السبت , أغسطس 24 2019

خلفيات الاعتراف الأمريكي بالسيادة الصهيونية على الجولان

خلفيات الاعتراف الأمريكي بالسيادة الصهيونية على الجولان

إيهاب شوقي

كعادته يأتي الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحركات مسرحية، محاولاً فرض قراراته وتغريداته على قمة جدول أعمال وسائل الإعلام العالمية، ومتلذذا بالجدل المثار حوله، والارتباك الدولي الناتج عن سياساته ومفاجآته.

ورغم أن هذا المنحى يتسق مع شخصية ترامب وتاريخه والذي شمل العمل بالدراما والمراهنات على المصارعة الحرة، وغيرها من المجالات التي يجمع بينها التوق إلى النجومية والشهرة، إلا أننا وفي إطار الحديث عن رئيس لدولة عظمى بحجم الولايات المتحدة، لا يمكن أن نجازف بالاستخفاف بهكذا قرارات وتصرفات، ونقصرها على هذا الجانب الوحيد رغم صحته.

وقبل محاولة التحليل فإننا نسلم بما جاءت به معظم التحليلات بأن القرار يهدف لدعم بنيامين نتنياهو في الانتخابات، وهو ما يؤكده انتظار ترامب للإعلان الرسمي حتى مقابلة نتنياهو ليكتمل المشهد، وبالتالي فإن هذا العامل محسوم سلفا ولا يحتاج لجهد تحليلي.

التغريدة الأخيرة بشأن الجولان المحتل والاعتراف الأمريكي بالسيادة الصهيونية عليه، ينبغي أن تتم قراءتها بشكل معمق وتحليلي للتوصل إلى المسار السليم لمواجهة ما هو متوقع من قادم الأحداث.

وهنا يمكننا محاولة قراءة بعض الخلفيات والدلالات:

1- طريقة عرض ترامب للقرار في تغريدته جاءت نصا كما يلي: “بعد 52 عاما حان الوقت لتعترف الولايات المتحدة اعترافا كاملا بسيادة (إسرائيل) على هضبة الجولان، التي تتميز بأهمية استراتيجية وأمنية حيوية بالنسبة لدولة إسرائيل واستقرار المنطقة”.

وهنا فإن استخدام تعبير “حان الوقت”، يشي بتوفر الظروف الموضوعية من وجهة النظر الأمريكية، ولو نظرنا للمانع الذي كان يحول بين اعتراف امريكا بهذه السيادة منذ نجاح العدو في احتلال الجولان، لعرفنا دون جهد أنه كان الخشية من ردود الأفعال العربية وتحديدا الشعبية، والتي ستجبر حتى نظم التفريط على احترام الغضب وعدم تجاوز الخطوط الحمر، وهنا فإن ترامب يثق تماما بغياب ردة فعل تؤثر على مصالح أمريكا، وهو التاجر الحريص على المصالح وحسابها جيدا.

ويؤكد هذا الاستنتاج، ما قالته وكالة “رويترز” في تقرير لها، حيث ذكرت أن قرار المضي قدمًا في إعلان الجولان كان مدفوعًا جزئيًا بتقييم أجراه مساعدو ترامب بأن تحركاته المثيرة للجدل بشأن القدس في عامي 2017 و 2018 قد أثارت رد فعل أقل حدة في العالم العربي مما توقعه العديد من الخبراء!

2- عدم اتساق قرار جريء كهذا مع التراجع الأمريكي العالمي، وهزيمة مشروع أمريكا بالمنطقة، يشي بأن له أهدافاً باطنية، يأتي على رأسها محاولة إظهار القوة وحفظ ماء الوجه بعد الهزائم السياسية والميدانية لها ولوكلائها وتراجع هيبتها، وإذا ما أضفنا لذلك الطريقة المسرحية التي أعلنت بها هزيمة “داعش” ومحاولة الإيهام بأن هزيمة داعش ودحرها كانا على يد امريكا والقوات الموالية لها، رغم أن العالم يعرف جيدا أن محورالمقاومة والجيش العربي السوري هما من قام بهذه المهمة، لاكتمل المشهد ولعرفنا أن أمريكا تلجأ للدجل لحفظ ماء وجهها واصطناع بطولات وهمية.

