الأحد , أغسطس 18 2019

الانسحاب الأميركي ومحاولة ترتيب الاصطفافات في الشرق الأوسط

الانسحاب الأميركي ومحاولة ترتيب الاصطفافات في الشرق الأوسط

أمجد إسماعيل الآغا

رسائل التصعيد والتهديد التي أرسلتها واشنطن عبر بومبيو إلى المنطقة، لم تُفلح بالمطلق في توضيح السياسة الأميركية الجديدة عقب إعلان الانسحاب الأميركي من سوريا، ولم تفلح هذه الزيارة بطمأنة الحلفاء.

لا تزال تداعيات القرار الأميركي بالانسحاب من سوريا، تأخذ مسارات متجدّدة بما تقتضيه الظروف السياسية والعسكرية التي تشهدها المنطقة، وقد ترافقت هذه التطوّرات بتحرّكات سياسية ودبلوماسية يُراد منها بناء شبكة تحالفات تشكل في ماهيتها مشهداً أميركياً جديداً للشرق الأوسط، فالسعي الأميركي الرامي لتأسيس تفاهمات مضادّة، وإعادة جذب أوراق سياسية جديدة، يشي بإعادة ترتيب الخطوط الأساسية للمنطقة، والابتعاد عن الخلافات والتوتّرات السياسية التي كانت السمة الأبرز لحلفاء واشنطن، الأمر الذي أدى إلى تقهقر وتصدّع في محورها، حتى وصلت الأوضاع إلى مسارات كادت أن تخرج من يد الولايات المتحدة، ما يهدّد النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، ترافق ذلك مع غياب خطة أميركية واضحة حيال ما أفرزته الحرب على سوريا، والتداعيات المستقبلية للانتصار السوري، لا سيما أن هناك رغبة أميركية باحتواء المنجزات السياسية والعسكرية التي حقّقتها الدولة السورية، هذه المنجزات التي ترافقت مع تعاظم قوة محور المقاومة ككل، وعليه فإن الهدف الأميركي الجديد يسعى إلى ترسيخ نظريات التنافس في المنطقة، وجذب مشاريع تجلب معها المزيد من الفوضى، مع توزيع أدوار ومهام جديدة لبيادق واشنطن، كل هذا لتحجيم وتقويض الزخم الهجومي السياسي والعسكري لمحور المقاومة.
سوريا التي يبدو أنها مشهد مصغر لحجم التناقضات والتعقيدات التي يشهدها الشرق الأوسط، فكل خطوط السياسية المحيطة بالشأن السوري ما هي إلا امتداد للنشاط الإقليمي والدولي، فهذا المستنقع أماط اللثام عن حجم الترهّلات والتصدّعات التي عنوَنت النظريات السياسية لواشنطن وأدواتها، حيث أن الانتصار السوري جعل من واشنطن تدخل في متاهات للبحث عن جُملة حلول، قد تُسعف بحفظ الهيبة الأميركية على المستويين الإقليمي والدولي، لذلك حطّ وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو رحاله في الشرق الأوسط، في زيارة من المؤكّد أنها تهدف لاستنهاض الحلفاء، وبناء تحالف استراتيجي لمواجهة سوريا وإيران وحزب الله، فرسالة رأب الصدع التي حملها بومبيو عبّر عنها بقوله ” عندما يكون لدينا تحد مشترك لا تكون النزاعات بين البلدان ذات الأهداف المشتركة مفيدة ونأمل أن تزيد وحدة مجلس التعاون الخليجي في الأيام والأسابيع والأشهر المقبلة ، لأن هذه الوحدة ضرورية من أجل تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي”، والواضح أن التحالف الجديد الذي تريده واشنطن، وتريد من حلفائها توحيد توجّهاتهم وسياساتهم من أجله، ما هو إلا جدولة الأعمال لمواجهة إيران والتحشيد ضدّها، فإيران ونفوذها الإقليمي الداعم لحركات المقاومة، مثار قلق لواشنطن والسعودية والكيان الصهيوني، فالأهداف المشتركة لهذه الدول هي ذاتها، انطلاقاً من تأجيج الصراع في سوريا والعمل على إطالة الحرب بالاستعانة بأدوات جديدة، مروراً بمنع التواصل السوري العراقي الإيراني وما يشكله هذا التواصل من تشكيل معادلات اقليمية دولية لا تقوى واشنطن على الحد من تداعياتها، وصولاً إلى محاولة الضغط على إيران سياسياً واقتصادياً ، تمهيداً للوصول إلى بلورة استراتيجية جديدة تطال بحيثياتها إيران وسوريا والعراق.
الواضح تماماً أن ما تريده واشنطن في الشرق الأوسط، هو تفعيل نظريات جديدة تعتمد على عزل وتطويق إيران، والواضح أيضاً أن واشنطن وأدواتها يسعون إلى التغطية على فشلهم في سوريا، عبر العمل على بثّ الروح في جسد ميت، فالروح المزيّفة جاءت على شكل خطاب إعلامي مزيّف، وما حمله بومبيو إلى أدوات واشنطن في مصر والسعودية والإمارات لا يعدو إلا تكبيلاً جديداً بعروش مهدّدة بالسقوط، فاليوم ملزمون بالتطبيع العلني مع الكيان الصهيوني، للوقوف في وجه إيران ذات النفوذ الإقليمي، وصاحبة الوجود الاستراتيجي، والبيت الأبيض وكل رؤسائه لم يُفحلوا بالوقوف في وجه إيران، والحلف الاستراتيجي الجديد المُزمَع عقده أميركيا، سيكون ميتاً قبل ولادته، نظراً لجُملة العوامل الإقليمية والدولية التي لا تعدّ ولا تحصى، والتي تضافرت لتصبّ مباشرة في مصلحة محور المقاومة، وبوجود شريك روسي استراتيجي، سيكون من الصعب توحيد الجهود الأميركية الخليجية الإسرائيلية لضعضعة المعادلة التي أنتجت محوراً متماسكاً وحليفاً قوياً.
في النتيجة، رسائل التصعيد والتهديد التي أرسلتها واشنطن عبر بومبيو إلى المنطقة، لم تُفلح بالمطلق في توضيح السياسة الأميركية الجديدة عقب إعلان الانسحاب الأميركي من سوريا، ولم تفلح هذه الزيارة بطمأنة الحلفاء، فالتراخي والانكفاء لجهة واشنطن وأدواتها سيكون مشهداً تنطوي عليه التطوّرات القادمة، حيث أن المرحلة المقبلة ستكون مشروعاً لبناء حلف قوي إيراني سوري عراقي ومشاركة روسية تركية، والمحاولة الأميركية لترميم صفوف أدواتها، لن تُفلح في بناء تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي، ولن تتمكّن من إعادة ترتيب الاصطفافات، لأن سوريا وحلفاءها خرجوا منتصرين من الحرب، ووحدهم من سيفرضون قواعد اللعبة الجديدة إقليمياً ودولياً، قطار التحوّلات واغتنام الفُرَص، فات واشنطن ووصل إلى المحطة الأخيرة في دمشق.

الميادين