الأحد , ديسمبر 4 2022

آذار: إطلالة كابوس في السماء، وجحيم على الأرض.

آذار: إطلالة كابوس في السماء، وجحيم على الأرض.
سمير الفزاع
في 15/1/2019، عُين رئيس الأركان الجديد لجيش العدو الصهيوني، الإرهابي أبيب كوخافي. بالتزامن مع تعيين كوخافي تقريباً، نشر “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب تقريراً يعتبر فيه أن هذه “فترة عاصفة وغير مستقرة” من الناحية الأمنية، لأن “البيئة الإستراتيجية التي يعمل فيها الجيش الإسرائيلي ما زالت تتميز بانعدام يقين بالغ”، وأن ثمة احتمالا لنشوب حرب خلال ولايته. وبحسب تحليلات أجراها المعهد، فإن هناك “عشرة تحديات مركزية يتعين أن يتعامل معها رئيس أركان الجيش المعيّن فور دخوله إلى منصبه”. وعلى الرغم من التقرير حاول جاهداً تغييب موقع سورية من خريطة الصراع الحالية والمستقبلية تحت عناوين مضللة تكذبها الوقائع والأحداث، مثل محاربة النفوذ الإيراني في سورية، ومنع نقل الأسلحة الكاسرة للتوازن إلى حزب الله… إلا أنّ ثقل الحضور تفضحه المحاولات البائسة واليائسة للتغييب. يصف جيش العدو غاراته الجوية والصاروخية ضد أهداف إيران وحزب الله في سورية بأنها “الحرب التي بين الحروب”، بهدف إبعاد أو إرجاء حرب شاملة بين الجانبين. واعتبر التقرير أن هذه “الحرب التي بين الحروب” حققت “إنجازات واضحة، سواء بعرقلة التموضع الإيراني في سورية أو بتقليص نقل الأسلحة إلى حزب الله… ولكن سياسة تحقيق الإنجازات دون دفع ثمن أو ثمن كبير قريبة من استنفاذ نفسها” أي تزايد فرص الدخول في حرب واسعة.
وخلال مراسم التنصيب، قال كوخافي في كلمته إنه “سيكرس نشاطه لتعزيز الجدار الواقي (الجيش)، وفي صلب ذلك زيادة القدرة على ضرب العدو… سنعمل على تقوية الجيش لتحديات الحاضر والمستقبل، وزيادة القدرة على ضرب العدو، وجعله فتاكا ومجديا وحديثا، يحافظ على رسالته وتفرده”. وأما نتنياهو فقد قال:(إن “إسرائيل” تسعى للانتصار، وبأقل ثمن ممكن، وهذا هو الاختبار الحقيقي للقيادة… وأن “إسرائيل” لا تبحث عن حروب لا داعي لها، ولكن الحروب الضرورية تقتضي الجاهزية للتضحية… ونصح إيران بالخروج من سورية بسرعة لأن “إسرائيل” ستواصل سياستها الهجومية).
بعد هذه المقدمة الضرورية، سأحاول تقديم قراءة موجزة عن أسباب إرتفاع وتيرة الغارات الصهيونية على سورية، ومستقبل الصراع بين سورية وحلفائها مع هذا العدو.
* سياسة أركان أم سياسة كيان؟:
بصراحة، أعتقد بأن هذه الغارات سياسة كيان لا سياسة أركان، وسوف يتم تنفيذها بصرف النظر عن اسم رئيس أركان العدو، والخلفية السياسية لكيان العدو:إنتخابات، أزمات قضائية وسياسية… ربما سيكون للانتخابات والأزمات السياسية والإقتصادية واسم رئيس الأركان صدى فعلي في بعض الأوقات، ولكن ليس هذا الوقت، وليس في الحال التي يعيشها كيان العدو. هناك أعمدة قام عليها هذه الكيان وقد تضررت بشدة، وهناك عقيدة عسكرية-أمنية تحفظ هذه الأعمدة وقد تآكلت بشدة أيضاً، هم بحاجة إلى (جندي رقم-1) ينفذ سياسة: ترمم هذه الأركان وتنعش هذه العقيدة، وبأقل قدر من الخسائر… هذا ما تحدث عنه أهم معاهد كيان العدو،”معهد أبحاث الأمن القومي”، وهذا ما تعهد به وزير حرب العدو ورئيس وزرائه نتنياهو، وما التزم به رئيس أركانه الجديد كوخافي.
