الثلاثاء , فبراير 25 2020

سورية: المقاومة الاقتصادية

سورية: المقاومة الاقتصادية

محمد عبيد

ليس جديداً على الولايات المتحدة الأميركية فرض العقوبات الاقتصادية الأحادية ضد أي بلد لم يذعن لسياساتها أو لم ينفذ رغباتها أو حاول قادته الحفاظ على حد معقول من استقلالية قراره السيادي، وليس بالضرورة أن يكون هؤلاء القادة قد فكروا أو كانت لديهم نيات خفية لمواجهة سياسات واشنطن، إذ يكفي أن تعتبر الإدارة الأميركية الحاكمة أن هذه النيات موجودة كي تنقض على هذا البلد مستخدمة الإمكانات والأسلحة المتوافرة لديها.
هي سياسة قائمة على الاعتقاد بعظمة النموذج الأميركي وضرورة تعميم هذا النموذج كي يصير العالم أكثر حضارية وتقدماً ورخاءً! ولذلك تكون البلدان المواجِهة للسياسات الأميركية أمام خيارين يقودان إلى النتيجة نفسها: الخضوع بالقوة لتلك السياسات وبالتالي الإقرار بالطاعة والتبعية التي تؤدي إلى التحكم بكل مقدراتها وإمكانياتها البشرية والطبيعية والاقتصادية وحتى بمستقبل أجيالها، أو الرضوخ القسري للحصار السياسي والاقتصادي الذي يعطل قوة تلك البلدان ويمنعها من استثمار ثرواتها كما تقتل أحلام ومستقبل أجيالها.
لذا فالنفاد من معادلة الخضوع أو الإذعان الصعبة أمر ليس بسهل لكنه أيضاً غير مستحيل، فالتجارب التي مرت بها البلدان التي استهدفتها الغزوات الأميركية العسكرية والسياسية والاقتصادية من كوريا إلى فيتنام إلى كوبا إلى مصر عبد الناصر إلى إيران إلى سورية، أثبتت القدرة على تحدي هذه المعادلة من خلال الاستثمار في القدرات الذاتية لشعوب البلدان المستهدفة وثقتهم بإمكانية العيش الرغيد والحر خارج منظومة «الحلم الأميركي».
منذ أربعين عاماً وغداة إعلان انتصار ثورته، قرر الشعب الإيراني إسقاط المعادلة المذكورة معتمداً على أمرين أساسيين: الأول، التماهي بين قيادة الثورة ورجالاتها وبين شرائح هذا الشعب التي شكلت القوة الدافعة لهذه الثورة، وخصوصاً في المرحلة الانتقالية بين نجاح الثورة وتثبيت مشروع الدولة مع ما رافقه من حروب مباشرة أو بالوساطة شنتها الولايات المتحدة الأميركية لإجهاض مفاعيل هذه الثورة. والثاني، الاتكال على الذات سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وغذائياً وتكنولوجياً، بحيث تمكن الشعب الإيراني من ابتداع الآليات والوسائل التي مكنت إيران من أن تصبح قوة إقليمية، لكن الأهم أن هذه القوة حرة ومستقلة.. منذ أكثر من أربعين عاماً بُعيد قيادة الرئيس الراحل حافظ الأسد للحركة التصحيحية التي شكلت تأسيساً لمشروع نهوض سورية، والشعب السوري يتنقل بين حرب وحرب وبين حصار وحصار إلى أن بلغ الاستهداف الأميركي ذروته في هذه الحرب الكونية التي مازالت تُرخي بثقلها العسكري على بعض الأراضي السورية، كما تُلقي بتبعاتها الاقتصادية والمعيشية على مختلف شرائح الشعب السوري.
بين حنكة الرئيس الراحل حافظ الأسد وإقدامه وصموده وبين شجاعة الرئيس بشار الأسد وثباته على خياراته وقدرته على إدارة المواجهة ضد المشروع الأميركي، استطاعت سورية بشعبها وجيشها وقواها الأمنية وتعاضد وتكامل حلفائها وأصدقائها معها أن تهزم فعلاً هذا المشروع على المستوى العسكري، كما نجحت في منع تقسيم سورية أو إلحاقها بركب التابعين لواشنطن من عواصم عربية وإقليمية.
لذلك لم يكن مفاجئاً أن تلجأ الإدارة الأميركية إلى الانتقال إلى الأسلوب الأميركي القديم-المتجدد بإطباق الحصار السياسي والاقتصادي على سورية في محاولة لتعويض اضطرارها لاتخاذ قرار الخروج الأحادي المُذِل والارتجالي من الأراضي السورية. ولتحقيق ذلك سارع أركان هذه الإدارة إلى منع معظم الأنظمة العربية من الاستمرار باندفاعتهم نحو تجديد التواصل مع دمشق، وقد لعب النظام السعودي دوراً مركزياً في تنفيذ المنع الأميركي من خلال الضغوطات المباشرة التي مارسها على الأنظمة العربية الأخرى لتجميد رفع مستوى العلاقات الثنائية كذلك لتأخير استعادة سورية لمقعدها في جامعة الدول العربية.
خافت واشنطن أن تمنح عودة العلاقات العربية دمشق مساحة سياسية تفك عبرها «عزلتها» كما يحلو لها أن توصفها! إلا أنها خافت أكثر أن يُغري مشروع إعادة الإعمار الكثير من الحكومات والمستثمرين العرب، وخصوصاً أنهم سيحاولون التكفير عن خطاياهم تجاه سورية باسترضائها في المساهمة في هذا المشروع. ما يعني أن القوانين التي يقرها المشترع الأميركي لتضييق الحصار الاقتصادي على سورية ستذهب هباءً، إضافة إلى صعوبة تحقيق المبتغى من العقوبات على طهران في وقت تكون فيه دمشق خارج دائرة ارتدادات هذه العقوبات.
هو وجه آخر من التحدي السوري للمشروع الأميركي يستوجب تماسكاً أقوى بل تماهياً أعمق بين القيادة السورية رئيساً ومجلساً للشعب وحكومة وبين الشعب السوري، فالأخطر أن ينجح أعداء سورية في زعزعة مقاومتها الاقتصادية وتوهين ثقة الناس بالدولة بعد أن فشلوا في تحقيق الانتصار عليها عسكرياً وسياسياً وكيانياً.
الوطن