الجمعة , أكتوبر 18 2019

الانتخابات التركية بلدية ولكنها أهم من الرئاسية

الانتخابات التركية بلدية ولكنها أهم من الرئاسية

حسني محلي

يبقى الرهان على سلاح الإعلام الحكومي والخاص الذي يسيطر أردوغان على 95٪ منه، ليساعده ذلك للحفاظ على شعبية العدالة والتنمية التي لم تتجاوز 42.5% في انتخابات حزيران/ يونيو الماضي.

وسط أجواء من التوتر والاستفزازات التي تحولت إلى سلاح يلجئ اليه الرئيس اردوغان في حملته الانتخابية التي يقودها بمفرده ضد جميع احزاب المعارضة يستعد الشعب التركي لانتخاباته البلدية التي أراد لها اردوغان ان تكون بنكهة الانتخابات الرئاسية. فقد توقعت استطلاعات الرأي لحزب اردوغان العدالة والتنمية أن يخسر في إستانبول وانقرة وازمير ومدن أخرى ذات اهمية نفسية وعلى الأقل بالنسبة لاردوغان.

ودفع مثل هذا لاحتمال اردوغان لاستنفار كل امكانيات الدولة والاستفادة منها في حملته الانتخابية التي يتحدث فيها باستمرار عن خطر الاٍرهاب وعداء المعارضين للدين. ففي كل خطاب جماهيري أو حديث تلفزيوني يتهم اردوغان حزب الشعوب الديمقراطي وقياداته بالإرهاب لعلاقاتهم بحزب العمال الكردستاني وذراعه السوري الاتحاد الديمقراطي الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية ويقول عنها جميعا بأنها تهدد مصير ومستقبل تركيا إلى الأبد.

ولا يكتفي اردوغان بذلك بل يتهم أيضاً حزب الشعب الجمهوري والحزب الجيد والسعادة الاسلامي أيضاً بالإرهاب بحجة أنها تحالفت مع الشعوب الديمقراطي الذي لم يعلن عن مرشحين له في المدن الكبرى.

وسيدفع ذلك أنصار واتباع الحزب المذكور للتصويت لمرشحي المعارضة ولن يكن سهلا عليهم الفوز إلا بأصوات الناخبين الأكراد وسيفوز حزبهم في 10-11 ولاية جنوب شرق البلاد.

ولجئ الرئيس اردوغان لسلاحه الثاني وهو الدين للتصدي لمعارضيه بعد أن اثبت هذا السلاح طيلة السنوات الماضية جدواه وتأثيره في الشارع الشعبي التركي المحافظ تقليدياً والمتدين بجهل خاصة في الأوساط المؤيدة لحزب العدالة والتنمية الحاكم .

ويتوقع أو يتمنى الرئيس اردوغان لسلاحي الخوف من الاٍرهاب ومعاداة الدين أن يساعداه لمنع الناخبين القوميين والإسلاميين والليبراليين من التصويت لاحزاب المعارضة ويشن اردوغان ضدها حملة عنيفة جداً ويتهمها معاً بالخيانة الوطنية.

ويقول أيضاً أنه الوحيد الذي يستطيع أن يتصدى لها، كما أنه الضامن الوحيد لحالة الاستقرار التي يوليها المواطن التركي اهمية كبيرة طالما أن الوضع الاقتصادي كان جيدا حتى أواسط العام الماضي حيث تجاهل الناخب التركي كل سلبيات السياسة الداخلية والخارجية.

وجاءت الأزمة المالية التي انفجرت الصيف الماضي لتضع الناخب التركي أمام تحديات جدية وصعبة وخطيرة بعد ان تراجعت قيمة الليرة التركية بنسبة70 -80 ٪ مقابل الدولار، وهو ما انعكس على نسبة التضخم لتصل رسمياً الى 25٪، وافلست الآلاف من الشركات وزاد عدد العاطلين عن العمل عن 6 مليون رسمياً.

