الجمعة , أغسطس 23 2019

هل سيكون تحرير شرق الفرات السوري قبل إدلب؟

هل سيكون تحرير شرق الفرات السوري قبل إدلب؟

مهران نزار غطروف

أُنجزت معركة تحرير الغوطة الشرقية، أكثر المعارك مفصلية، وبعدها حرر الجنوب السوري كاملا، وتوجهت الأنظار جميعها بعد ذلك إلى معركة استعادة إدلب، حيث أكبر كتلة إرهابية فيها، والتي كانت قاب قوسين أو أدنى من الانطلاق، ولكن؛ محاولات الاستثمار الأمريكية – الغربية في اسطوانة الكيماوي “الممجوجة”، دفعت إلى اجتراح موسكو اتفاق سوتشي، الملزم لتركيا بالعمل على تقويض الحالة الإرهابية المنتشرة في إدلب، عبر ضوابط هذا الاتفاق، والذي لقي ترحيبا من دمشق حينها.

إذ يمكن اعتبار هذا الاتفاق هو تثبيت لحقيقة واحدة، مفادها حتمية تحرير إدلب، مهما كانت الاعتبارات والفترة الزمنية، ما يعني أن إدلب بموجب هذا الاتفاق خضعت لعملية التحرير عمليا، ولو بعد حين …

دمشق طالما أكدت أن الوجهة القادمة هي إدلب، وبعدها سيكون وجهة الجيش السوري شرق الفرات، ولكن؛ تطورات الأحداث في شرق الفرات على ما يبدو، دفعت الأمور نحو تغير الأولويات لدى الجميع، ما يفتح الباب على سؤال بات ملحا وغاية في الأهمية، مفاده:

هل سيكون تحرير شرق الفرات السوري فعليا قبل إدلب؟

القيادة العامة للجيش السوري، خرجت ببيان ظهر الجمعة 28 الشهر الجاري، أعلنت فيه عن دخول “وحدات من الجيش السوري إلى منبج، ورفع العلم السوري فيها”، موضحة أن ذلك جاء تلبية “لمتطلبات الأهالي” هناك.

وكان قد سبق ذلك بساعات، بيان صادر عن قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، معلنة فيه “انسحابها من مدينة منبج” شمال سوريا، بعد التهديدات التركية الأخيرة بشن عدوان عليها، ودعت خلاله الدولة السورية “التي ننتمي إليها أرضاً وشعباً وحدوداً” بحسب البيان، إلى إرسال قواتها المسلحة “لاستلام هذه النقاط وحماية منطقة منبج أمام التهديدات التركية”.!

فهل من المعقول أن قرار ترامب مؤخرا، بالانسحاب النهائي لقواته، من أماكن تواجدها غير الشرعي على الأرض السورية، كان كافيا لحدوث كل هذه الانهيارات الدراماتيكية، والتغيرات المتتالية جملة واحدة؟!

ما جعل أعداء دمشق، يسارعون في خطب ودها، بزيارات رئاسية، وافتتاح سفارات ومعابر، وتغيرات في اللغة الدبلوماسية والإعلامية، وإقالات، وتغير أجندات تركية وفرنسية، ودعوات عودة للجامعة العربية، حتى الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والفاشلة في جميع أهدافها الداخلية والخارجية منها، هي في ذات السياق، ولا تخرج عنه قيد أنملة، وهي صراخ “نتنياهو” الواضح بأن نحن هنا جاهزون للتفاوض وبدون شروط، فهل من مجيب؟

وإلى آخر هذه “السبحة”، التي عرفنا بدايتها يقينا، ونعرف نهايتها ثقة، والتي يبدو أنها طويلة، وطويلة جدا، نعم فقد تخلى الأصيل في هذه الحرب ومضى، فما الذي يبقي الوكيل يقاتل وحيدا؟

نعتقد أنه لا يستطيع لأحد أيا كان، أن يتجاوز أو يغفل تطورات الحرب السورية، وكيف تغيرت الصورة فيها، لما يقارب (360) درجة، فبعد أن كانت تسيطر الفصائل المسلحة على اختلاف مسمياتها، وبحسب تصريحات قادتها، ومن يقف وراءها، على ما يقارب (85%) من إجمالي مساحة الأراضي السورية، خلال السنوات الخمس الأولى للحرب، عادت الدولة السورية بقواتها العسكرية، وبمشاركة الحلفاء، لتفرض سيطرتها على ما يزيد عن (90%) من مساحة البلاد، منذ أواخر عام 2015 وحتى تاريخه، مما ساهم بمراكمة مزيد من القوة لدى محور مكافحة الإرهاب يوما بعد يوم، حتى بات الآن يتوازى ردعه السياسي، مع سياستة الرادعة، في مواجهة أقوى موجة إرهاب مدعومة إقليميا وعالميا.

