الأربعاء , أغسطس 21 2019

«قانون قيصر».. المشروع الصغير

«قانون قيصر».. المشروع الصغير

عبد المنعم علي عيسى

تقول التجارب: إن طبائع القوة تؤكد أن هذه الأخيرة إذا ما فشلت في مشروعها الذي اندفعت إليه فتعذر تحقيق الهدف الكبير، فإنها لا تنكسر أو تتوارى وإنما تنكفئ لتستعيد حساباتها لوقت قصير ثم لا تلبث تحاول من جديد، لكن هذه المرة بأدوات ووسائل أخرى، وإن كان من المؤكد أن إعادة المحاولة سوف تحمل في طياتها تخفيضاً لسقف الأهداف يتناسب مع حدة الانكسارات التي شهدتها المحاولة الأولى.
من الناحية السياسية كان إعلان الرئيس الأميركي عن سحب قواته من سورية يوم التاسع عشر من كانون الأول الماضي يعني أن الحمولات، وكذا الفراغات، التي ستنجم عنه قد أضحت واقعاً حاصلاً، شأنه في ذلك شأن السهم الذي إن انطلق باتت طريق عودته إلى القوس مستحيلة، ولا يخفف من ذلك كله الإعلان عن إبقاء «وديعة» قوامها 400 جندي يرتدون زي الهيبة العسكرية الأميركية، فذاك وحده غير كاف، مع حساب ثقل الهيبة، بالتأكيد لإنجازها المهام الموكلة إليها خصوصاً بعدما قررت واشنطن صب الزيت على النار على امتداد المنطقة.
مسألة ملء الفراغ الذي سيخلفه الانسحاب الأميركي كانت قد طرقت منذ اللحظات الأولى لإعلانه وقبيل أن يحين أوانه أواخر نيسان الجاري، ولم تنجح أي من تلك المحاولات التي اقترحت ولا يزال بعضها جارياً، فلا «المنطقة الآمنة» التي سعت إليها أنقرة منذ بداية الأزمة ثم حثت الخطا نحوها مؤخراً كانت تمتلك فرص النجاح الكافية على الرغم من تسجيل تفهم روسي لها ولربما صمت إيراني تجاهها، ولا سعي موسكو نحو إحداث تقارب سوري تركي من شأنه أن يفضي إلى إحياء اتفاق أضنه 1998 ولو بصيغة معدله لقي هو الآخر دروباً مفتوحة لاعتبارات تتعلق بسقوف عالية وهي لا تزال محسوسة لدى ساكن قصر التلال الخمس في أنقرة، وبدورها تلاشت دعوة الدار خليل ممثل حزب العمال الكردستاني في سورية سريعاً، تلك الدعوة التي لم يكن الغرض منها كما يبدو إلا إثبات سذاجة السياسة وخطأ الحسابات التي تنطلق عادة من أوحال المستنقعات، وإلا كيف يمكن فهم تلك الدعوة التي أطلقها هذا الأخير نحو فرنسا طالباً منها تسويق مشروع في مجلس الأمن لفرض منطقة آمنة في الشمال والشرق السوريين على غرار ما حصل في العراق 1991، ففرنسا لم تذهب، على الرغم من أن ذلك يغوص في أقصى الرغبات لديها، نحو هكذا فعل في عز الوجود العسكري الأميركي، فكيف لها أن تذهب إليه في وقت يسجل هذا الأخير انحساراً واضحاً؟ ثم إن الأمر من شأنه أن يدخل باريس ومعها الأطلسي بمعركة كسر عظم مع أنقرة في وقت يبدو الاثنان فيه ماضيين نحو افتراقات هي أكثر بكثير من التلاقيات حتى لتكاد هذي الأخيرة تسجل غياباً عن كامل الصورة.
