشقا عمرهم، إلى «غراند تاون» على طريق المطار، وانتهاء بـ «بارك ريزدينس» في يعفور، تلك المدن التي تتجه إليها الأنظار على أنها المدن الموعودة بعد الحرب، ما هي إلا خطيئة جديدة تضاف إلى سلسلة من الأخطاء والخطايا التي تثبت القصور الحكومي في مقاربة الأولويات لما بعد الحرب.

واليوم، وفي ظل الاحتفاء بإعادة الإعمار، لا بد من التوجه إلى تلك الشرائح التي تطلب النجدة، وتستغيث، وتصرخ فقرا وبردا وألما، فإن كان دفء الأوطان هو حرارة الرفاهية الموجهة لأغنيائها، فمن الأفضل عندها أن ترحل الحكومات القائمة على جعل أولى أولوياتها تنفيذ رغبات أثرياء الحرب وناهبي المال العام، لأنها بذلك تضع نفسها في مواجهة (عاجلاً أم آجلاً) مع الأغلبية الساحقة والمسحوقة، من أبناء هذا الوطن الذين دفعوا ثمن الحرب وما زالوا.

لجين سليمان- الأيام