الجمعة , فبراير 21 2020

سورية.. العقوبات الإستراتيجية

سورية.. العقوبات الإستراتيجية

مازن بلال

ما حدث مع «عقوبات قيصر» يضع سورية ضمن دائرة خاصة في الصراع الدولي، وعلى المستوى الداخلي فإنه يشكل استحقاقاً وجودياً إن صح التعبير، فهذه العقوبات، لو صدرت من مجلسي الكونغرس، ووقع عليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تسعى لإحداث افتراق حاد في الجغرافية السياسية السورية، وتغيير كل البنى قبل أن تعود سورية إلى الحركة الدولية الاعتيادية لأي دولة، وهذا الأمر يشبه ما حدث لكوبا على سبيل المثال خلال الحرب الباردة ولم ينته حتى الآن.
أصبحت سورية في مواجهة السوق العالمية المغلقة في وجهها، وللأسف فهي تكاد تكون السوق الوحيدة القائمة اليوم، ومع وجود حلفاء وأصدقاء فإن التعاملات التجارية لن تصبح في حدها الأدنى نتيجة صعوبة التعامل المصرفي، لكنها ستتخذ أشكالاً أخرى مثل المقايضة أو غيرها من التعاملات التي تجعل كتلة الرأسمال السوري قادرة على التحرك بحرية، والأخطر هنا أن عملية التنمية المعتمدة على نظام دولي ستواجه الكثير من التحديات نتيجة هذا الحصار.
ستدفع هذه العقوبات نحو تحجيم الموقع السوري في التأثير الإقليمي، أو هذا على الأقل ما تسعى إليه الولايات المتحدة، من خلال إطالة مرحلة التعافي من الحرب، وفي الوقت نفسه استرجاع علاقات سورية المتوازنة مع محيطها الجغرافي، فأي علاقات اقتصادية – سياسية قادمة ستكون مساراً تفاضلياً لمصلحة الدول الأخرى، لأن دمشق ستكون مضطرة للتعامل مع شروط قاسية من أجل تسيير علاقاتها مع محيطها والعالم.
عمليا فإن طبيعة الحلول التي يمكن أن تتبناها الحكومة السورية لا تتعلق فقط بالعملية السياسية بذاتها، فأي حلول للأزمة السورية لن تحل مشكلة العقوبات ما دامت الإدارة الأميركية تريد شكلاً انقلابياً داخل سورية، فالمسار العميق للتعامل مع هذه العقوبات الإستراتيجية إن صح التعبير، يرتبط بالطيف الاجتماعي السوري، فهو الذي يعاني حالياً من تبعات الأزمة ومن أي آثار محتملة للعقوبات، وهو في الوقت نفسه معني بالتعامل مع إعادة الإعمار كي يستمر في حياته المحاصرة عبر تدابير دولية، والتعامل الاجتماعي مع هذا الواقع سيأخذ موقعا عميقا في خلق بدائل وحلول لطبيعة العقوبات.
ما يمكن التعامل معه لمواجهة الاستحقاق الدولي القادم يرتبط بمسألتين أساسيتين:
– التعامل مع «المزاج» السياسي السوري بالدرجة الأولى، فـ«المزاج» هو اتجاه عام للمجتمع يلخص خبرته من الأزمة أو من منظومته الثقافية العميقة، على الأخص أن سورية تاريخيا لم تكن بعيدة عن هذه الأزمات الحادة ولو بدت الأزمة الحالية الأكثر خطورة.
إن مصطلح «المزاج» يعبر في النهاية عن قدرة المجتمع على التأقلم، وصياغة حياته اليومية بما يتوافق مع الواقع الذي يظهر نتيجة الأزمة، والتأقلم ليس حالة سكونية إنما خلق بدائل على المستوى الاجتماعي تحديدا، واستثمار الرأسمال المجتمعي الذي يشكل قاعدة معنوية مادية يمكن الاعتماد عليها.
– الدفع نحو إيجاد علاقة إنتاج مجتمعية، فالمسألة ليست بيئة استثمار، وفتح أسواق وإيجاد قوانين لاستقطاب الرأسمال، فالأهم وفق المؤشرات الحالية هو بيئة استثمار الممكنات الاجتماعية.
سيواجه المجتمع السوري محاولات إفقار وربما تجهيل وتهميش، وهو الوحيد المعني بالخروج من هذا الوضع وتحقيق سيادة سورية، ومهما بدا الأمر صعبا لكنه مؤسس أيضاً لمرحلة فارقة في تاريخ سورية وفي عملية ظهور معرفة اجتماعية للذات السورية، فالمسألة ليست بحث عن الهوية بل خلقها في علاقة إنتاجية بالدرجة الأولى.
الوطن

شاهد أيضاً

معركة ادلب، وصفقة القرن… إما الهزيمة وإما الطوفان.

معركة ادلب، وصفقة القرن… إما الهزيمة وإما الطوفان. سمير الفزّاع ورد لأول مرة مصطلح “صفقة …