الأحد , سبتمبر 22 2019
ما هي الدولة الأكثر جذبا للمبتكرين في مجال التكنولوجيا؟

ما هي الدولة الأكثر جذبا للمبتكرين في مجال التكنولوجيا؟

ما هي الدولة الأكثر جذبا للمبتكرين في مجال التكنولوجيا؟

على هامش القمة الثانية والثلاثين للاتحاد الأفريقي، وقفت الشابة الأثيوبية سلام وندِم في غرفةٍ مكتظةٍ بالحضور من ساسةٍ بارزين ومديرين تنفيذيين مرموقين لتقول: “أنا شابةٌ طموحةٌ وعلى استعداد لتغيير وجه بلادي أثيوبيا”.

فقد كانت وندِم، البالغة من العمر 29 عاماً، مدعوةً للحديث أمام هذا التجمع في أحد أرقى فنادق العاصمة أديس أبابا، كواحدة من أصحاب المشاريع في مجال التكنولوجيا. وكانت تأمل في اغتنام هذه الفرصة لإقناع حكومات القارة بدعم النظم التكنولوجية الصديقة للبيئة.

ولحسن حظ وندِم فقد وجدت جمهوراً متجاوباً في أثيوبيا. ففي العام الماضي، شهد هذا البلد انتخاب آبي أحمد، 42 عاما، رئيساً للوزراء. وسرعان ما كان لهذا الرجل بصماته في مجالاتٍ عدة، عبر القيام بسلسلةٍ من الإصلاحات الشاملة، وهو ما تضمن – مثلاً – إطلاق سراح آلاف السجناء السياسيين، واستئناف العلاقات الدبلوماسية مع إريتريا.

وشملت سياساته أيضا إدخال تغييرات على قطاعات التعليم والمالية والاتصالات والأنشطة التجارية، وهو ما شكّل مؤشراً على أن التكنولوجيا أصبحت الآن أولويةً بالنسبة لحكومته.

وفي ضوء ذلك، تؤمن وندِم وغيرها بأن أديس أبابا ربما تكون في طريقها لأن تصبح قريباً واحدةً من مراكز الابتكار الرائدة في أفريقيا، ما يجعلها قد تنافس تلك القائمة بالفعل في هذا المضمار، مثل نيروبي ولاغوس وكيب تاون.

ومن المعروف أن نصف مراكز التكنولوجيا في القارة الأفريقية توجد حالياً في أربعٍة بلدان فقط، وهي كينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا وغانا. وتوفر هذه الدول 75 في المئة تقريباً من تمويل الشركات الناشئة، وهو تمويلٌ يتزايد بوتيرةٍ متسارعةٍ بفعل تدفق المستثمرين على أفريقيا. وفي عام 2018 وحده، ازداد ذلك التمويل بواقع أربعة أضعاف مُقارنةً بالعام السابق.

وتريد الشابة الأثيوبية أن تصبح بلادها وشركتها العاملة في مجال تصنيع المنظومات المستخدمة في مجال “الزراعة في الماء” جزءاً من هذه الموجة من النمو. وساعدها في تأسيس شركتها مركز “بلو موون”، وهو واحدٌ من المراكز الكثيرة المعنية برعاية المواهب والابتكارات في أديس أبابا.

“الحاجة أُمْ الابتكار التكنولوجي”

ولا يختلف هذا المركز المؤلف من ثماني طوابق عن نظرائه من المراكز المماثلة في مختلف أنحاء العالم. لكن خلف سماته الشكلية التي تتصف بالجمال، تكمن رؤيةٌ غير معتادةٍ بشأن طبيعة المشكلات التي يتعين على التكنولوجيا إيجاد حلولٍ لها.

وفي هذا السياق، يقول بيتلهم داسي، وهو معلمٌ في مجال التكنولوجيا بمؤسسة “آي كوغ لابس” التي تعد أكبر مركز للذكاء الاصطناعي في البلاد، إن “التكنولوجيا تُستخدم في الدول المتقدمة لتوفير الراحة والرفاهية، لكنها في أثيوبيا توفر الضروريات نفسها”.