كل ذلك يدفع للقول، أن الحرب السورية باتت اليوم في مرحلة مخاضات الخلاص الأخيرة، على عكس كل ما يطرح من قبل البعض ويسوق له، بأنها غايات أمريكية مبيتة تكتيكية، لخلق ساحات حرب وظروف اعتداء جديدة، ضد الدولة السورية من خارج أراضيها، مستندين في ذلك على تصريح ترامب الأخير، حول إمكانية “استخدام القواعد الأمريكية” في العراق، منطلقا لتنفيذ “عمليات عسكرية” في سوريا، وذلك أثناء زيارته قاعدة بلاده “عين الأسد” الجوية، داخل العراق قبل أيام.

فأمريكا التي فقدت فرصتها الوحيدة والأكبر، في بقائها بجسدها المسلح، على الأرض السورية من خلال قرار ترامب بالانسحاب، والمجدول زمنيا، إن حدث وتم! لن تتمكن من فرض وخلق ساحات صراع جديدة، ضد الدولة السورية من الخارج وعن بعد، وما هذا إلا محض هراء لا أكثر ..!

وأمريكا التي طالما امتلكت إستراتيجية شن الحروب، والدخول في المعارك، لم تعد اليوم تمتلك إستراتيجية الخروج منها، وها هي اليوم تبحث عن سلامة رأسها انسحابا، في ظل هذا النهوض العالمي الجديد، والمنطلق من الشرق الأوسط، والرافض لأحاديتها القطبية، متخلية عن كل حلفائها، حتى إسرائيل، فهم “يمكنهم حماية أنفسهم بشكل جيد”، أي إسرائيل، بحسب تصريح ترامب الأخير، حول تأثير الانسحاب من سوريا عليها، بحسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية.

والذي كما يبدو، أن الأشقاء الأكراد أخيرا، قد بدؤوا بالتقاط مغزى هذه الإشارات الأمريكية، ما دفعهم ربما للسعي قدما للتوافق مع دمشق، وصولا لتسليمها نقاط تواجدهم في منبج مؤخرا، وهي المنطقة التي زادت أهميتها الإستراتيجية تصاعديا، لما باتت تمثله من التقاء مصالح إقليمية – دولية خلال فترة الحرب، تعبيرا عن وعيهم بالحقيقة، التي طالما كانت واضحة أمامهم، بأن لا خيار لهم، ولا بديل عن البقاء ضمن حضن الدولة السورية، الضامن الوحيد للأمن والسلم والسيادة. فالأمريكي الذي يتخلى عن إسرائيل ذاتها، كلمة سره في هذا الشرق، لن يضيع دقيقة واحدة في التفكير بالأكراد السوريين، أو بغيرهم ..!

ونأمل أن يكون الأشقاء الأكراد قد وضعوا نواياهم على السكة الوطنية الصحيحة، فذلك مرتبط بخطوات كثيرة قادمة، على أساسها يتم استعادة كامل المنطقة الشرقية السورية، وفي زمن قياسي نسبيا، لِما كان مقدر، لو استمر الوجود الاحتلالي الأمريكي، ولو استمر “التيه” والحلم الانفصالي لدى بعضهم، ما يساهم بعودة الحياة الطبيعية، والاستقرار، والقرار الوطني للسوريين جميعا ووحدهم، فوق أراضيهم.

فالواقع يعيد التأكيد مجددا، أن الثابت الوحيد حتى الآن، أنه لا شيء مستحيل في السياسة، وأن الثابت الوحيد في الحرب السورية، أنه لا حل سياسي قبل الحل العسكري، وقد تم تثبيت ذلك بفرضه أمرا واقعا على الساحة الدولية، حيث ألغت أولويات البعض، وأجلت بعضها الآخر، وساهم في خلق أولويات جديدة، والحاصل الآن له معنى واحد فقط، أن سوريا بصمودها وخيارها المقاوم وحلفائها تسير باتجاه النصر الكامل، وإلا ماذا يفسر كل هذا الحاصل؟

وختاما: من أولا إدلب أم شرق الفرات؟ ليس هو الأمر الجوهري والهام، ففي النهاية الأرض السورية ستحرر كاملا عاجلا أم أجلا، ولكن الأمر الهام جدا، أن القرار الأمريكي بالانسحاب من الشرق السوري، لم يكن نتيجة صحوة ضمير هنا أو هناك، في إي أو كل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، فكلها تحمل جوهرا واحدا بوجوه مختلفة.

وإنما هو إقرارا ومعرفة أمريكية بالهزيمة الكاملة، وإقرار بأن تضحيات الآلاف من الشعب السوري وحلفائه، خلال السنوات الماضية، أسقطت الحلم الأمريكي في السيطرة على الشرق الأوسط عبر سوريا، عقدة مواصلات هذا الشرق، السياسية والعسكرية والإستراتيجية، وجوهر تحالفاته ومقاوماته، فلا شرق يرتجى، ما لم تكن دمشق سيدة عرشه.
كاتيخون