الخميس , يوليو 9 2020

الكرد بين القتل الأميركي الرحيم والنحر التركي

الكرد بين القتل الأميركي الرحيم والنحر التركي
د. وفيق إبراهيم
إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قرار بسحب قواته من شرقي سورية وشمالها أثار ذعر القوات الكردية المنتشرة في هذا المدى الواسع بتغطية عسكرية وسياسية من الأميركيين.
لكنه أسال بالمقابل لُعاب الترك الذين اعتبروا انها فرصة لتحقيق مسألتين: القضاء على المشروع الكردي السوري القابل للتمدد نحو الكرد في تركيا، والثانية تذهب نحو تحقيق مطامعهم «العثمانية» القديمة في بلاد الشام والعراق.
أدت هاتان الحالتان الى ولادة جنوح كردي كبير للعودة الى الدولة السورية تمظهر على شكل مفاوضات سريعة بين دمشق وقوات سورية الديمقراطية «قسد» على أشكال العودة وإدارة الموارد الاقتصادية والأمن والدفاع عن الحدود وكل أنواع التفاعلات.
ألهب هذا التقارب بين دمشق وقسد طرفين: الأميركي والتركي، فواشنطن كانت تريد من مشروع انسحابها التمديد للأزمة السورية لمرحلة جديدة وكاملة بشكل يتحول شرق الفرات والشمال طاحونة أمم وشعوب تؤدي الى تفتيتهما الى زوايا متحاربة، وهذا يستلزم بقاء المشروع الكردي فاعلاً لمدة زمنية ملائمة لتنفيذ خطة التدمير الأميركية المفتوحة وأهمها عرقلة استكمال السيادة السورية وعرقلة التقدّم الروسي نحو الفضاءات العربية واستنزاف الإيرانيين في مرحلة يتعرّضون فيها لحصار أميركي قاسٍ.
الأتراك من جهتهم أصيبوا بذعر من تقارب الكرد مع دولتهم، فهذا يفقدهم شرعية التحرّك «كما يزعمون» في وجه قوات سورية شرعية تحظى بتأييد روسي إيراني كردي، ولديها أوامر بالانتشار في المناطق السورية المواجهة لتركيا والجهات التي تحتلها قوات تركية في سورية.
إن هذه العودة الكردية المحتملة تضعف الأتراك ايضاً في خططهم العثمانية في سورية والعراق وتكشف مزاعمهم بوضوح حول إرهابية «قسد» ووحداتها العسكرية. وهذا أدى الى تنبّه الأميركيين للنتائج السلبية التي تترتب على انسحابهم المرتبطة باحتمال تعميق خسارتهم في أكثر من دولة في المناطق العربية.
فسارعوا الى معالجة خطة ترامب الناقصة بالعديد من الخطوات السريعة، وذلك عبر جولة على تركيا والأردن ونحو سبع دول عربية أخرى يقوم بها وزير الخارجية الأميركي بومبيو والمستشار الرئاسي للأمن القومي بولتون.
وبدا واضحاً أن الأميركيين يفتشون عن «حيطان دعم» لنفوذهم في الشرق الأوسط.
النقطة الأولى في مشروعهم الترميمي منع سورية من العودة الى جامعة الدول العربية وإيقاف الحركة السريعة للدول العربية في المحور الأميركي في العودة الى افتتاح سفاراتها في دمشق.
بالمقابل يبدو أن الرئيس المصري السيسي نال وعداً أميركياً بالموافقة على التجديد له لولاية رئاسية ثالثة تحتاج الى تعديل دستوري يلقى موافقة أميركية إسرائيلية أوروبية وخليجية.
اما الخطوة الثانية فتجسّدت بوعود أميركية جديدة للأكراد تؤكد عدم وجود أي نية للتخلي عنهم وصولاً لحمايتهم من خطر الأكراد والدولة السورية معاً.
