الأحد , أغسطس 18 2019
الخلود الالكتروني

الخلود الالكتروني… لا موت بعد الآن؟

الخلود الالكتروني… لا موت بعد الآن؟

منذ آلاف السنين كانت أفكار الإنسان البدائي عن عالم ما بعد الموت مُرعِبة، وتُحيط بها كميات هائلة من الخُرافات والأساطير. ومع تطوّر العلوم والتقنيات والثورة الصناعية التي روَّضت الإنسان ليُصبح حديثاً، ما زالت فكرة الموت مُرعِبة. اليوم، نحن في مرحلة ما بعد الحَدَاثة، وما زال الإنسان على الرغم من تطوّره الخطير وتعاقُب الألفيات عليه، يخاف من فكرة الموت والفُقدان. هذا القَهْر المحتوم الآتي باتفاق كل طوائف العالم ومذاهبه واختلافاته جعلت منّا كائنات تهجس بالموت، كما تهجس بالخلود. {الموت والخلود} العلاقة الثابتة التضاد والنفور، حاولت التكنولوجيا التغلّب على الفكرة وابتداع طُرُق جديدة للبقاء والنجاة، لم تنجح بعد، لكنّها لن تبقى مكتوفة الأيدي!

التطبيقات الذكية أكثر مما نعتقد قد تحلّ عقدة كونية، عقدة الزوال، والاختفاء المُفاجئ لأشخاصٍ بقوا معنا لوقتٍ طويل. التطبيقات هذه قد تنقذ أهلنا وأصدقاءنا الذين نخاف من فُقدانهم في الطريق، قد يستطيع الذكاء الاكتروني أن يُعيد إلينا أصوات مَن رحلوا، ويُذكّرنا بتصرّفاتهم وطريقة تفكيرهم وأذواقهم وعاداتهم، وقد ينفذ إلى أن يُحاكي شخصية ميتة!

هل تتخيّل عزيزي القارئ هَوْل الفكرة؟ هل تُصدِّق أن تطبيقاً الكترونياً قد يُعيد إليك حكايات جدّتك التي لا تريد فُقدانها؟ هل تُصدِّق ألا غياب تام لصوت أمّ أو أب أو صديق، هل تحلّ عقدة الفِراق التي أقسم الخالق علينا بأنها آتية لا محالة؟ أليس الخالق هو مَن قرَّر “قَهْر عباده بالموت والفناء”؟ الأنجيل قال إن “الموتى لا يرون ولا يسمعون ولا يُفكّرون”، فهل تستطيع التكنولوجيا أن تُبدِّل المفاهيم التي تكون عليها وعي البشرية بفكرة الموت؟

في العام 2016، طوَّرت شركة ناشِئة تحمل إسم Luka ذكاء اصطناعياً مُتطوِّراً على شكل chatbot يساعد في التحدّث مع أصدقائك الموتى والتفاعُل مع شخصياتهم. ووفقاً لموقع “ديلي ميل” البريطاني، قالت المؤسّس الرئيس للشركة “أوجينيا كايدا” إن الذكاء الاصطناعي الجديد الذي تمّ تطويره سيكون مُنتشراً بقوّة فى المستقبل، فالتقنية الجديدة تعتمد على سجلّ الرسائل بين الطرفين وإدخال كافة المعلومات والمواصفات والميول الخاصة بالصديق المُتوفّى، ومن خلال هذا الكمّ من البيانات ينتج الذكاء الاصطناعي شخصية تُحاكي الشخص المُتوفّى ويتحدّث بها ويتفاعل مع الأصدقاء.

بعد انتشار الخبر، تابع عدد من المواقع الأميركية الموضوع، حيث عرض موقع The verge مقالاً بعنوان “عندما توفيت صديقة لها أعادت بناءها مستخدمة الذكاء الاصطناعي!”. كما تابع موقع “نيويورك بوست” القضية في العام 2017 وتكلّم عن برنامج الـ chatbot الذي “يُتيح لك التحدّث إلى الموتى!”. لكن أين أصبح هذا التطبيق المُنتَظر منذ 3 سنوات؟ وهل تصبح مثل هذه التطبيقات حقيقة فعلاً؟

الدكتور في علوم الكمبيوتر، والإلكترونيات، والباحِث في المفوضية الفرنسية للطاقة الذرية أحمد عودة، يؤكّد في حديث لـ الميادين الثقافية أنه “لن يمر وقت طويل قبل أن تكون بعض التطبيقات الذكية قادرة على أن تُحاكي شخصاً ما – اعتماداً على ما تمّ – على مدى حياته، من تسجيلات لصوته، وتجاربه البصرية والسمعية، وما أعرب عنه من آراء وأذواق، وعاداته اللغوية، والملايين من الوثائق الرقمية، وما شابه ذلك، إلى الدرجة التي يمكن للمرء عندها أن يتواصل مع الرفيق الاصطناعي حتى بعد وفاته، من دون أن يلاحظ، أو حتى يتجاهل عمداً، أي اختلاف ملموس. مما سيُمكّن إلى حدٍ ما أن يجعل المرء خالداً إلكترونياً”.

وعمّا إذا كان هذا التطبيق (الأحجية) ممكن التحقق، قال عودة إنه قابل ليصبح حقيقة بنسبة كبيرة، لكنه يجب أن يخضع أكثر للبحث لاكتشاف مدى فعاليته حقاً، مُعتبراً أنه يتعلّق بنسبةٍ كبيرةٍ بـ “الداتا” التي ترتبط بحسابات الشخص المُتوفّى، وهذا يعني أن أي شخص لا يوجد لديه حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي لا يمكن أن يشمله هذا التطبيق.

في الظاهر يشجِّع هذا التطبيق أياً كان على انتظاره بشغف، لا سيّما أن سماع صوت الذين رحلوا أو البقاء على عاداتهم فكرة مثيرة جداً. بحسب عودة، فإن الإيجابيات كثيرة، خصوصاً إذا عالج هذا التطبيق حياة شخصية سياسية أو ثورية مهمة جداً، والناس لا تتمنّى موته! واعتبر أن الفكرة ما زال يلزمها الخضوع لبحثٍ أكبر، حتى تصبح حقيقة وفعّالة.

الدكتور في علوم الكمبيوتر، والإلكترونيات، والباحِث في المفوضية الفرنسية للطاقة الذرية استرجع سؤال “بياتريس” في بداية مسرحية شكسبير (جعجعة بلا طحن): “مَن هو رفيقها الآن”؟ لم تكن بياتريس لتقبل بأن تكون الإجابة عن سؤالها هي “رفيق اصطناعي”، ويظنّ أن “الأجيال القادمة ستجد أن هذا الأمر لا تشوبه أيّة إشكالية. ستكون مهمتنا هي ضمان أن يكون الانتقال من سؤالها إلى إجابتهم مقبولاً قدر الإمكان!”.

المصدر : الميادين نت