الأربعاء , أكتوبر 23 2019

هل قضى ترامب على أيديولوجيا الإرهاب؟!

هل قضى ترامب على أيديولوجيا الإرهاب؟!

د. وفيق إبراهيم

أصبحت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب رتيبة ومملة، تقتحم آذان الناس فيستمعون إليها على سبيل الواجب من دون الاكتراث بمضمونها. آخر إبداعاته اللغوية ما ورد في خطابه الأخير في «حال الاتحاد» حول نجاح بلاده في القضاء على أيديولوجيا الإرهاب في الشرق الأوسط، مؤكداً أنّ التنظيم لا يزال في بؤر صغيرة في شرق سورية لا تتعدّى مساحتها العشرين ميلاً مربعاً. وكشف أنّ الأسبوع المقبل هو موعد نهاية داعش.

للتوضيح فإن داعش وريثة «القاعدة» المشتقة بدورها عن القراءة الوهابية في الإسلام، والتي ترتقي إلى بعض أنواع التفسيرات من أئمة في عصر المماليك، واستعملت أفكارهم الدولة العثمانية التي كانت تؤجج الصراعات المذهبية والطائفية لإضعاف الناس وتمتين حكمها.

وهذا الفكر الذي يرفض «الآخر» لأي جهة انتمى، نجح في التشكل التنظيمي على مستويي دولة الخلافة، إلى جانب بناءات سرية تؤدي دوره «الذئاب المنفردة» في مراحل التراجع.

هناك سؤالان ينبثقان بديهياً لإظهار الطريقة التي أمنت لداعش السيطرة على العراق وسورية، وهويات القوى التي هزمته.

احتاج داعش للسيطرة على العراق، لتأييد دول حدودية وأموال وسلاح ومواصلات وتغطية. هذا ما أمنته تركيا والسعودية والاحتلال الأميركي للعراق. فكيف يُمكن لعشرات آلاف الإرهابيين أن يخترقوا الحدود العراقية من جهة تركيا ويحتلوا كل تلك المناطق بما فيها مدينة الموصل، وسط مراقبة دقيقة من القوات الأميركية؟ وكيف تابعوا تقدمهم حتى مشارف العاصمة بغداد.. من دون أي تذمر أميركي ووسط تهليل سعودي ـ قطري و.. عثماني من المراكز الدينية والسياسية في هذه البلدان، الداعشية؟!

وهكذا استقر التنظيم في العراق معلناً الحرب على الدولة العراقية، «المجوسية».. متجنّباً أيّ إساءة «لغوية» أو عسكرية للاحتلال الأميركي.. فهو أكثر من صديق كما يبدو في المعطيات المذكورة. لجهة سيطرة التنظيم على سورية، فهي مشابهة لما جرى في العراق، تغطية أميركية كاملة، سمحت لتركيا بفتح حدودها لأكثر من مئة ألف إرهابي بتمويل سعودي ـ قطري، تولى تغطية السلاح والمال والرواتب والإشراف الديني. ونظمت الانتقال إلى الداخل السوري المخابرات التركية والأميركية.. وإلا كيف يمكن لكل هذا العديد الإرهابي الضخم العبور من حدود تسيطر عليها تركيا وأخرى عراقية تحتلها قوات أميركية من دون رعاية واشنطن لهذه الأدوار الإرهابية في الشرق الأوسط وبعناية فائقة؟

هناك نقطة أخرى تكشف مزاعم ترامب. فخلال المرحلة بين 2014 و2017.. لم يحدث أي صدام أميركي ـ داعشي في سورية.. كان التنظيم الإرهابي يهاجم الدولة السورية والمدنيين كما كان يفعل في العراق.. وكان هناك جوار جغرافي مفضوح بين القوات الأميركية والأكراد.. والإرهابيين.