بعد شهر وأربعة أيام من قرار ترامب كان مجلسي الكونغرس الأميركي، النواب والشيوخ، يستحضران قانوناً أطلق عليه اسم «قانون قيصر» للتصويت عليه، وهو في مضمونه سلسلة من الإجراءات الاقتصادية التي تهدف إلى تزنير خيارات دمشق بضوابط قادرة على تحديد تخومها في مسار التسوية السياسية التي تتسارع عجلتها هذه الأيام، وهذا يرقى لأن يكون مشروع واشنطن البديل، والصغير، الجديد فيما باقي التحركات التي تمتلئ بها الساحة ملحقات به، أو إنها تشكل أذرعاً لنقل الحركة التي تخدم اندفاعاته، والأرشيف يحوي الكثير بدءاً من الورقة الكردية التي باتت تمثل ورقة ضغط ليس إلا، وواشنطن لم يعد يهمها المصير الكردي إلا كحالة احتياج مرحلية، والمؤكد أن غرف صناعة الأكراد تتحسس ذلك الواقع مما يفسر حال القلق والارتباك البادية في العمق، تلك التي دفعت نحو حالة استرضاء كبرى للشريك الأميركي ممزوجة مع طعن مستميت للسيادة الوطنية كتلك التي ظهرت في عزف الفرقة الموسيقية التابعة لميليشيا «قوات سورية الديمقراطية – قسد» للنشيد الوطني الأميركي في احتفال الانتصار على داعش الذي جرى في الباغوز يوم 22 آذار الماضي، أي بعد أقل من 24 ساعة على تغريدة ترامب التي كانت تعتبر شحذاً لسكينه تمهيداً لتقطيع أوصال الجسد السوري، ومروراً بضغوط مؤتمر بروكسل المنعقد منتصف آذار الماضي، وصولاً إلى البيان الرباعي الأميركي الفرنسي البريطاني الألماني الصادر عشية الذكرى الثامنة للأزمة السورية، والمؤكد أن كل هذا الركام الأخير لم يجد كثير نفع في تحقيق ما يصبو إليه، فالورقة الكردية باتت فاقده لقيمتها المصرفية ما بعد 19 كانون الأول الماضي، أما ضغوط بروكسل فقد سمع المبعوث الأممي غير بيدرسون في دمشق أن هذي الأخيرة لا تهمها المليارات السبعة التي تعهد المانحون تقديمها، ونظرتها إليها لا تعدو أن تكون مكافأة نهاية خدمه لمهربي وتجار وسماسرة الأسلحة في تركيا والأردن ولبنان الذين أجادوا مهمتهم في إراقة الدم السوري، أما البيان الرباعي فهو لن يستطيع، وهذا ما يرمي إليه، العودة بالأمور إلى سياقات صيف عام 2012 أي إلى بيان «جنيف1» في 30 حزيران 2012.
ماذا بقي من شيك الأميركيين الذي قدموه على بياض للإخوان المسلمين بعد اللقاء الإستراتيجي الذي جرى في مقر المخابرات البريطانية عند تقاطع فوكسبول في لندن أواخر صيف 2012 وهو الذي دفع بأردوغان إلى أن يعد مريديه في الخامس من أيلول من العام نفسه بأن صلاته في الجامع الأموي باتت قريبة؟ ماذا بقي من تحشيد واشنطن ضد دمشق هي التي احتاجت لدستة ونصف من أوراق البوكر التي تحدد عادة مراكز القوى في مؤتمر أصدقاء سورية المنعقد في تونس شباط 2012 ثم احتاجت لدستين ونصف في نظيره المنعقد في مراكش أيلول من العام نفسه؟ ثم ماذا بقي من حمولات الميدان التي كانت تسجل آنذاك عطب جناح طائر الفينيق السوري الثاني الذي تمثله حلب التي لم تكن في وضع يسمح بتناغم حركتها مع جناح دمشق لنهوض كامل الجسد ونجاح عملية التحليق؟ كما وكانت تسجل أيضاً حالة نزف كانت تعيشها هذي الأخيرة عبر كعب أخيلها الغوطة التي كانت تمثل خاصرة أمنية رخوة، ماذا بقي من كل ذلك؟ لم يبق شيء، ولذا فقد كانت زيارة وزير الخارجية الأميركي الأخيرة إلى المنطقة في شقها السوري أشبه بنفخ في الصور لإحياء جسد ميت، على الرغم من أنها، ونظيرتها توقيع ترامب على اعتراف أميركي بسيادة إسرائيل على الجولان، ستشكل ثقلاً على مساري الأزمة السورية السياسي والعسكري على حد سواء، فسعي بومبيو إلى تشكيل «ميسا» تكون ذراعاً شرق أوسطياً لحلف الأطلسي أمر له دلالاته وهو يريد شطب المرحلة الممتدة ما بين تموز 2015 الذي شهد توقيع اتفاق فيينا الغربي مع إيران وبين أيار 2018 الذي شهد إلغاء أحادياً أميركياً لذلك الاتفاق، وهذا ستكون له تداعياته على المسار السوري، ناهيك عن أن حضور بومبيو للقمة الإسرائيلية القبرصية اليونانية بالقدس ستكون له تأثيراته على الأداء التركي المستقبلي لجهة التهديد الذي خلقته بحلول أثينا محل أنقرة في المشاريع التي تخطط لها واشنطن في المنطقة بشقيها السياسي والاقتصادي وهو قد يدفع بها إلى التفلت من العقال الروسي، على نحو ما يمكن تلمسه في تصريح أردوغان يوم السبت الماضي الذي قال فيه: «إن أول ما سنفعله بعد الانتخابات هو أن نحل مسألة سورية في الميدان إن أمكن وليس على الطاولة»، أما النظير، أي توقيع ترامب سابق الذكر، فمن المؤكد أنه ستكون له تداعياته الثقيلة في الشق العسكري وهو مدخل لشرعنة استباحة إسرائيل للسماء السورية، وما القصف الذي طال مواقع في شمال شرق حلب ليل الأربعاء- الخميس الماضي إلا مدخلاً لها، وهو من جهة أخرى سيدفع بـ«قسد» بعيداً عن دمشق لأنها، وفي ظل قصور باد في الرؤى والحسابات، سترى فيه مؤشراً على أن وقت تقسيم الكعكة السورية قد حان، بل وقد تدفع بها نحو الانزلاق نحو وحول أخطر بعيد الانهيارات الحاصلة التي طالت كل مكاسب المرحلة الماضية.
رصدت تسريبات ومقاطع فيديو وكذا تسجيلات صوتية لمقاتلين من داعش كانوا قد خرجوا من الباغوز، أن ذلك الخروج كان قد حدث بصفقة مع «قسد» وصلت حدود دفع الرشاوى فيها إلى 200 ألف دولار للرأس الواحد في بعض الحالات، والأخطر أنها تشير إلى أن وجهة بعض أولئك الخارجين كانت إلى المغرب، في مؤشر له دلالاته في إمكان استثمار هؤلاء في لهيب النار الآخذ بالتمدد في الجزائر لقلب الأوضاع السائدة فيها رأساً على عقب لصالح وضع أشبه بذلك الذي ساد فيها ما بين العامين 1992 و1999.
إذا ما صحت تلك التسريبات، والأرجح أن أغلبيتها صحيح وإن كان من الصعب تحديد كم وحجم موجات المتجهين إلى المغرب، فإن ذلك يعني أن «قسد» قد ولجت للتو في ذروة نار إقليمية، وسواء أكان ذلك بقرار ذاتي للخروج من المأزق، أم كان بقرار أميركي، فالحال سيان بالنسبة إليها، وهو يدخل الكرد في لعبه أكبر مما تحتمله حجومهم أو قدراتهم، والأهم هو أنهم غير قادرين على دفع فواتيرها حينما يحين وقت دفع الفواتير.
الوطن