الخميس , أغسطس 6 2020

الدمية العثمانية

الدمية العثمانية
نبيه البرجي
مثلما تعالى في مؤتمر ميونيخ نعيق الغربان، الغربان بالياقات البيضاء، تناهت إلينا من القاعة، أو من الزوايا، أصوات تعكس المقاربة العقلانية لعذابات الشرق الأوسط.
قناعة قاطعة بأن الذين لعبوا بالنيران في سورية يتساقطون الواحد تلو الآخر، الدولة في سورية وحدها من تتولى إرساء الاستقرار الداخلي على المستوى الجيوسياسي، وانطلاقاً من الدور الذي اضطلعت به قبل الأزمة، إعادة التوازن في المنطقة يبدأ من دمشق.
حديث عن التنوع، عن الرقي، في العلاقات، لا جدران، لا أقنعة، لا كراهيات لا «جاهليات» كانت تحكم المشهد السوري. كل المؤشرات كانت تؤكد أن هذا البلد يقترب من أن يكون النمر في غرب آسيا. هذا هو الممنوع في الأدبيات الإمبراطورية، يفترض بالدول العربية أن تبقى رهينة الأسواق، مثلما هي رهينة الأقبية. اختزالاً.. رهينة القرون الوسطى!
قيل، ما من مجتمع كان، ويبقى، أكثر ديناميكية، على الصعيد السوسيولوجي، من المجتمع السوري الذي تعرّض، بفعل الأداء السياسي المضاد للارتهان، لكل أشكال العقوبات. العقوبات العمياء ليست بـ«الموضة» الحديثة أو المستحدثة.
تالياً، إما أن نكون في العربة الأخيرة من القطار الأميركي أو لا نكون.
كم بدا السوري رائعاً حين كسر التابو. بطبيعة الحال، لا بد للعقوبات، في ظل سيطرة الولايات المتحدة على «مفترقات الطرق»، وبفلسفة قطاع الطرق، في الكرة الأرضية، أن تحد من الإيقاع الصناعي أو التكنولوجي، على الرغم من ذلك، حققت الصناعة إنجازات مذهلة.
تسنى لي أن أحضر أكثر من مؤتمر في مدينة حلب، الحاضرة الكبرى في طريق الحرير، زرت مع أوروبيين عدداً من المصانع التي كانت تضاهي في مواصفاتها، وفي منتجاتها، أرقى المصانع في العالم. الأوروبيون كانوا يعلمون ذلك، بعضهم كانوا شركاء في مشاريع صناعية مهمة تدليلاً على الثقة بالمسار الذي يأخذه هذا القطاع الإستراتيجي.
«الايكونوميست» البريطانية التي إذ رأت أن كل دول العالم، بما في ذلك أميركا، مصابة بـ«أنفلونزا الاستدانة» تحت ضغط الارتجاج الأمني، والاجتماعي، والاستهلاكي، توقفت عند «الظاهرة السورية»، حيث لا مجال لـ«الأصابع الغليظة»، أي أصابع المؤسسات المالية الدولية، للعبث في العملية الاقتصادية، والدفع نحو «إستراتيجية اللهاث».
هذه الإستراتيجية المبرمجة لإبقاء الدول النامية بين براثن أباطرة السوق.
في ميونيخ، وفي زوايا المؤتمر، كلام كثير عن سورية التي هي نقطة الانطلاق في أي شبكة أمان، امتداداً إلى دول أوروبية ما زالت تلاحقها لوثة القرن التاسع عشر، وكان أن تواطأت من أجل تفجير سورية كمدخل لإعادة الزمن إلى ما قبل الزمن.
أين كان رجب طيب أردوغان في المشهد؟ إذا كان العرب قد اكتشفوا، بعد فوات الأوان، أن المال الغبي كان في خدمة السلطان العثماني، فمتى يكتشف هذا الرجل أن كل ما يفعله في سورية خدمة للباب العالي في واشنطن لا في إسطنبول؟
هذا إذا كان قد قرأ لجنكيز تشاندار تساؤله، لدى اندلاع الأزمة، ما «إذا كنا ندري أننا نلعب دور الدمية، الدمية العثمانية، في حضرة اللورد الأميركي»، ثم قال: «هل إن دونكيشوت يمتطي حصانه الخشبي لكي يحارب طواحين الهواء أم ليلاعب طواحين الدم»؟
دول عربية، دول الغيبوبة، وقد استساغت البقاء (إلى متى؟) في العربة الأخيرة، لعلها فقدت البصر والبصيرة. هل يمكن للتقهقر في الموقف، التقهقر في الرؤية، التقهقر في القيم، أن يبلغ ذاك الحد من التواطؤ؟ حتى الأميركي روبرت كاغان الذي يسخر من «بعض السياسات الحليفة» استخدم مصطلح «التواطؤ الخلاق».
إلى متى السكوت، سكوت الموتى، على الدمية العثمانية؟
الوطن