وبالرغم من أن أثيوبيا شهدت نمواً اقتصادياً مستمراً وبنسبةٍ لا يُستهان بها على مدى عقدين من الزمان، فإنها لا تزال واحدةً من أقل دول العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن أن غالبية سكانها من المزارعين الذين يعيشون على حد الكفاف.

والآن يولي الشبان الأثيوبيون اهتمامهم بالتكنولوجيا في محاولة للتغلب على التحديات التي تواجههم. وتقول إيليني غابر-مادين، مُؤسسة “بلو موون”، إن “الأفكار العظيمة تشكل بالأساس حلولاً للمشكلات. وإذا كان هناك ما يوجد لدينا، فهو الكثير من المشاكل”.

وترى غابر-مادين أن شركةً مثل “إم – بيسا”، التي تقدم خدماتٍ مصرفيةً عبر الهاتف وتتخذ من كينيا مقراً لها، تمثل نموذجاً يكشف عن كيف يمكن أن تؤدي التكنولوجيا إلى حدوث تحولاتٍ كبيرةٍ وفريدةٍ من نوعها في اقتصاديات الدول النامية. لكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فالمناخ في مجالاتٍ مثل الزراعة والتعليم والرعاية الصحية، يبدو مهيئاً الآن لحدوث مثل هذه “الوثبات” التكنولوجية.

ومن بين النماذج الأثيوبية في هذا الصدد، شركةٌ ناشئةٌ تحمل اسم “فلويس”، تتبنى نهجاً راديكالياً على صعيد تصنيع مواسير للمياه بأسعارٍ معقولةٍ وباستخدام تقنياتٍ متطورة.

يقول ماركوس ليما، وهو أحد مؤسسي الشركة: “هناك الكثيرون ممن يسيرون لمسافاتٍ طويلةٍ للعثور على المياه. نريد ابتكاراً من النوع الذي يكون ذا مغزى في السياق المجتمعي من أجل إيجاد حلولٍ محليةٍ للمشكلات” الموجودة في المجتمع المحلي.”

فوائد زيادة عدد المتصلين بالإنترنت

وقد شارك ليما كذلك في تأسيس “آيس أديس”، وهو مركزٌ آخر للابتكارات التكنولوجية لا يبعد مقره كثيراً عن مقر “بلو موون”، وقد أُنشيء عام 2011 وكان الأول من نوعه في المدينة حينذاك. وقد شَهِدَ هذا الرجل خلال السنوات القليلة الماضية كيف يتزايد اهتمام الشبان الأثيوبيين بازدهار التكنولوجيا في بلادهم، واصفاً ذلك بأنه أمرٌ ذو “طابعٍ جنوني”.

وبالفعل، فخلال أقل من عقدٍ من الزمان، ظهرت قرابة 100 شركة ناشئة في هذه البيئة لتشجيع الابتكارات والتقنيات الحديثة في أديس أبابا. ويتلقى ليما يومياً الكثير من الطلبات لعقد اجتماعاتٍ معه من جانب المتحمسين لهذه التقنيات. ويسعى هؤلاء للحصول على مشورته والتعرف على الكيفية التي يمكنهم بها دخول السوق في هذا المجال.

ويرى هذا الرجل أن التزايد الكبير في قدرة الأثيوبيين على الاتصال بشبكة الإنترنت، يشكل أحد العوامل الرئيسية التي أدت لحدوث هذا التغير. ففي عام 2011 لم تكن نسبة القادرين على الوصول إلى الشبكة العنكبوتية في أثيوبيا تتجاوز واحد في المئة من السكان، أما الآن فقد وصلت إلى أكثر من 15 في المئة.

وقد شهدت دول أفريقيا جنوب الصحراء طفرةً مماثلة على صعيد زيادة عدد مستخدمي الإنترنت، بفضل توسع نطاق شبكات الهواتف المحمولة، جنباً إلى جنب مع الانخفاض المستمر في أسعار الهواتف الذكية. ويقول ليما: “عندما يتصل عددٌ أكبر من الأشخاص بالإنترنت فإنهم يعلمون الإمكانات المتاحة لهم وكيف يبدو العالم من حولهم، وهو ما يخلق كثيراً من الحماس والدوافع لديهم”.

