الجمعة , أكتوبر 18 2019

قانون قيصر بين بازار التسويات والأثر المتدحرج

قانون قيصر بين بازار التسويات والأثر المتدحرج

عبدالله سليمان علي
أعاد “قانون قيصر”، الذي ينتظر توقيعَ الرئيسِ الأميركي عليه ليصبح ساري المفعول، الانخراطَ الأميركيّ في المشهد السوري إلى ذروته عبر بوابتي الحرب الاقتصادية والقانونية. وكان يُفترض أن تشّكل هاتان الأداتان بديلاً عن الانكفاء العسكري الذي عبّر عنه قرار البيت الأبيض بالانسحاب من سوريا، لولا أن مجلس الشيوخ الأميركي تبنّى، يوم الجمعة، تعديلاً قانونياً عرقل من خلاله عملية الانسحاب، الأمر الذي جعل من الصعوبة بمكان قراءة توجهات السياسة الأميركية لا سيما في ظلّ تفاقم الخلافات بين الرئيس الأميركي وفريقه من جهة ومؤسسات الدولة العميقة (دولة الأمن القومي) من جهة ثانية.
ولعلّ أكثر ما يعزز هذه الضبابيّة هو التناقض من حيث الظاهر في أداء الكونغرس الأميركي إزاء سياسة البيت الأبيض، إذ أن قانون قيصر يعتبر متكاملاً مع هذه السياسة وربما لن يلاقي أي صعوبة في حصوله على موافقة الرئيس، بينما جاء التعديل القانوني بخصوص عرقلة الانسحاب ليوجه صفعة قوية لساكن البيت الأبيض، منتصراً في ذلك لوجهة نظر أجهزة الاستخبارات الأميركية وتقديراتها التي لاقت استهجاناً علنياً نادراً من الرئيس دونالد ترامب الذي وصف بدوره هذه الأجهزة بأنها “ساذجة” و”سلبية”.
ومع دخول الانسحاب الأميركي في متاهات الخلافات الداخلية بين جناحي الإدارة الأميركية ما جعل حدوثه أمراً غير محتمل في المدى المنظور، يبدو أن المشهد السوري دخل في طور تدشين مرحلة جديدة شديدة الخطورة والتعقيد بسبب تعرّضه في الوقت ذاته لكلّ من تأثيرات بقاء القوات الأميركية من جهة، ومفاعيل قانون قيصر من جهة ثانية.
وتفرض علينا القراءةُ الواقعيّة لقانون قيصر الاقرارَ بأنّ هذا القانون لا يخرج عن الإطار العام للاستراتيجية التي وضعها المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري منذ منتصف العام الماضي. إذ أن جيفري تحدث في عدة مناسبات عن أن استراتيجيته لا تعتمد على العامل العسكري بل على العاملين الاقتصادي والدبلوماسي من أجل تنفيذ الأهداف المتوخاة منها والتي تتمثل في ثلاثة أهداف رئيسية هي: هزيمة داعش والتأكد من عدم عودته، وإخراج “القوات الايرانية” من سوريا، وتحقيق تقدّم في العملية السياسية.
وعلى الرغم من أن قانون قيصر يحمل طابعاً اقتصادياً، وهو ما يتجلى عموماً في العقوبات الاقتصادية التي يفرضها على قطاعات حيوية من الاقتصاد السوري كالطاقة والعقارات وإعادة الاعمار، إلا أن مفاعيل وتداعيات هذا القانون تتعدى الجانب الاقتصادي وصولاً إلى الجانب السياسي بكلا شقّيه: الخارجي المتعلّق بعلاقة سورية مع الدول الحليفة وإمكان عودة علاقاتها العربية والدولية. والداخلي المتعلق بنظام الحكم واستقراره. ففي الشقّ الأول، يسعى القانون إلى التأثير على التحالف بين دمشق وكل من روسيا وإيران من خلال محاولته فرض عقوبات على أي دولة تقدم مساعدة للحكومة والشعب السوريين. كما أنه يسعى إلى فرملة الانفتاح العربي والدولي على سوريا والتي بدأت تباشيره