إستناداً للمقدمة والفرضية السابقتين، يمكن إستخلاص بعض أهم أهدف هذه الإعتداءات الصهيونية، وخصوصاً الأخير:
1-أراد كوخافي أن يبدأ مسيرته لرئاسة الاركان من عتبة جديدة، ومستوى أعلى يكمل فيه المشوار الذي بدأه سلفه غادي ايسينكوت: هجوم نهاري نادر ثم هجوم وفق السيناريو المعتاد لسلاح الجو الصهيوني ليلاً، استكشاف بالنار نهاراً وهجوم موسع ليلاً، هجمات كانت مبنية للمجهول بات الاعلان عنها سمة جديدة لاعتداءات العدو.
2-ترميم معنويات وثقة طياري سلاح جو العدو، ذراعه الطويلة، خصوصا عقب اسقاط واصابة عدد من طائراته بنيران الدفاع الجوي السوري.
3-تهيأت وتدريب طياري سلاح جو العدو ، وعلى نحو متدرج، على كيفية التعامل مع بيئات معادية لديها شبكة دفاع جوي تنمو على نحو متسارع، وصولاً إلى إبلاغهم ذروة الاستعداد حين دخول S-300VM3 المبارزة القادمة.
4-تطوير ورفع سوية هؤلاء الطيارين من خلال تنفيذ عمليات منسقة بالنار الحيّة، وباستخدام عدد من مصادر النيران، من عدة مواقع باتجاه عدد من الاهداف الموزعة على مساحة واسعة من الارض… خصوصا وأن هذا العدو كان يتنقل بطائراته في كل اعتداءاته السابقة على جنوب لبنان وغزه دون مقاومة تذكر.
5-إعداد “الجبهة الداخلية” لدفع وتحمل أثمان باهظة في حروب قادمة سيكون شنها ضروريّاً، وهذا هو طرف المعادلة الثاني الذي لم يجرؤ نتنياهو الكشف عنه عند تحدثه عن “الحروب الضرورية”.
6-اظهار سلاح جو العدو بأنه اليد الطولى والوحيده التي “تستهدف” الوجود الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة عشية مؤتمر وارسو، الذي سيخصص لمناقشة هذا التهديد بالدرجة الاولى في سياق اقامة تحالف جديد في المنطقة، ظاهره محاربة هذا النفوذ وباطنه إعادة هيكلة المنطقة سياسيا-عسكريا-اقتصاديا-اجتماعيا-تاريخيا.
7-منع الدفاع الجوي السوري من استعادة عافيته وإكمال إستعداداته، باستهداف ما أمكنهم من مكونات هذا السلاح، وتحديداً منظومات الدفاع الجوي قصير المدى_ مثل بانتسير وبوك، إلى جانب شبكات الرادار… أولاً، ولتأخير دمج منظومات S-300VM3 في هذه الشبكة، ثانياً… ما يمنح سلاح جو العدو زمناً من حرية الحركة هو بأمس الحاجة إليه.
* المنطقة الغربية-الجنوبية، ومستقبل الصراع.
