الجمعة , ديسمبر 13 2019

ما بين الصراع الأميركي-الصيني والتفكك الاوروبي!

ما بين الصراع الأميركي-الصيني والتفكك الاوروبي!

عباس ضاهر

تبدو ظاهر المواجهة الدولية قائمة بين الأميركيين والروس، خصوصا ان واشنطن رفعت من حجم العقوبات الاقتصادية بحق موسكو. وجاءت الحملة التي شنتها “الدولة العميقة” في ​الولايات المتحدة​ ضدّ الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​، لتزيد من حجم التأزّم مع الروس الذين اتهمتهم تلك “الدولة العميقة” أنهم تدخلوا بالانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة لدعم ترامب في معركته الانتخابيّة. صار ​البيت الابيض​ بموقع المدافع عن سيّده، الى حدّ الانغماس في الحرب السياسيّة والاقتصاديّة على روسيّا خشية من اتّهام ترامب انه “صنيعة موسكو”. لكن الحرب الأميركيّة ضد المصالح الروسيّة، لا تخفي الصراع الجوهري القائم بين واشنطن وبكّين.

يدرك الأميركيّون أن الخطر الحقيقي القادم اليهم اقتصاديًّا، وسياسيًّا، لتقليم أظافرهم في مساحات دوليّة واسعة، هو ناتج عن تمدّد النفوذ ​الصين​ي الصامت في العالم. فلا يقتصر الامر على السباق الجاري في بحر الصين، بل يتجاوزه الى حدود الصّراع القائم في مناطق عدّة، منها ​الشرق الأوسط​. ولذلك، أقدم ترامب على الإنسحاب من معاهدة الصواريخ الثقيلة والمتوسّطة، فردّت ​روسيا​ بالانسحاب من الاتفاقيّة ايضا، اضافة لاتّخاذ قرار للرئيس الروسي ​فلاديمير بوتين​ بزيادة الانتاج الصاروخي الحديث والمعدّل، كصواريخ “كاليبر”.

لم يكن الهدف الأميركي من الانسحاب الأحادي، في الشّكل والجوهر، الاّ استهداف الصين، الّتي هي خارج المعاهدة المذكورة، ويتّهمها البيت الأبيض بأنّها تطوّر قدراتها ومنظوماتها الصاروخيّة من دون رادع ولا حدود او ضوابط. ما يعني ان الرئيس الأميركي فتح المعركة مع الصين التي تشكّل هاجسا للاميركيين، بعد تقدم بكّين سريعا في السنوات الأخيرة الماضية.

واذا كانت واشنطن تحدّ من قدرات الصينيين، فإنّ ​اوروبا​ ستكون مشغولة بوحدتها المهدّدة الى حدّ تفكّك محتمل للإتّحاد الاوروبّي، كما ظهر في النزاع بين الفرنسيين والإيطاليين، بعد دعوة روما ممثّلين لحراك “السترات الصفراء”، الأمر الذي اعتبرته باريس تدخلاً في شؤونها، فرض استدعاء ​فرنسا​ لسفيرها في ​ايطاليا​ احتجاجاً. لكنّ تلك الخطوات، تخفي خلفها سباقاً واتّهامات سياسيّة بين قطبين اوروبيين، بإعتبار ان العقدة التاريخية بين البلدين عادت لتطفو على سطح العلاقات بينهما. ليبدو أنّ ​الاتحاد الاوروبي​ معرض للاستهداف، خصوصا ان خطاب الكيانيّة اليمينيّة، يتظهّر على مساحة كل دولة اوروبيّة، بالتزامن مع الخطاب الترامبي الأميركي الذي يرضى عنه الشعب داخل الولايات المتحدة. فهل تقود تلك الخطابات والسياسات الى حروب بالمفرّق؟.

الأكيد أن الانشغال الاميركي، على صعيد ​سياسة​ البيت الأبيض، سيكون بمواجهة التمدّد الصّيني، وعلى صعيد “الدولة العميقة”، سيكون بمكاسرة روسيا. أما الاوروبّيون فسيكونون مشغولين بإتّحادهم المهدّد بالتفكك. واذا كان النزاع قائما بين فرنسا، وايطاليا، ركني الاتحاد في ثلاثي القوّة الأوروبّية الى جانب ​المانيا​، فإن كل الوحدة الاوروبية ستتعرض للانتكاسة الكبرى. عندها، ستصبح الاوزان معدومة، فتتسابق الدول الى تأليف أحلاف لا ترتبط بجغرافيا، ولا بقوميّة، بل بحسب المصالح السياسيّة والاقتصاديّة. لكن من المبكر الجزم بذلك. فالمراقبة الآن هي لمسار السياسات الأميركيّة، الصينيّة، الروسيّة، بالدرجة الأولى. انها مرحلة الرصد والتشخيص.
النشرة