مع زيارة الرئيس السوداني حسن البشير إلى دمشق وإعلان الامارات العربية المتحدة عن إعادة فتح سفارتها في دمشق وما أعقبهما من تنامي الحديث عن خطوات مماثلة من قبل عدة دول عربية ودولية. والهدف الأساسي من وراء ذلك هو فرض عزلة سياسية على دمشق بالتوازي مع محاولات فرض عزلة اقتصادية ما من شأنه حسب واضعي القانون أن يزيد من الضغوط على العاصمة السورية ويجعلها تعيد التفكير في خياراتها السياسية. ورغم أن التجارب السابقة من هذا النوع مع دمشق لم تؤت ثمارها ولم تقبل القيادة السورية تقديم التنازلات في أي قضية خشية من العقوبات المستمرة منذ ثمانينات القرن الماضي، إلا أن المشرعين الأميركيين على ما يبدو مستمرون في هذا النهج.
أمّا في الشقّ الثاني، فقد انطلقت النسخة الأصلية من قانون قيصر التي نوقشت عام 2016 من منطلق وجوب “العمل بفعالية لنقل السلطة إلى حكومة ديمقراطية في سوريا تعيش في سلام وأمن مع جاراتها” كما نصّت على نقطة في غاية الأهمية وهي أنّ “استمرار السلطة في سوريا يُعدّ بمثابة جذبٍ للفكر المتطرف لتنظيم “داعش” و”جبهة النصرة” والتنظيمات الارهابية الأخرى”. وما يعزّز من وجود أهداف سياسية للقانون أنه يأذن لوزارة الخارجية بدعم الكيانات التي تجمع وتحفظ سلسلة الأدلة، من أجل الملاحقة النهائية لمن يرتكبون جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية في سوريا. فهناك طابع متدحرج للقانون ينطلق من تشديد الضغط على السلطة والشعب السوريين مروراً بمحاولة فرض عزلتين اقتصادية وسياسية وصولاً إلى ما هو أبعد من ذلك وربما يصل إلى العمل من أجل محاولة انقلاب على الشرعية في مرحلة ما، خاصة وأن القانون سيبقى في حال توقيعه من الرئيس الأميركي نافذاً لمدة خمس سنوات، وهو ما يمنحه قدرة نسبيّة على مراكمة آثاره خلال هذه الفترة. وقد تكون تجربة فنزويلا الحالية في مقارعة محاولةٍ موصوفةٍ لانقلاب أميركي على الرئيس الشرعي في البلاد، مفتاحاً أساسياً لرؤية المدى الذي يمكن أن تصل إليه المغامرة الأميركية في ظل سيطرة اثنين من كبار المحافظين الجدد على رسم سياساتها العدائية تجاه الأنظمة المخالفة لتوجهات هذا الفريق، وهما جون بولتون وجيمس جيفري.
هذه التهديدات والأخطار التي ينطوي عليها قانون قيصر، وإن على المدى الطويل، ينبغي أن تدفعنا إلى التيقّظ والانتباه والاستنفار من أجل مواجهة مفاعيله وتداعياته من دون أن نسقط في فخ الخوف الرهبة، لأن العنصران النفسي والمعنوي هما من أهم الجوانب التي يتوخى هذا القانون اللعب على وترهما الحساس.
وقد يكون من المهم في هذا السياق ملاحظة أن قانون قيصر نفسه تضمن بعض الثغرات ونقاط الضعف التي تنطوي على دلالة هامة على أن واضعيه غير واثقين من إمكان تطبيقه بحذافيره، لذلك تراهم وقد أسبغوا في وضع الاستثناءات والاعفاءات حول العديد من أحكامه. وربّما هذه الملاحظة تقودنا إلى وضع قانون قيصر في موقعه الصحيح وهو اعتباره افتتاحاً لبازار المفاوضات والصفقات في زمن خفوت صوت المعارك. فهل ستندفع الأطراف الفاعلة في المشهد السوري في مسار التسويات –رغم صعوبته- أم أننا سنشهد الأثر المتدحرج لقانون قيصر؟