الواضح أنّ نجاح الجيش السوري مع حلفائه الروس والإيرانيين وحزب الله في تدمير داعش وملحقاتها من كامل الغرب السوري وصولاً إلى مدينة حلب وحدودها مع الاحتلال التركي للشمال.. هذا النجاح أدى إلى مسارعة الأميركيين لدعم حرب كردية على داعش في بعض أنحاء الشرق مع إسناد من تحالف دولي مشيّد بالمقابل تمسكت تركيا بالمنظمات الإرهابية المشتقة من القاعدة ومثيلاتها ولا تزال ترعاها حتى اليوم بتغطية أميركية.

لذلك فإن الدولة السورية التي تمسك بثمانين بالمئة من مساحة بلادها هي التي أنهت الانتشار الأكبر لمئات آلاف الإرهابيين وحررت المساحات الأساسية من خلافتهم المزعومة. الأمر الذي يظهر كيف يحاول ترامب سرقة انتصارات الآخرين، موهماً بأنّ مشروع سحب قواته من سورية، إنما يأتي نتيجة طبيعية لانتصاره. فيما تكشف الوقائع المذكورة أنّ هذا الانسحاب ناتج من وصول المشروع الأميركي بتفتيت سورية حائطاً مسدوداً. وأصبح مكلفاً من دون إمكانية تحقيق النتيجة السياسية المطلوبة. لذلك تبدو تصريحات ترامب بعيدة عن الموضوعية. وهذا ما أكده فريق مراقبي عقوبات الأمم المتحدة الذي كشف أنّ داعش لم تهزم ولا تزال تملك بين 14 ألف مقاتل إلى 18 ألفاً.. وأكد عليه قائد القوات الأميركية جوزيف فوتيل الذي أشار إلى أنّ داعش لا يزال يحتفظ «بعديد ومقاتلين وقادة ووسطاء وموارد».. وأيده في هذا المجال وزير الخارجية الأميركي بومبيو.

هناك إذاً، استمرار للوجود الداعشي. ولا يكفي استقبال البابا فرنسيس في الإمارات حتى تزعم أنّ الفكر الإرهابي الإسلامي الرافض للآخر ولى إلى غير رجعة.. كما أنّ تنظيم حفلات فنية لمطربين ومطربات وراقصات في السعودية ليس مؤشراً على انهيار الفكر الديني الوهابي المتطرف في السعودية، فهذه ليست إلا محاولات سطحية لإيهام الرأي العام الغربي بالطابع المنفتح لهذه الدول التي لا تزال ترعى القاعدة في اليمن وليبيا وتونس وسورية والعراق… وتمولها في جنوب شرق سورية مع بؤر لداعش في تلك المناطق.

إنّ هذا الإرهاب الإسلاموي موجود في مخابرات السعودية وقطر وتركيا بالتعاون مع المخابرات الأميركية.. وهذه حقائق لا تدخل في إطار التحشيد والدعاية.

وعندما يقول الوزير بومبيو بوقاحة لا نظير لها إننا عائدون إلى سورية وبلدان أخرى قريباً، فهذا لا معنى له إلا بوجود تحضير لمشروع أميركي جديد يجري التحضير له بين الأميركيين وحلفائهم في مؤتمر وارسو الشهر الحالي.

هذه ليست فرضيات شعبوية.. عودة إلى السبعينيات عندما ساند الأميركيون والسعوديون منظمة «القاعدة» لمحاربة الجيش السوفياتي في أفغانستان واسألوا الأميركيين كيف يعلنون انتصارهم على داعش ويفاوضون قريبتهم «طالبان» المتحدّرة مثله من القاعدة..؟ فهل هزم الأميركيون طالبان أيضاً بعد 18 عاماً على احتلالهم أفغانستان؟ لذلك يمكن الجزم أن المشروع الأميركي في سورية والعراق وأفغانستان متعثر ومتقهقر.. بدليل الإعلان الترامبي عن انسحابات وشيكة تعكس هذا الفشل.

وما يتوجّب التنبيه له، هو أنّ المشروع فشل في مناطق محددة وليس على مستوى الامبراطورية الأميركية.. التي تحتاج هزيمتها بشكل كامل إلى حلف روسي ـ صيني ـ إيراني ـ سوري ـ عراقي هو حلف الضرورة القادر على إعادة التوازن والاستقرار إلى القرار الدولي.
البناء