وتمثل وندِم وشركتها الناشئة نموذجاً مثالياً في هذا الشأن. فهذه الشابة تقول إنها تعرفت على تقنية “الزراعة في الماء” هذه من خلال مقاطع مصورة شاهدتها على موقع “يوتيوب”، وشعرت بالدهشة عندما عَلِمَتْ أنه بالإمكان زراعة محاصيل دون وجود تربة. وقد طوّرت وندِم هذه التقنية وابتكرت نموذج أعمالٍ جديداً، صُمِمَ على نحوٍ يتلاءم مع ظروف المجتمع الأثيوبي.

وتشير وندِم إلى أن تقنيات كتلك التي ابتكرتها شركتها قد تجعل الشبان أكثر إقبالاً على العمل في الزراعة، في ضوء أنهم يعتقدون الآن أن هذا القطاع قد عفا عليه الزمن ما يجعلهم يهجرون أراضي آبائهم وأجدادهم، أما إذا تم إضفاء طابع تكنولوجي متطورٍ بشكلٍ أكبر عليه، فقد يشجعهم ذلك على مزاولته.

وقد تم تصميم منظومات الزراعة في الماء التي تصنعّها وندِم والشركة الخاصة بها، لتلائم اللاجئين الموجودين في المدن الأثيوبية، ممن يعانون من التهميش في كثيرٍ من الأحيان. ويفيد ذلك في تمكين هؤلاء اللاجئين عبر تمكينهم من كسب دخلٍ خاصٍ بهم من ناحية، وكذلك إقامة حوارٍ – كما تأمل وندِم – بينهم وبين الأثيوبيين بفضل علاقات العمل التي ستُنسج بين الجانبين، من ناحيةٍ أخرى.

أما الشيء اللافت في الأمر فيتمثل في أن التقنيات الحديثة التي يجري ابتكارها وتطويرها في أديس أبابا تتأثر بالعادات والتقاليد والأعراف السائدة في أثيوبيا. فكما يقول ليما؛ جرى مؤخراً تطوير تطبيق يُستخدم عبر الهواتف الذكية من أجل إضفاء الطابع الرقمي على طريقة ادخار تقليديةٍ شائعةٍ بين الأثيوبيين، تقوم على وضع الأقارب والأصدقاء لمبالغ مالية بشكلٍ منتظمٍ في وعاءٍ مشتركٍ للادخار، على أن يتقاض من يحل دوره منهم إجمالي ما في الوعاء شهرياً، وهكذا دواليك. ويقول ليما إن مثل هذا التطبيق لم يكن ليظهر في مجتمعٍ آخر لولا وجود عادةٍ مثل هذه.

الحاجة لمستثمرين

ورغم أن أديس أبابا تعج بأفكارٍ مثل هذه؛ فإن تحويلها إلى خدماتٍ يمكن تسويقها هو أمرٌ شاق. فبيئة الاستثمار في أثيوبيا ظلت لعقودٍ تتسم بطابعٍ بيروقراطيٍ ومحافظ. ويقول ليما: “تسويق أي عمل تجاري أمرٌ عسير، لكن الصعوبة تزيد بشكلٍ كبير إذا كنت تسعى لتسويق ابتكاراتٍ تقنية”.

فالإجراءات الخاصة ببدء نشاطٍ أو إغلاق آخر، طويلةٌ ومكلفةٌ، وهو أمرٌ يناقض ما ينبغي أن يسود لتشجيع ظهور شركاتٍ ناشئة.

لكن أبيي ألمح إلى أن ثمة إصلاحاتٍ في الأفق. ففي ديسمبر/كانون الأول، أطلق مبادرةً تستهدف تقليص العراقيل التنظيمية والإدارية التي تقف في وجه أصحاب المشاريع التجارية، وترمي لتعزيز الاستثمار.

وفي الوقت الراهن، يخضع الاستثمار الأجنبي في أثيوبيا لقيودٍ صارمةٍ، وهو ما يعوق الكثير من شركاتها الناشئة التي لا تزال في طور التأسيس.

