الجمعة , أغسطس 23 2019

محور المقاومة من التصدي إلى المواجهة

محور المقاومة من التصدي إلى المواجهة

محمد نادر العمري

شهدت دمشق خلال اليومين السابقين حراكاً دبلوماسياً وعسكرياً استثنائياً، تمثّل في الزيارة الثانية للمبعوث الأممي غير بيدرسن إليها، ثم زيارة وزير الدفاع الروسي إليها أمس، وقبلها بيوم، استضافتها محادثات ثلاثية حضرها كبار المسؤولين العسكريين في إيران والعراق، وهذا الاجتماع العسكري بين رئيسي أركان القوات العراقية والإيرانية إلى جانب وزير الدفاع علي أيوب، انعقد في ضوء تحديات أمنية وعسكرية متنامية تشترك فيها الساحتان السورية والعراقية، اللتان تحضر فيهما إيران عسكرياً أيضاً وتتأثر بمتغيراتهما بشكل مباشر وكبير، وانعقاد هذا الاجتماع العسكري الثلاثي على مستوى عالٍ من التمثيل السوري العراقي الإيراني يحمل رسائل ودلالات متعددة في ظل ما تشهده المنطقة من توترات وتسارع بالأحداث:
– أولاً: الاجتماع يهدف بالدرجة الأولى للتصدي للمشروع الأميركي في إعادة توظيف الإرهاب ضد الدول الثلاث، لتبرير البقاء في سورية واستمرار دعم ميليشيات «قوات سورية الديمقراطية – قسد»، وإيجاد المبررات للضغط على الحكومة العراقية لتوسيع قواعدها أو الحصول على قواعد جديدة بعد فرض أمر واقع عليها بإغراق الأراضي الجغرافية العراقية بعناصر داعش الخارجين من الباغوز، واستهداف العمق الحيوي الإيراني ضمن الحرب الناعمة التي تخوضها واشنطن ضد إيران إلى جانب فرض الحصار الاقتصادي من أجل تغيير النظام فيها أو تغيير مواقفها والجلوس على طاولة المباحثات من دون شروط وبشكل قابل لتقديم التنازلات، وضمن هذا الإطار يمكن فهم كلام الرئيس بشار الأسد عن أن هذا اللقاء يعبر عن وحدة المعركة والخندق والعدو، ولذلك قد تلجأ الدول الثلاث في حال استمرار واشنطن بالمراوغة وسعيها إلى إعادة تموضعها في المنطقة إلى دعم خيار المقاومة الشعبية التي قد تنشط في المرحلة المقبلة ضد القواعد الأميركية وجنودها وحلفائها، كما أن الإعلان بأن رئيس هيئة الأركان الإيرانية محمد باقري برفقة المسؤولين السوريين زاروا أمس منطقة الفرات ومدينة البوكمال ودير الزور شرقي سورية تعتبر رسالة تحد للأميركي في الشمال السوري وتندرج ضمن الحرب النفسية في أقل التقديرات.
– ثانياً: القيام بعمليات عسكرية عراقية سورية على طول الحدود المشتركة بين البلدين وبدعم إيراني، وتطويق قاعدة التنف من خلال فرض الكماشة عليها وعزلها عن قاعدة الأسدي في العراق وإغلاق كل الطرق البرية إليها، الأمر الذي من شأنه أن يقلل التأثير العسكري الأميركي لهذه المنطقة وفك الحصار الاقتصادي أو إفراغ العقوبات الأميركي من مضمونها ضد إيران وسورية عبر افتتاح الطريق البري والمنافذ المشتركة على طول الحدود وبخاصة بعد تأخر افتتاحها نتيجة الضغوط التي تمارسها إدارة البيت الأبيض عبر سياسة التهديد والوعيد تجاه الدول المجاورة لسورية عموماً، وإشارة رئيس أركان الجيش العراقي الفريق أول ركن عثمان الغانمي إلى أن الأيام القليلة القادمة ستشهد فتح المنفذ الحدودي، له مدلولان: الأول خروج المؤسسة العسكرية التركية من الضغوط الأميركية وانضمام العراق رسمياً لمحور المقاومة، ثانياً أن يصدر قرار فتح المعبر من المؤسسة العسكرية هذا يعني التمهيد لذلك بداية بتأمين المنطقة عبر عمليات عسكرية بما في ذلك ضد ميليشيات «قسد».
– ثالثاً: التصدي لأي عدوان عسكري إسرائيلي محتمل في سورية أو العراق وحرمان رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو من تحقيق أي انتصار إعلامي قبيل خوضه للانتخابات القادمة في ظل الدعم اللا محدود من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي دفعت نتنياهو للإسراع بإحداث تطورات تتعلق بضم الجولان لسلطات الاحتلال وتهديدات أطلقها مع كبار قادته السياسيين والأمنيين باستهداف حركات المقاومة في العراق وسورية.
