مقالات

هل تكون سيناء حلاً للمأزق الصهيو ـ أمريكي؟

هل تكون سيناء حلاً للمأزق الصهيو ـ أمريكي؟

أحمد فؤاد

جاء إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، اعترافه بضم الكيان الصهيوني لهضبة الجولان السورية، كاشفًا لمأزق صعب ووضع سياسي معقد، وجدت فيه الولايات المتحدة ذاتها ـ فجأة ـ مضطرة إلى التدخل مباشرة لإنقاذ قاعدتها العسكرية المتقدمة، وضمان نصر معنوي، في زمن تهتز فيه أسس أسطورة التفوق والقوة الصهيونية، على يد محور المقاومة، وإرادة الشعب الفلسطيني البطل، سواء في الضفة أو غزة، أو حتى داخل الأرض المحتلة منذ 1948.

قرار “ترمب”، في بدايته ونهايته، لن يغير كثيرًا من الحقائق على الأرض، فلم تكن سوريا وقيادتها، بالتأكيد، تنتظر أن يتنازل لها الكيان الصهيوني عن الجولان بغير حرب، ولن تجري دمشق حساباتها على أساس أن تمنح أميركا في أي وقت حقًا عربيًا، أو غير عربي، إلا وقد أجبرت على ذلك. القرار في توقيته وما أحاط به، يعتبر انتصارًا رمزيًا للكيان في مواجهة سيخسرها بالتأكيد، مع محور بالكامل، يمتد من طهران إلى دمشق والضاحية، ويجتذب كل يوم المزيد من القلوب العربية الشابة.

المؤسسات الأميركية المعاندة دومًا لـ “ترمب”، تلقفت بسرعة بالغة القرار، ومررته، رغم ما يعنيه من تسخين متوقع للأجواء، تدرك أميركا أن صنائعها وخدمها على العروش وكراسي السلطة العربية قادرون على منع تحوله أو ترجمته إلى ما هو أقوى من الكلمات، أو أكثر صخبًا من المظاهرات.

التصرف ذاته هو ما اتبعته المؤسسات، أو مراكز الحكم الحقيقية، عقب قرار “ترمب” الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، وهو ما نجد عكسه تمامًا في أي قرار للرئيس الأميركي، يخالف مشيئة مؤسسات السلاح والمال، المسيطر الأول على سياسة وقرار الولايات المتحدة، مثل الجدار الحدودي مع المكسيك، أو معاركه التجارية مع الصين، وغيرها.

رضا مؤسسات الدولة الأميركية بدا لافتًا، خصوصًا مع ما استتبعه من إنهاء المحقق الأميركي الخاص، روبرت مولر، التحقيق بشأن مزاعم تورط روسيا في الانتخابات الأميركية الفائتة، والتي ربحها “ترمب”، متفوقًا على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، ليمنح الرئيس الأميركي “صك الاعتراف” بنزاهة فوزه، بعد شهور طويلة من الجدل والسجالات والتحقيقات، وبالتالي فإن “ترمب” صديق الصهيونية قد تمكن أخيرًا من تحقيق شرعية غائبة، كانت تجلب له الأزمة تلو الأزمة، خلال فترة رئاسته.

المأزق الصهيوني في المنطقة يأتي نتيجة لمأزق الداعم والحامي الحقيقي، الولايات المتحدة في تمرير مشروعها التقسيمي، المعروف بـ”صفقة القرن”، وهو ما يحتاج إليه الكيان الصهيوني لغاية إنهاء ونفي أزمة وجوده على أرض يسكنها شعب، وبالتالي تكسر المضاد الحقيقي للكيان “فلسطين” الكاملة من البحر إلى النهر.

الكيان الصهيوني بالفعل تحول إلى عبء هائل على الولايات المتحدة، وخلال الشهور الماضية، سارعت كبرى شركات التكنولوجيا الأميركية، في مقدمتها “إنتل”، التي أعلنت قبل 3 شهور استثمار 11 مليار دولار أميركي في مصنع جديد بالكيان، لضمان استمراره ودعمه اقتصاديًا، في وجه تحدياته الوجودية الصعبة، وأهمها بالطبع تحد مالي يتجدد كل بضعة أعوام، ويحتاج لتدخل عاجل، فوق مبالغ المعونة العسكرية المستمرة، والقروض المالية، التي تتحول إلى مساعدات، وتضمن بالتالي الأمن في جانبه الاقتصادي والمادي.
وحصل الكيان على مساعدات من الولايات المتحدة فقط منذ عام 1948 وحتى الآن بلغت نحو 24 مليار دولار كقروض، تم تحويل غالبيتها إلى منح بعد ذلك، ونحو 162 مليار دولار منحاً لا ترد.

وحصل على استثمارات مباشرة هائلة من الشركات الأميركية في الصناعات التحويلية وعالية التقنية، مما ساهم بالجانب الأكبر من زيادة رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتراكمة في الكيان الصهيوني، من 4.5 مليار دولار عام 1990، إلى 20.4 مليار دولار عام 2000، ثم إلى 98.7 مليار دولار عام 2014، وفقًا لتقرير الاستثمار العالمي.
لكن الأزمة الصهيونية تتمثل في وجود شعب على أرض فلسطين، ينفي باستمرار، وبتمسك بطولي بأرضه، كل مزاعم الصهاينة، عن أرض بلا شعب، الشعب الفلسطيني هو من يمسك ـ في هذه اللحظة ـ بتلابيب الكيان، ويدمره من الداخل، ويجعل من الظن باستمراره ضربًا من الخبل.

الأزمة مرشحة للحل على حساب شبه جزيرة سيناء المصرية، التي أُريد لها أن تكون بؤرة استنزاف مستمر للأنظمة المصرية، منذ توقيع كامب ديفيد، وشروطها المذلة للكرامة والمخاصمة للسيادة الوطنية، فسلفًا تنتشر في سيناء قوات أميركية، تحت مسمى القوات متعددة الجنسيات، لمراقبة الالتزام بتنفيذ بنود اتفاقيات العار، مع دعم من بعض الجنسيات الأخرى التابعة، مثل الاستراليين والكنديين، والتي تتواجد وتمارس عملها وسلطتها على الجانب المصري من الحدود، دون أن تمتد للجهة المقابلة.

العمليات الإرهابية الجارية في سيناء، والفشل المتتالي في إنهائها أو استعادة الأمن بشكل كامل، ومن ثم، إعمارها وملؤها سكانيًا، سواء بمشروعات أو مدن جديدة، والأهم المأزق الاقتصادي العنيف الذي تمر به البلاد، مع سياسة اقتصادية متهورة، حد الخيانة، يطرح هذا الحل كأمر واقع، تقبل به سلطة الحكم المصرية الحالية، كطوق نجاة من أزمة مقبلة، وتمريرًا لشرعية تستمدها من واشنطن، وتعتمد عليها في مصيرها ومستقبلها.
العهد

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق