الجمعة , أكتوبر 18 2019

نارام سرجون:في الجزائر .. ان بعض الشعب على خطأ .. مع فائق احترامي

نارام سرجون:في الجزائر .. ان بعض الشعب على خطأ .. مع فائق احترامي

نارام سرجون

من يجرؤ على تأثيم الشعب ؟؟ ومن لديه الجسارة ان يرفع عينيه في وجه الشعب ؟؟ ومن لديه القوة كي يشير بسبابته بالاتهام للشعب ويقول له لست دوما على صواب ؟ ومن يقدر على المجازفة في مواجهة كلمة الشعب وانفعاله ؟؟

انه أنا .. وسلطتي على الشعب ليست انني وصي عليه ..بل سلطتي عليه قائمة من واجبي الأخلاقي ككاتب حر كما هو واجب الطبيب ان يعطي اللقاح لجميع الناس الذين يداهمهم وباء لا يد لهم فيه وأن يسقيهم نقيع السم حتى اذا كانوا لا يستسيغون مذاقه .. وأكثر من ذلك هي انني احب الشعب وأخشى عليه .. فللحب سلطة لا تفوقها سلطة تبرر لي أن أعاتب وأن ألوم وأن احب وان أسقي النقد المر لمن يستحق ..

أنا لاأعيش في الجزائر ولاأعرف وجعها كأهل الجزائر طبعا .. ولكن من الأخبار التي تنهمر من الجزائر فانني أرى ان بعض الناس يتم استدراجهم الى فخ الربيع العربي عندما “أراد الشعب أن يسقط الأنظمة” ..

في البداية عندما احتج الناس واعترضوا على العهدة الخامسة كنت قادرا جدا على أن أتفهم وجعهم وقلقهم وغضبهم .. فللناس الحق في القلق ربما ليس من الرئيس بل من مرض الرئيس .. ولكن الرجل أوقف العهدة الخامسة وبدا أنه يحاول إيجاد حل وسط يضمن ألا يكون هناك خاسرون .. بل وفق معادلة رابح رابح .. وربما كان التوازن السياسي صعبا جدا ودقيقا جدا في بلد مثل الجزائر فيه قوى سياسية متصارعة حول القوى السياسية المتصارعة نفسها وحول الرئيس وفي نفس الوقت هو بلد يعيش هدنة مع التيارات الإسلامية .. ومن حق الرئيس ومن حول الرئيس ان يخشوا من ترك البلاد على غاربها بسبب سوء التقدير وسوء اختيار اللحظة .. ومن حق الناس ان يخشوا من غموض الرئيس وممن حول الرئيس وطموحاتهم .. ولكن ليس من حقهم ان يغامروا ببلدهم خاصة في ظل هذا التوتر في المنطقة وظهور تجربة الربيع العربي على انها تجربة فاشلة .. وان أسوأ شعار طرح في المنطقة هو شعار (الشعب يريد اسقاط النظام) .. لأن لعبة اسقاط النظام تحولت الى اسقاط الدول والمجتمعات .. فمقولة (اذا لشعب يوما اذا أراد الحياة .. فلا بد ان يستجيب القدر) لم تعد ملكا للشعب بل سلاحا استخباراتيا فتاكا يدفع الجماهير الى الفوضى والانتحار بحجة انه يريد الحياة .. شعار الربيع العربي الجوهري هو ان الشعب صار لايريد الحياة بل يريد السلطة .. ولايمكن ان يصل الى السلطة الا باسقاط النظام .. أو الحكم .. أو الدولة .. والانتحار ..

سيعترض كثيرون على اتهامي للشعب لأن قناعة الناس هي ان الشعوب لها بوصلة لاتخطئ .. ومن العار ان يوجه الاتهام للشعب .. ولكن صحيح ان الشعوب تتخذ قرارات كثيرة في منتهى الصواب وبوصلتها أدق من بوصلة البحارة .. ولكن من قال ان الشعوب لاتخطئ أحيانا .. وأن الشعوب لاتصنع قرارات خاطئة في لحظات انفعال وتأثر؟؟ .. فالشعب فرد كبير وهناك سيكولوجية الجماعة كما سيكولوجيا الافراد .. وامراض الجماعة كما أمراض الأفراد .. وهناك شعوب كثيرة اتخذت قرارات خاطئة في لحظات من تاريخها رغم انها عرفت انها اتخذت قرارات صائبة وحاذقة قبل ذلك .. فهل الشعوب التي قامت باستعمار شعوب أخرى لم تخطئ وكانت موفقة في قرار استعمار شعوب أخرى وهي تدافع عن عملية الاستعمار؟ هل قرار الشعوب الاوربية في الاستعمار أو استعباد السود وبيعهم كالمواشي كان صائبا؟ هل كان العرب والمسلمون على صواب في انهم دفعوا ابناءهم للموت في افغانستان وكل حروب اميريكا وتركوا فلسطين؟ ألم يكن الأبارتهايد قرارا خاطئا ويحظى بموافقة الشعب الأبيض في جنوب أفريقيا؟ هل كان قرار الشعب الألماني بانتخاب هتلر خاطئا أم صائبا رغم جدلية هذا السؤال؟؟ هل قرار شعوب الاتحاد السوفييتي صائبا عندما قرروا تدمير امبراطوريتهم مجانا وتسليمها الى الناتو لسنوات؟؟ هل قرار الشعب الأمريكي بانتخاب جورج بوش وابنه كان صائبا وهما من أكبر مجرمي الحرب؟؟ بل هل الناس والجماهير القرشية التي قاتلت النبي والمؤمنين القلائل كانت على صواب؟ ألم تصفق الجماهير اليهودية لقرار صلب المسيح واطلاق باراباس اللص؟ والأمثلة لاتحصى .. فالشعوب تخضع تجاربها لهزات كثيرة وتمر بتجارب بعضها صائب وبعضها غير موفق .. والأمم التي تتراجع وتنهار وتمر بحالة انحطاطا لايكون هذا مجرد سوء طالع بل بسبب مسارات تختارها الناس أحيانا لظروف معقدة كثيرة .. أو أشخاص يقودونها الى الانحدار .. فالشعوب المسلمة اختارت أن تصوت فكريا لنهج أبي حامد الغزالي وأسقطت نهج ابن رشد .. وبذلك اختارت ان يسقط العقل الفلسفي وينتصر النص اللاهوتي .. اما شعوب اوروبة فاختارت ابن رشد واسقطت الكنيسة .. والنتيجة الآن هي مانراه من فارق هائل في العلم والفكر وعملية الإنتاج وفصل الدين عن الدولة والانضباط الاجتماعي .. قرار بسيط على ضفتي المتوسط اتخذه شعبان .. واحد في الشمال صار ثريا وآخر في الحنوب صار فقيرا ولاجئا ..ومتسولا ..

أذكر انني مررت بنفس القلق في بداية الحرب على سورية .. واتصل بي معارضون يظهرون اليوم على الشاشات كقادة رأي .. وطلبت منهم فقط مهلة أسابيع توقف فيها الاحتجاجات تمنح للدولة كي ترتب مفاوضات معهم لترتيب البيت السوري وإعادة النظر في العديد من القضايا الخلافية وان توضح خطة مفصلة وواضحة خطة لانتخابات وجدول أعمال سياسي دون أن نصر على ان يكون هناك خاسرون .. وأن يكون الشعب هو الفيصل لكن دون استدراجه الى انفعالات الشارع وتوجيه وسائل الاعلام الخارجية .. الا ان ماكان يطلبون ببساطة هو شيء واحد لايقبل المفاوضات وه(و ازاحة الرئيس الفورية دون أي تأخير وخلال ساعات .. وبعد ذلك نتكلم) .. ولم يكن لديهم جواب عن السؤال الأهم: وماذا عن اليوم التالي؟؟ من سيكون في إدارة البلاد ليواجه اي فوضى خاصة ان هذا سيترك اناسا حائرين وان للدولة جمهورا لايريدها ان تسلم السلطة وقد لايقدر أحد على ضبطه؟؟ وكان الجواب دوما غامضا وهو المهم ان يتنحى الرئيس وبعد ذلك سيحل الشعب مشكلته فبوصلة الشعب لاتخطئ وستداه على مساره الصحيح ومناراته المثقفة ستجنبه الأزمات .. ولكن كان اعتراضي على الجميع هو انه في المنعطفات الكبرى للمجتمعات لايمكن ان نتحرك بناء على توقعات او تخيلات أو ننتظر احلاما متفائلة بل علينا ان نطرح مشروعا متماسكا بلا ثقوب لايقبل التأويلات والاحتمالات والمفاجآت ويضمن استقرار الجميع .. أما مايطرحونه هو انهم سيقفزون في الماء ويريدون ان يقفز الجميع معهم وهم ينتظرون سفينة قيل انها ستصل بعد ان يقفز الجميع في الماء ولايريدون تأجيل القفو حتى يتم انزال قوارب النجاة لأن سفينة الانقاذ قادمة .. وقلت لهؤلاء المعارضين انني سأنزل معهم الى الشارع اذا قدموا هذه التنازلات والتفاهمات ولم تحترمها الدولة في نهاية الأسابيع المقترحة .. أما غير ذلك فانهم يقودون الناس الى مجزرة باسقاط الدولة وتدمير الجيش ووقوع ترسانة السلاح الهائلة بأيدي الناس المنفلتة من غير قانون ولا سلطة ولاقضاء ولاشرطة لأن الجماهير المنفعلة لن تعترف الا بسلطة الشارع وسلطة الفوضى .. ولكن جواب ممثلي (شعب المعارضة) كان ان هذا الطرح هو طرح عملاء السلطة .. ولامانع ان الدم سيصل الى الركب ولكنها ضريبة الحرية والاستقلال من الاحتلال الوطني !!! ..