كما أن هناك تفاوتاً بين التحسن الكبير الذي طرأ على صعيد زيادة قدرة الأثيوبيين على الاتصال بشبكة الإنترنت خلال السنوات الماضية، وما يشهده قطاع الاتصالات في البلد نفسه، إذ أن هذا القطاع – الذي يشهد احتكاراً من جانب شركة “إثيو” المملوكة للدولة – موصومٌ بأنه باهظ التكاليف وغير جدير بالثقة.

وفي عهد الحكومة السابقة في أثيوبيا، كان من الشائع حدوث قطعٍ كاملٍ لخدمات الإنترنت في مختلف أنحاء البلاد، على يد السلطات التي كانت تلجأ لذلك في مواجهة أي احتجاجاتٍ واسعة النطاق أو أعمال عنفٍ ذات طابعٍ عرقي.

غير أن حدوث ذلك أصبح شيئاً من الماضي منذ وصول آبي أحمد إلى السلطة. كما أن هذا الرجل منفتحٌ على الاستثمار الأجنبي. وفي ضوء ذلك، سيتم خصخصة “إثيو” جزئياً، وتقسيمها إلى شركتين متنافستين كخطوةٍ أولى.

ومع ذلك، ينطوي التحرير المتسارع للاقتصاد الأثيوبي على مخاطر حدوث ما يُعرف بـ “الاستعمار الجديد”. ويلفت غتنيت أسيفا، وهو أحد مؤسسي “آي كوغ لابس” ومن المؤيدين المتحمسين للإصلاحات التي يقوم بها آبي أحمد، الانتباه إلى أن غالبية الشركات العاملة في قطاع التكنولوجيا في كينيا ونيجيريا مملوكةٌ لأجانب. وشدد أسيفا على ضرورة أن تفصل الحكومة بين تشجيعها للاستثمارات الأجنبية ورعايتها لنمو شركات التكنولوجيا الأثيوبية.

رعاية الأفكار

وفي يوليو/تموز الماضي، التقى رئيس الوزراء الأثيوبي بالروبوت “صوفيا” الشبيه بالبشر، والذي طُوِّر أجزاءٌ منه في “آي كوغ لابس”. ويقول أسيفا: “قمنا ببرمجة الروبوت صوفيا لجعله يتحدث قليلاً من اللغة الأمهرية مع رئيس الوزراء”. وبقدر ما كان ظهور آبي أحمد مع هذا الروبوت لفتةً دعائيةً بارعةً، فقد مثّل كذلك مؤشراً على التزامه بتطوير قطاع التكنولوجيا. ويقول أسيفا: “يرى الناس الآن أثيوبيا بعينٍ مختلفة، لا تقتصر فقط على مسائل مثل الفقر والسياسة”.

وبالرغم من أن مشاعر التفاؤل تغمر الآن الأوساط المهتمة بصناعة التكنولوجيا في أديس أبابا، فإن ليما يحذر من أن الكثير من الإصلاحات المقترحة من جانب آبي أحمد لم تُطبق بعد، ولا تزال أشياء نظريةً لا أكثر، رغم أنه يؤكد دعمه لأفكار هذا الرجل وطموحه.

وهكذا يعكف ليما ومعه غابر-مادين وغيرهما على توفير الرعاية والعناية للمهتمين بالمنظومات التكنولوجية الحديثة الناشئة؛ إذ يقيمون في هذا الصدد ورش عملٍ ويشكلون شبكاتٍ إرشادٍ وتوجيهٍ ويوفرون فرصاً للتمويل أيضا.

وهناك حاجةٌ على وجه الخصوص لربط خريجي الجامعات بهذه المنظومات التقنية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن العقدين الماضيين شهدا تزايد عدد الجامعات في أثيوبيا من اثنتين إلى أكثر من 40 جامعة، في الوقت الذي تتبنى فيه الحكومة سياسةً تُلزِم 70 في المئة من الطلاب الجامعيين بدراسة موضوعاتٍ تتصل بالعلوم والهندسة.

وفي نهاية المطاف، تقول غابر-مادين إن الفارق بين مكانٍ تزدهر فيه الأفكار وآخر تلفظ أنفاسها الأخيرة فيه “هو التربة الخصبة الذي تسقط مثل هذه الأفكار عليها”.

BBC