3- بالنظر لمجمل الوضع في سوريا وعرقلة اعلان النصر النهائي عبر محاولات تركيا السيطرة على نحو 10% من سوريا بدعوى المنطقة الآمنة، ومحاولة سيطرة أمريكا على نحو 30% من سوريا بدعوى دعم “قسد” في محاربة الإرهاب، والمواقف السياسية الشائكة الناتجة عن التداخلات الاقليمية، فإن القرار الأمريكي يلقي بورقة جديدة تساهم في خلط الأوراق تلقي بمزيد من التعقيد على المشهد السوري والإقليمي، وهو هدف أمريكي يهدف الى زعزعة الوضع وعرقلة نشوء وضع جيوستراتيجي جديد لا يصب في صالحها.

وبالنظر لتداعيات القرار المباشرة، ومحاولة توقع المستقبل القريب يمكننا توقع ما يلي:

1 – لم نر رداً عربياً رسمياً يتخطى الرفض وإعلان الأسف وتأكيد هوية الجولان، دون تلويح باتخاذ أي إجراء عملي، وهو ما حدث مع القدس، وبالتالي ليس مستغرباً أن يحدث مع الجولان!
وبالتالي فلا ينبغي التعويل على النظام الرسمي العربي في اتخاذ اجراءات تؤثر على المصالح الأمريكية، بالمعطيات الراهنة، فهو خليط من أنظمة متواطئة، وأخرى ضعيفة لا تملك أوراقا للقوة يمكن استخدامها، وخاصة مع افتقاد زخم شعبي وغضب يمكن أن يشجعها ويعطيها بعض الجرأة إذا ما أرادت مواجهة أمريكا.

2 – محاولة تصدر أردوغان للمشهد، في سلسلة محاولاته والتي بدأت بمجزرة المسجدين في نيوزيلندا والتلاسن مع نتنياهو، ثم مؤخرا في الجولان، ورأينا أردوغان يسارع لعمل مقابلة تلفزيونية مع قناة “TGRT” التركية ليؤكد أن تركيا ستطرح قضية الاعتراف الأمريكي بسيادة إسرائيل على الجولان في الأمم المتحدة”.

وهذه المحاولات التركية، لا يخفى أنها تأتي كمحاولات لتصدر العمل الإسلامي بروح الخلافة العثمانية، وكان يمكن الترحيب بها والترحيب بكل من يتصدى للدفاع عن مصالح الأمة، لولا مواقفه المتناقضة والداعمة للإرهاب ودوره في سوريا منذ بداية الأزمة والتي لا يريد التكفير عنها حتى اللحظة بإصراره على عرقلة انهاء التواجد الارهابي وعدم التفاهم مع النظام السوري.

3 – محاولة تشكيل بذور للنظام العالمي الجديد عبر تهميش المنظمات الدولية، وطمس سلطة القانون الدولي، وتدشين نمط فرض الأمر الواقع، وهو ما يتسق مع اتجاه النظام العالمي الجديد لاستراتيجيات الحرب الباردة والقائمة على الردع والدبلوماسية القسرية والتحالفات الدفاعية، وليس نظام العولمة القائم على الحرص (ولو الشكلي) على العمل الجماعي، ومحاولة خلق مخارج قانونية وشكل مؤسسي للقرارات، حتى الاستعماري منها.

باختصار نحن أمام قوة عظمى متراجعة تحاول عبور المرحلة الانتقالية في النظام العالمي، وتحاول لملمة قواها عبر اطلاق قنابل دخان، سواء لتغطية الانسحاب من مواقع بعينها، أو للتشويش على الخصوم.

وهنا تتأكد حتمية المقاومة وصحة خيارها يوما بعد يوم، والقادم في الجولان حتما سيكون المقاومة والسعي للتحرير والكفاح المسلح.
العهد