بعد إسقاط طائرة أف-16 الصهيونية، وإقفال موسكو ملف الإعتداءات الصهيونية على الساحل السوري، بات من الممكن إعادة بناء وتشغيل القاعدة الصناعية-العسكرية السورية بقوة، وستمد هذه المنشئات الجيش العربي السوري بعناصر قوة إضافية هو بأمس الحاجة إليها، كما سيمنحه “الإقفال” حرية حركة أوسع، وإمكانية تركيز عناصر قوة الدفاع الجوي في حيز أقل… وحتماً سيظهر أثر هذه العمل على الجبهات مع العدو في سورية وغيرها، ومنها جبهة سورية الجنوبية-الغربية. فالى جانب كتائب الدفاع الجوي كاللواء 94 دفاع جوي في الديماس، استهدف طيران العدو اربعة مواقع عسكرية في السويداء. لماذا الجبهة الجنوبية-الغربية، وخصوصاً السويداء؟ لأنها الأقرب إلى كيان العدو، من هناك يمكن لصواريخ S-300VM3 تغطية لبنان وكامل فلسطين تقريبا، والجزء الأكبر من الأردن أولاً، ولأنها تشكل العمق الدفاعي لمنظومة الدفاع الجوي للمنطقة الغربية والعاصمة كونها تضم منصات دفاع جوي بعيدة المدى من طراز 200S- ثانياً، وهي خط الدفاع الأمامي لحدود سورية الجنوبية الشرقية من جهة جنوب فلسطين وشمال الأردن وغرب العراق، ثالثاً. وهكذا يُمكن فهم سبب تصعيد العدو، وخلفية إستهدافه لمنظومات الدفاع الجوي قصير المدى، ولماذا رأينا عربات دفاع جوي ستريلا-1 القديمة تتصدى خلال عدوان فجر الاثنين 21/1/2019، ويمكن ذكر بعض أوجه حاجة سورية إلى قوة نارية كبيرة من منظومات الدفاع الجوي قصيرة المدى:
1-مواجهة عمليات الاغراق الناري –توجيه أكبر عدد من القنابل والصواريخ الموجهة نحو هدف محدد لضمان تدميره- التي يلجأ اليها العدو، بستار صاروخي وناري مضاد يزيد كثافة أو يوازي على الأقل هذا الإغراق لإفشاله أو الحد الى أقصى مدى من آثاره المدمرة.
2-تعويض النقص بمنظومات الدفاع الجوي قصيرة المدى باستخدام منظومات قديمة أو منسقة حتى.
3-تعقيد مهمّة الحرب الالكترونية التي يشنها العدو على مصادر النيران السورية بتنويع هذه المصادر بين الحديث والقديم مثلاً.
4-محاولة ملأ الفراغ الذي تركه غياب منظومة الدفاع الجوي بعيد المدى 200S-، بعد أن تمكن العدو الصهيوني وبمساعدة أمريكا من التشويش عليها.
5-المشاغلة إلى حين استلام الدفاع الجوي السوري منظومات S-300VM3وإدخالها الخدمة الفعلية ليخرج من حالة الدفاع السلبي، أي ضرب المقذوف ومصدره وليس المقذوف فقط أولاً، ومنع العدو من استهداف منظومات الدفاع الجوي قصير المدى من خارج قدرتها النارية القصيرة نسبيّاً، أقل من 100كم ثانياً.
ختاماً، نشرت في مصياف اربع منصات S-300VM3، وسبع في دير الزور، ولكن أين ستنصب بقية الاربعة والعشرين منصة التي زودت روسيا سورية بها؟. السيناريو الأرجح، ستنشر سبع منها في محيط دمشق وأربع في السويداء فهذا يعني وقوع الكارثة المحققة لسلاح جو العدو. مثلاً، النسق الأول البعيد المدى للدفاعات الجوية في قاعدة “الضمير” الجوية هو منظومة الصواريخ S-300VM3 التي تحمي الأفق البعيد بمسافة تزيد عن 250كم، وقبلها منظومات 200S- من مواقعها المحيطة، ثم منظومة “بوك-إم-2-إي”، والنسق الثالث هو منظومات “إس-125” و”بيتشورا-2-إم”، وأخيرا يأتي دور النسق الرابع وهو منظومة “بانتسير-إس 1” للصواريخ والمدفعية الرشاشة التي تحمي الخطوط الأمامية للجبهة، ومن ضمنها سواتر نارية تشكلها المدفعية الرشاشة المضادة للطيران… لمن يلوم الدفاع الجوي السوري، سأذكره بخلاصة هامة جداً من توضحها لنا طبيعة تشكيل منظومات الدفاع الجوي، وهي أن الدفاع الجوي السوري يصد إعتداءات العدو بنسق واحد أو نسقين على الأكثر، وهذا يظهر حجم الجهد الخرافي الذي يبذله هذا السلاح ومنتسبوه، وأهمية منظومات S-300VM3 لسدّ هذا الخلل الهائل… عندها ستبدأ “الهجرة العكسية” للصواريخ، وسينتهي سباق العدو الصهيوني مع الزمن ليصير سباقاً على الخروج منه.