– رابعاً: التصدي للحركات الانفصالية الكردية التي تهدد سيادة الدول الثلاث ومحاولة الضغط على هذه القوى للجلوس على طاولة المباحثات، وضمن هذا الإطار تمارس إيران دوراً لتقريب وجهات النظر ونقاط تقاطع والتقاء بين القوى الكردية في الشمال السوري مع الحكومة السورية، وتراقب عن كثب التحركات الكردية في الشمال العراقي التي تتخذ من جبال قنديل نقطة تجمع رئيسة لها في استهداف المنطقة وإيران ولاسيما أن معظم القيادات في جبال قنديل هم من المعارضة الكردية الإيرانية، وضمن هذا الإطار جاء التفاهم الإيراني العراقي أثناء زيارة الرئيس حسن روحاني لأحياء اتفاقية الجزائر لعام 1975 فيما يتعلق بالحدود، والجزم السوري الذي أبداه وزير الدفاع علي أيوب باستعادة الأراضي السورية كافة بالحرب أو المصالحات.
– خامساً: التنسيق المشترك لمواجهة الأطماع التركية التي عبر عنها مؤخراً وزير داخلية النظام الأردوغاني سليمان صويلو في كلمة له أمام تجمع لأنصار حزب العدالة والتنمية الحاكم بالقول: إن «دمشق كانت لنا، حلب كانت لنا، وكانتا ضمن حدود أمتنا التي أعلنها المجلس العمومي العثماني»، وهذا الإرث الجغرافي الذي يدعيه نظام التركي يصل إلى الشمال العراقي وبخاصة الموصل ولذلك هو يحافظ على قاعدة «البعشيقة» ويزيد عدد جنوده بها تحت ذرائع وحجج واهية بشكل مستمر، واحتمالية إقدام الجيش العربي السوري على معركة تحرير إدلب قريباً قد يدفع التركي نحو مغامرة بتطبيق المنطقة الآمنة في الشمال السوري لتوسيع نفوذه، حيث كان لافتاً التصريح الأول لرئيس الأركان الإيراني، محمد باقري، عند وصوله لدمشق، حيث صوب على «الوجود غير الشرعي» للقوات الأجنبية على الأرض السورية. مشيراً إلى أن «القوات في إدلب وشرق الفرات من دون التنسيق مع الحكومة، ستنسحب عاجلاً أو آجلاً».
– سادساً: تشكيل بنك معلومات موحد حول أسماء عناصر داعش وتحركاتها وبخاصة أن واشنطن سعت خلال المرحلة السابقة إلى إتباع ثلاثة مسارات: الأول هو الحصول على اعتراف وشرعية لميليشيات «قسد» من خلال دفع الدول إلى التنسيق معها بخصوص تسلم عناصر داعش وبصورة خاصة تسليم العراق لعناصر مفترض أنهم عراقيون، المسار الثاني يكمن في تسليم هذه العناصر الإرهابية أكثر من جواز سفر مزور، وثالثاً إعادة توظيف هذه العناصر وتموضعهم ما بين تأمين خروجهم وتقسيمهم وتوزيعهم.
للوهلة الأولى قد يسارع المتصيدون بالمياه العكرة للقول إن هذا الاجتماع هو ضد روسيا نتيجة خلافات وما إلى ذلك، فوجود تباين في الأساليب والتكتيكات والتوقيت لا يعني وجود خلافات بالجوهر، على الرغم من أن سلاح الجو الروسي بمطار حميميم عزز بـ45 طائرة من الطراز الحديث وقامت بالمشاركة إلى جانب السلاح السوري باستهداف مخازن جبهة النصرة منذ أيام، ولكن الحقيقة أن هذا الاجتماع يأتي كأحد مخرجات ومفاعيل زيارة الرئيس الأسد إلى طهران في تعزيز التداخل بين محور المقاومة، وضمن هذا الإطار لا بد من التوقف عند إضافتين: الأولى أن انعقاد مثل هذا الاجتماع في دمشق له رمزية تتمثل في انتقال محور المواجهة والمقاومة من مرحلة التصدي إلى الهجوم وما يؤكد هذه النقطة هي الظهور الإعلامي للرموز العسكرية، وعدم حضور رئيس هيئة الأركان الروسي، إلى جانب نظرائه لا يعني ألا يكون مطلعاً وبشكل كامل على جدول الأعمال وبخاصة أن موسكو تحاول أن تحافظ على دورها الوسطي في المنطقة، وأن تتفادى الصدام مع التركي ضمن إستراتيجيتها في احتواء أنقرة وإبعادها عن الفضاء الأميركي، الثاني وهو الغائب الحاضر أي حزب الله الذي سيكون فاعلاً مؤثراً خلال الفترة القادمة سواء بأي حرب محتملة أم تسوية ما زالت في نفق مظلم، وعدم حضوره هو مشابه للتغيب الروسي، والسبب لعدم إحراج الحكومة اللبنانية والحفاظ على دورها لكيلا ينسب إليه المزيد من الاتهامات المتراكمة داخلياً بأنه يسرق قرار الحرب والسلم أو أنه دولة داخل الدولة، مع فارق المقارنة بين دولة عظمى والحزب.
الوطن