عندها أدركت انني أتحدث مع مجانين وعملاء .. فلا أحد يبشر شعبه بالدم ويتوق بتحرق اليه ولايقدرعلى ان ينتظر أسابيع ليصل الى حل يوفر الدم .. ورايتم بأعينكم بعد ذلك الثوار في كل البلاد عندما غابت سلطة الدولة وغاب الجيش .. وكان ماتوقعت ان هؤلاء لايقدرون على ان يديروا ملهى ليليا في حي ولم يقدروا ان يقدموا نموذحا خلاقا في أي بقعة استقلت عن سلطة الدولة وسميت أرضا محررة .. ووصل الدم الى الركب فعلا ولكن كضريبة للجنون .. وليس للحرية ..

اليوم لاأخوّن أحدا في الجزائر .. وهذا امر لايجرؤ عليه كاتب حر .. فالشعوب تخطئ ولكن الجماهير لاتخوّن .. وان خانت فانها تخون نفسها بسوء تقديرها .. وأنا لاأرى ان حركة الشارع الجزائري حصيفة .. ورغم انني لاأحس بالتعاطف مع السلطة لأنها رغم تمنعها في الانخراط في المؤامرة على الشعب السوي فانها كمنت في مكمنها ونامت تحت الشراشف خوفا من العاصفة ولم تخرج للمبارزة دفاعا عن موقف جليل ظانة انها تحمي نلادها وشعبها ونفسها .. الا أنني لاأظن انني سأتعاطف مع المعارضة الجزائرية ولا مع الناس الغاضبين .. وسأتمنى منهم أن يعطوا بلدهم فرصة النجاة بالاستماع الى صوت العقل والحكمة .. فواجبهم ليس التخلص من الطغاة أو الفساد بل واجبهم أن يتخلصوا من فكرة ان الشعب يريد اسقاط النظام بالعناد .. وبدل اسقاط النظام يجب ان يكون الهدف (الشعب يريد حماية البلاد) فالأهم أن يريد الحياة .. ومن يدرك كيف ينال الحياة فانه لاشك يدرك كيف يروض الأنظمة والسلطات ..

اعتذر بشدة من ثوار الجزائر الغاضبين .. واخشى ان السلطة ربما كانت على خطأ .. ولكن الجماهير اليوم هي التي جانبها الصواب الآن .. خاصة انني رأيت برنار هنري ليفي يثني على الغاضبين في الشارع .. ولكن هذا وحده كفيل بإدانة الجميع ويجلب العار للجميع .. جميع من يخرج ضد السلطة .. امنحوا بلادكم فرصة الحوار والهدوء .. وتريثوا .. فانني قلق عليكم .. كما كنت قلقا على سورية ..