ويهدف اردوغان وبسلاحي الدين والإرهاب لالهاء اتباعه وانصاره بشعارات ومقولات طنانة تمنعهم من الحديث عن سلبيات الواقع الاقتصادي والمالي خاصة بعد أن اثبتت الاستطلاعات أن مثل هذه السلبيات باتت تؤثر على قرار الناخب التركي مع اقتراب موعد الانتخابات التي أن خسر اردوغان فيها إستانبول وانقرة، فسيكون ذلك بداية النهاية لحكمه وعلى الأقل نفسياً.

فأنقرة هي العاصمة السياسية، واستانبول هي العاصمة التاريخية للإمبراطورية العثمانية التي يتغنى اردوغان بأمجادها بعد ما يسمى بالربيع العربي.

وسيستنفر إردوغان كل إمكانيات الدولة التركية لمنع وقوع مثل هذه الهزيمة المحتملة التي ستحمل في طياتها الكثير من المعاني خاصة مع المعلومات التي تتوقع للاقتصاد التركي أن يواجه تحديات خطيرة جدا بعد الانتخابات.

فالمعلومات تتوقع للرئيس السابق عبد الله جول ورئيس الوزراء السابق داوداوغلو معاًَ أو على انفراد لشن هجومهما المحتمل ضد اردوغان في حال هزيمته في إستانبول وأنقرة. كما سيواجه اردوغان أزمة جدية مع الحليف الأكبر واشنطن ذات التأثير الكبير على معطيات السياسة التركية وتوازناتها المعقدة خاصة في هذه المرحلة الحساسة بالنسبة لانقرة ومساباتها الإقليمية والدولية. فالتوتر مع واشنطن ما زال مستمراً في موضوع اس ٤٠٠ والحسابات التركية في سوريا باتت أكثر تناقضا وخطورة وأنقرة بحاجة ماسة وعاجلة لمساعدات مالية كبيرة لن تحصل عليها من المؤسسات المالية العالمية الا بضوء أخصر أميركي.

وجاء قرار البرلمان الأوروبي بتعليق مباحثات العضوية بين الاتحاد الأوربي وتركيا بسبب سجلها الأسود في مجال الديمقراطية والحريات السياسية والفردية وانعدام استقلالية القضاء ليزيد في الطين بلة بالنسبة لاردوغان وربما ارادت أوروبا أن تساعده بقرارها الذي سيستغله في حملته الانتخابية ليعلن الحرب على “الصليبيين”.

كما هو يستغل حربه الكلامية مع نتانياهو الذي وضع في يد أردوغان سلاحاً ذو حدين يستفيد منه هو الآخر في حملته الانتخابية 9 الشهر القادمة.

ويبقى الرهان على سلاح الاعلام الحكومي والخاص الذي يسيطر اردوغان على 95٪ منه، ليساعده ذلك للحفاظ على شعبية العدالة والتنمية التي لم تتجاوز 42,5%في انتخابات حزيران/ يوليو الماضي، حيث اتهمت احزاب المعارضة آنذاك أردوغان بتزوير نتائجها ونتائج انتخابات الرئاسة كما هو فعل ذلك في الاستفتاء الشعبي في 16 نيسان/ أبريل 2017.

وكان هذا الاستفتاء كافياً لتغيير النظام السياسي ليتحول اردوغان الى حاكم مطلق للبلاد بعد أن سيطر على الجيش والمخابرات والأمن والقضاء وجميع مؤسسات ومرافق الدولة التركية ويسعى الان لاسلمتها وأسلمة الأمة التركية.

ويتوقع الكثيرون لاردوغان أن يفعل كل شيء خلال الأيام القادمة لمنع فوز المعارضة في الانتخابات، التي بات واضحاَ أنها ستحمل في طياتها الكثير من المفاجئات كلما ازداد عدد المراهنين على مستقبل إردوغان، ولما له من دور وثقل في مجمل المعادلات الإقليمية والدولية. وأصبحت تركيا في مركزها بعد ما يسمى بالربيع العربي وأحلام السلطنة والخلافة العثمانية!.
الميادين