الثلاثاء , فبراير 25 2020

الكرد: مصير يتأرجح بوضعية الآيل للسقوط

الكرد: مصير يتأرجح بوضعية الآيل للسقوط

مازن جبور

الكرد، ومهما تأرجحت خياراتهم بين عواصم عربية ودولية سيدركون عاجلاً أم آجلاً، أن المفتاح لحل عقدة ملفهم الشائك الذي بات يقض مضاجعهم فيحول أحلامهم الانفصالية والدولتية إلى كوابيس، علها تجعلهم يصحون وسط الفوضى في تحديد وجهتهم المستقبلية، سيدركون أن المفتاح في دمشق.
اللافت أنه ووسط هذا السعي الكردي خلف واشنطن تارة وخلف باريس وموسكو تارة أخرى، وخلف العرب المعادين لسورية تارة ثالثة، لا تقطع دمشق علاقتها مع الكرد بل وتبدي استعدادها الدائم للحوار معهم، مما يجعل التمحص في الملف الكردي المتسارع في تطوراته والمتأرجح في تحولاته، ملفاً قابلاً للكثير من السيناريوهات والتأويلات، والثابت فيه أن الكرد مواطنون سوريون، وأن الدولة السورية ملاذهم ومصيرهم وهي الضامنة لمستقبل يكفل حقوقهم.
يواصل الكرد طريقهم نحو البحث عن مستقبلهم خارج عاصمة بلادهم دمشق، وسط اكتظاظ دولي لملء الفراغ في المنطقة التي يسيطرون عليها، ودائماً ما يكونون في المفاوضات الضابطة لهذا الاكتظاظ الدولي، ورقة مساومة، وظهرت خلال المرحلة السابقة، وخصوصاً بعد الحديث الأميركي التركي عن إقامة «منطقة آمنة» في شمال البلاد، الكثير من علامات التخبط الكردي، بدءاً من زيارة باريس وواشنطن وموسكو، وصولا إلى اجتماعات أربيل وسط حديث عن دفع أميركي للكرد باتجاه سيناريو الحوار مع أنقرة.
لعل ما استخلصه الكرد من هذه الجولات دفع ما يسمى «مجلس سورية الديمقراطية – مسد» للإعلان عن رغبته بـ«منطقة آمنة» تكون تحت «رعاية وإشراف دولي»، وأن يكون هناك «منطقة حظر جوي لشمال وشرق سورية»، ويأتي ذلك في وقت أكدت فيه «مسد» على الحوار السوري السوري، وعلى الحل السياسي وأن يكونوا ممثلين في أي حل سياسي تفاوضي تجاه سورية.
نلاحظ أن الكرد لا يقدمون مشروعاً ولا يقدمون اقتراحاً أو إعلاناً، إلا ويتركون مجالاً لفتح «خط رجعة» مع دمشق، الأمر الذي يؤكد وجود قناعة داخلية بأن لا مستقبل ولا استقرار للكرد من دون دمشق، وأن لا طاقة لهم على مواجهة أنقرة في الميدان، ومن ثم فإن مصيرهم من مصير دولتهم، فهي الحافظ لأمنهم ومستقبلهم والدافع للخطر عنهم.
في الوقت ذاته، وبما يتناقض مع الشق الأول من إعلان «مسد»، أكد المجلس على فتح علاقات دبلوماسية مع الدول العربية والإقليمية، والاستمرار في العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأميركية على الرغم من قرار الانسحاب، وهنا يجب التوقف عند احتمالية أن ما سمعه الكرد في واشنطن كان تأكيداً بأن الانسحاب الأميركي سيتم وهو ما ظهر في قول ترامب بالأمس أن الجنود الأميركيين الـ«2000» بدؤوا مغادرة سورية تنفيذاً لقراره.
من الملاحظ أن الكرد قرروا السير على خطا نصيحة أميركا لهم، بالحوار مع أنقرة وبعدم تشجيعهم على الحوار مع دمشق، فبدؤوا بالحديث عن فتح علاقات دبلوماسية مع الدول العربية والإقليمية، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المقصود بتلك الدول ليست إيران ولبنان على سبيل المثال، وإنما تركيا والعراق والخليج عموماً، باعتبار هؤلاء فاعلين في المنطقة ويدورون في الفلك الأميركي.
واتصالاً بنصائح واشنطن، وبما يتوافق مع إعلان الأولويات لدى «مسد»، فقد ترددت أنباء عن وصول وفد من «هيئة التفاوض» المعارضة إلى عاصمة إقليم كردستان العراق، أربيل، للقاء مسؤولين في الإقليم وبحث مستجدات الملف السوري والتطورات الأخيرة في سورية.
