الأربعاء , أغسطس 21 2019

ماذا لو لم تقع هذه الحرب على سورية؟

ماذا لو لم تقع هذه الحرب على سورية؟

باسل ديوب

سؤال مشروع جدا ونحن على أعتاب نهايتها، ماذا لو لم تقع هذه الحرب على سورية؟

في تشرين الأول العام 2009 عُقد في مدينتي حلب السورية وعينتاب في تركيا الحالية، على مرحلتين، الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي عالي المستوى بين سورية وتركيا، وتمخّض عنه الاتفاق على إعداد مشاريع أكثر من ثلاثين اتفاقية، ومذكرة تفاهم، وبروتوكول.

حيث توجهت الطواقم الوزارية السورية والتركية من حلب إلى نقطة الحدود شمال إعزاز لتشارك وزيري خارجية البلدين «وليد المعلم» و»أحمد داوود أوغلو»، في رفع حاجز خشبي يرمز إلى فتح الحدود بين البلدين والشعبين الجارين، وإلغاء سمة الدخول (الفيزا) في مشهد تاريخي للقاء الجيران، كناية عن إنهاء القطيعة التي استمرت زهاء قرن تقريبا، منذ الغزو الغربي لبلادنا وللسلطنة العثمانية التي كنا جزءا منها. وانتقل الجميع بعد ذلك إلى مدينة عينتاب التي كانت جزءا من ولاية حلب لمتابعة الاجتماعات.

ويومها كنت في عداد الوفد الإعلامي السوري وتعمدت الاحتكاك بأكبر عدد ممكن من السكان في عينتاب، من عرب وأتراك وغيرهم، حيث كان الحماس للتقارب لا يقل عن حماس السوريين.

ولو كان هذا الحاكم ورهطه مؤمنين حقا بالانتماء للمنطقة والتقارب الصادق من دون مطامع إمبراطورية، ومن دون شن هذه الحرب التي لم يكن لها لولا الدور التركي أن تستمر أكثر من أشهر قليلة، فإنه مما لا شك فيه أن وجه المنطقة وسورية على وجه الخصوص، كان تغير للأفضل من كل النواحي. فقبل أي شيء، لم يكن هنالك مجال لهذا النزيف المرعب لدماء السوريين والعرب ودمار بلادهم، وإنهاك الجيش العربي السوري والمقاومة العربية لإسرائيل، في معركة جانبية ظالمة وخبيثة، وتسديد طعنات رهيبة للنسيج الوطني السوري بغية تمزيقه وتقسيمه طائفيا وعرقيا.

بل إن انخراط تركيا في المنطقة على أسس قيم الأخوّة الإسلامية وحسن الجوار وتبادل المصالح كان سيعادل نسبيا، بل وربما يتفوق على عودة إيران إلى الشرق العربي وقضاياه بعد إسقاط الشاه، والتي عوّضت غياب مصر عن الصراع بعد كامب ديفيد.

وهذا كان يعني انقلاب المعادلات والتوازنات بمواجهة «إسرائيل»، وبداية تطبيق حقيقي لنظرية البحار الخمسة التي سعى إليها الرئيس السوري «بشار الأسد»، والتي من الطبيعي أن تجعل هذه المنطقة من العالم التي تضم أعرق الأمم الإسلامية، أي العرب والفرس والترك، وتملك ثروات باطنية هائلة وموقعا استراتيجيا ممتازا… تجعلها مجددا قلب العالم فتُحْيِي طريق الحرير القديم مع الصين التي تتقدم صاروخياً في الاقتصاد العالمي، وترى في روسيا جاراً وحليفاً يسعى للتكامل والتعاون بشروط أفضل من شروط الغرب.

لنتخيل ما كان يمكن أن يكون عليه الحال في حلب وسورية عموما، لولا الغدر الأردوغاني وشن الحرب …

في المجال الاقتصادي، لا شك أن تزايد أعداد المعامل الضخمة في مدينة الشيخ نجار الصناعية الأكبر من نوعها في المنطقة وفي غيرها من المدن الصناعية السورية، سيكون بديهيا، ومتابعة تطور الصناعات السورية من نسيجية وكيماوية وهندسية وغذائية، والتي تملك ميزات تنافسية في أسواق العراق والخليج العربي وعدد من البلدان.

كما أن قطاع السياحة في هذه المدينة العريقة وفي كل سورية كان سيشهد تطوراً كبيراً، بعد فتح الحدود وتطوير العلاقات مع تركيا التي تستقطب أكثر من عشرة ملايين سائح أجنبي، ومتابعة ترميم الأوابد المعمارية في حلب القديمة، التي تعدّ من التراث العالمي الذي تسعى منظمة اليونيسكو للحفاظ عليه، بدلاً من الخراب المتعمد الذي لحق بالمدينة القديمة، وأسواقها الفريدة من نوعها في العالم، الخراب الذي كانت اليد الطولى فيه لتركيا عبر أدواتها الميليشياوية الإرهابية، التي لم تتورع عن سرقة محراب الجامع الأموي المعروف بجامع سيدنا زكريا و إرساله إلى تركيا .

وعلى الصعيد العسكري كان من دواعي سرور سورية كما عبّر وزير الخارجية وليد المعلم حينها قيام تركيا بإلغاء مناوراتها الجوية مع العدو «الإسرائيلي»، وعقد اتفاقيات لتطوير الصناعات الدفاعية، الأمر الذي لاقى ترحيبا سوريا كبيرا، فنأي تركيا بنفسها عن «إسرائيل»، ووقف أو الحدّ من التحالف العسكري معها يعني مكسبا استراتيجيا لسورية.

كما أنه من الطبيعي أن تتابع سورية من دون حرب تطوير قدراتها الدفاعية، وأن تبقى متمتعة بقوة ردع عمادها الأسلحة غير التقليدية، والتي لم يكن ليتم التخلص منها، والانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لولا هذه الحرب بل إنه من أهم أهداف الحرب هو انتزاع عوامل القوة العسكرية من سورية.

لو لم تكن هذه الحرب الظالمة لكانت سورية تحثّ الخطى بتسارع كبير نحو تحقيق قفزات هائلة في معدلات النمو، دون إقراض استعبادي من البنك وصندوق النقد الدوليين لتشكل نموذجا في الاستقلال والسيادة والتنمية، ورغم هذه الجريمة الكبرى فإن سورية ستسترد عافيتها وتنطلق مجددا لتكون نبراسا للدول العربية والعالم …

يحق لنا كسوريين أن نتخيل ماذا لو لم تقع الحرب؟! وهو أمر يعني صقل الذاكرة والتجربة التي عشناها، وتبيانا لحجم الكارثة وضرورة استخلاص الدروس والعبر، لتلافي إمكانية اختراق المجتمع والدولة مجددا.

ولكي نتمكن من التأسيس لبنيان أقوى وأشد قدرة على مقاومة المخططات المعادية، ففي الشمال جارُ التاريخ والجغرافيا الذي لا يقبل إلا منطق الهيمنة والابتلاع، والعمل رأس حرب لحلف الناتو، وفي الجنوب هنالك العدو الدخيل المدجج بكل أنواع السلاح والمتمتع برعاية غربية مطلقة.

نعم لو لم تقع هذه الحرب لكانت سورية أجمل وأقوى، ومع ذلك ورغم الحرب فإن سورية ستخرج منتصرة، أقوى وأجمل، بتلاحم شعبها وجيشها وقيادتها وإخلاص أصدقائها وحلفائها، وكل القوى المحبة للسلام في العالم.
الأيام