للمزيد من تعقيد المشهد السوري يدفع الأميركيون مجدداً نحو القضاء السريع على البعد التاريخي للقضية الفلسطينية بضرب المنظمات المجاهدة في قطاع غزة وإعادته الى السلطة الفسلطينية لإنشاء «بلدية فلسطينية» بين قسم من الضفة الغربية وغزة مجردة من السلاح ومرتبطة اقتصادياً وادارياً بـ»إسرائيل». والأطراف المطلوب منها خنق غزة هم السلطة الفلسطينية ومصر إما بالحدود المباشرة والتعامل الاقتصادي والإداري أو بامتناع دول الخليج عن إرسال أي مساعدات.
ومثل هذه الخطوات تحتاج الى تمويه وهو جاهز في الهجوم على إيران وإعادة تعويمها عدواً كبيراً مشتركاً للعرب والإسرائيليين.
فخسارة المشروع الأميركي في سورية قلصت من شعارات التأجيج بالفتنة السنية الشيعية والعداء العربي المجوسي، كما يزعمون.
لذلك تتطلب إعادة إحيائه تقارباً اسرائيلياً خليجياً هو قيد التحضير حالياً بجولة بومبيو بولتون.
فمن كان يتصوّر أن وزير خارجية مصر سامح شكري يربط بين عودة سورية الى الجامعة العربية وبين تنفيذها للانتقال السياسي عبر مؤتمر جنيف؟
ألا يعلم أن دولته التي جرى تجميد عضويتها في الجامعة العربية بعد اعترافها بـ»إسرائيل» في 1979 عادت الى الجامعة واحتفظت بعلاقاتها مع الكيان الغاصب؟
فكيف تُجيز لنفسها ما تحرمهُ على الدول العربية الأخرى؟
يتبين أن حاجة السيسي لتجديد ولايته والتغطية الأميركية لجريمة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان باغتيال الإعلامي الخاشقجي يساعدان على إعادة ترميم انهيار المشروع الأميركي.
إلا أن ما قبله العرب رفضته تركيا لتناقضه مع مصالحها وتعارضه مع وعود ترامب لها الذي قال لأردوغان: «سورية لك تصرَّف».
ولأن أنقرة تخشى من تطور المشروع الكردي فلم تقبل مع بولتون بالتحول الى «كومبارس عسكري وسياسي» كحالة العربان، ولديها استعداد للالتزام بالنفوذ الأميركي إذا لم يشكل تهديداً وجودياً لدولتها ويصادف أن الكرد يشكلون برأيها خطراً على الكيان السياسي التركي.
فهل تلعب واشنطن لعبة الادعاء بالانسحاب وإرجاء تنفيذه الى أطول مدة ممكنة؟
وهل يصدقها الكرد ويتوقفون عن التنسيق مع دمشق؟
الكرد اليوم بين دولة تركية تريد نحرهم من الوريد الى الوريد وبين أميركيين يزعمون حمايتهم إلا أنهم لا يفعلون إلا حماية نفوذهم فقط، مع الاستعداد بالتضحية بالأكراد في أوقات لاحقة وفقاً لنظرية الموت الرحيم، لذلك فليس لهم الا دولتهم السورية مع ضمان روسي بحمايتهم من المخاطر الكبرى، فهل تستيقظ «قسد» من أحلامها؟ هناك فرصة لمجابهة المشروع التركي الحالم بالعودة الى العثمانية ومشروع أميركي معروف بتخليه عن حلفائه وطموحات إسرائيلية لتفتيت سورية من خلال الأكراد والإرهاب.
فهل يتعلم الكرد من تجاربهم التاريخية ويساهمون مع دمشق بإسقاط خطة استعمالهم وتركهم لاحقاً لقمة سائغة لطاحونة الأمم؟ هذا مع التأكيد بأن التحالف السوري الروسي الايراني لن يتخلّى عنهم لأنهم جزء أصيل من السيادة السورية.
البناء