وهنا لا بد من إعادة التأكيد، على أن الفشل كان وسيبقى هو مصير أي مشروع انفصالي في سورية، هذا ما أثبتته التجارب خلال سنوات الأزمة السورية مع «الإمارات» و«الدويلات» التي دأبت التنظيمات الإرهابية على إقامتها، وهذا الجانب أكدته دمشق كما أكدته جميع القوانين والاتفاقات الدولية التي تخص سورية بأن وحدة وسلامة واستقلال أراضي الجمهورية العربية السورية، خط أحمر.
لابد من التذكير، بأن مجموعة المشاريع المطروحة من جانب بعض الكرد في سورية خلال سنوات الأزمة كانت مشاريع من جانب واحد وليس مسكوتاً عنها، إنما جرى ترتيبها تبعا لأولويات الدولة، وهو ما أعلنته سورية مراراً وتكراراً، وإذا كان بعض أكراد سورية يتحركون في حالة من الفوضى وخارج سيادة وأمن الدولة السورية، وفي زمن تمر به المنطقة بمرحلة تقاسم مصالح دولية، وهي بمجملها عوامل مثالية لنمو مشاريع انفصالية، عليهم أن يتذكروا أن مكونات المنطقة الشرقية من الكردية أو العشائرية، ليست سوى آلية تجاذب وتفاوض بين الفاعلين الدوليين في المنطقة، وأن الخريطة السياسية على الأرض يمكن أن تتبدل وبشكل مفاجئ، وقد كانت الموصل بعد الحرب العالمية الأولى من حصة فرنسا لبضعة أسابيع، ثم أصبحت من حصة بريطانيا، وبالتالي فإن الانخراط الكردي في خلافات الكبار لتحقيق مصالح سياسية مصيره الفشل.
ومن هنا تبرز المواطنة في دولة الحكومة المركزية، باعتبارها الخيار الأكثر ضمانة لمستقبل الأكراد من مغامرات المناطق الآمنة وحظر الطيران، وبالتالي يجب البحث عن حلول تتم ضمن الحضارة الواحدة لمشكلة واحدة، ويتمكن الجميع من الاندماج فيها.
حين يراهن الكرد على الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، من أجل إنقاذهم من التدخل التركي المزمع، يبدو المشهد وكأن كرد سورية لم يتعلموا من دروس الأزمة، فواشنطن التي يناشدون، دعمت هجوم الجيش التركي ضد القوات الكردية في جرابلس وسكتت عنه في عفرين ومناطق مختلفة غرب الفرات.
ورغم سعي الحكومة السورية الدائم للحفاظ على الحد الأدنى من التفاهمات مع الكرد في شمال وشمال شرق البلاد، إلا أنهم ما لبثوا أن انقلبوا على تلك التفاهمات، وأكثر من مرة، تحت إغواء واشنطن لهم، ورهانات قياداتهم عليها.
كل ما سبق، يجعل من المهم على الأكراد السوريين التدقيق في أسئلة مُلحَّة: هل دورهم وظيفي أم أساسي، وهل تصبح قواتهم أداة أميركية، تتنازل عنها متى اقتضت مصلحتها ذلك، وأي لجوء لواشنطن، وأي استجابة ينتظر ممن تاجروا بطموحاتهم؟
على الكرد السوريين ألا ينظروا باتجاه واحد، فلا يرون الانتصارات التي يحققها الجيش العربي السوري، ولا ينظرون إلى التحول في توازنات القوى وفي المصالح الدولية للأطراف الفاعلة في الأزمة السورية، ومن ثم لا يدركون أن المصلحة الحقيقية لكرد سورية مع الدولة السورية التي تعتبرهم أحد المكونات الرئيسية للمجتمع السوري.
كل ما سبق، يترك المشتغلين بالملف الكردي في حيرة أمام أسئلة رئيسية، أي مغامرة يخوضها أكراد سورية في استمرار رهانهم على واشنطن؟ وما السيناريوهات المحتملة للملف الكردي؟ هل خيار التفاهم مع دمشق، أم خيار الحوار المحفوف بالحرب مع تركيا، وبالنظر إلى عدم إمكانية خيار «المنطقة الآمنة» والحظر الجوي، وبالترافق مع مفاعيل الانسحاب الأميركي فإن مصيرهم سيبقى يتأرجح بوضعية الآيل للسقوط.
الوطن