الأحد , أكتوبر 20 2019

ما الذي يجمعنا مع روسيا؟

ما الذي يجمعنا مع روسيا؟

ابراهيم ياسين

يسود سجال ونقاش متزايد في الأوساط العربية حول الموقف الروسي من العلاقة مع العدو الصهيوني خاصة على ضوء ما حصل ويحصل من لقاءات بين الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو على خلفية ما جرى ويجري في سورية، حيث شهدت العلاقات الصهيونية – الروسية إزاء الحرب الإرهابية في سورية، ما يشبه التفاهم على عدم التصادم في الأجواء السورية عندما تقوم الطائرات الصهيونية بتنفيذ اعتداءاتها على سورية، بحيث تبلّغ تل أبيب موسكو قبل فترة زمنية كافية عن أيّ هجوم لها لكي تغادر الطائرات الروسية الأجواء. هذا التفاهم نكث به العدو الصهيوني عندما شنّ عدوانه على اللاذقية بدون الالتزام بهذا التفاهم، وكان من نتيجته سقوط طائرة روسية واستشهاد عدد من الظباط والجنود الذين كانوا على متنها، مما تسبّب بتوتر شديد في العلاقات، وإتخاذ موسكو موقفاً شديد اللهجة ضدّ تل أبيب، وإقدام موسكو على تزويد سورية منظومة «أس 300» رداً على هذا الغدر الصهيوني.

وبعد فترة دامت نحو ثلاثة أشهر تخللتها محاولات حثيثة من نتنياهو للاجتماع مع الرئيس بوتين دون جدوى، عادت وتجدّدت اللقاءات منذ فترة وجيزة، وعاد التنسيق بينهما لكن تبيّن بوضوح أنّ العلاقة الروسية الصهيونية محكومة بالتفاهم والخلاف في الوقت نفسه، ولا تقوم على حساب العلاقة السورية الروسية المبنية على أسس وقواعد استراتيجية غير موجودة أساساً في العلاقة الصهيونية ـ الروسية. فروسيا تلتقي مع سورية في حلف ضدّ الإرهاب المدعوم أميركياً وصهيونياً، وتلتقي مع سورية في حلف في مواجهة الهيمنة الأميركية الاستعمارية التي ترفضها روسيا وسورية وكلّ الدول التي تعاني من الهيمنة الأميركية في العالم، فيما أميركا هي حليف استراتيجي للكيان الصهيوني الذي يشكل قاعدة متقدّمة لها في الشرق الأوسط. كما أنّ روسيا تجمعها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية علاقة استراتيجية على المستويات كافة في مواجهة الهيمنة الأميركية، فيما كيان العدو الصهيوني يعتبر إيران عدواً وخطراً عليه لأنها ترفض وجوده الإحتلالي من الأساس، وتدعم المقاومة ضدّه، وأيضاً تقف إلى جانب سورية في حلف واحد مع روسيا في مواجهة قوى الإرهاب والهيمنة الأميركية.

ومن ناحية أخرى فإنّ روسيا تعمل على إعادة الاعتبار لتطبيق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والقرارات الدولية التي تنصّ على احترام سيادة الدول واستقلالها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ورفض الاحتلال وحق الشعوب في مقاومة هذا الاحتلال. فيما كيان العدو الصهيوني يرفض تطبيق هذه القرارات الدولية واحترام ميثاق الأمم المتحدة ويمارس يومياً الانتهاكات ضدّ حقوق الإنسان في فلسطين المحتلة، ويعتدي على سيادة سورية واستمرار احتلاله للجولان السوري، وأجزاء من جنوب لبنان، وروسيا تؤيد سورية ولبنان والشعب الفلسطيني في سعيهم لاسترداد أرضهم المحتلة، وتطبيق القرارات الدولية التي تنصّ على ذلك.

إذاً، من هذا المنطلق يُترجم الموقف الروسي في هذا المضمار، وأيضاً من خلال الوقوف إلى جانب فنزويلا ضدّ التدخل الأميركي السافر في شؤونها الداخلية ومحاولة الإطاحة بنظام حكمها الوطني الذي يرفض التبعية للسياسات الأميركية.

وبناءً على ما تقدّم فإنّ العلاقة التي تربطنا مع روسيا هي أكثر متانة من العلاقة التي تربط روسيا مع الكيان الصهيوني، فروسيا تقيم علاقاتها مع الكيان الصهيوني انطلاقاً من حسابات تكتيكية لا تقوم على حساب علاقتها الإستراتيجية مع سورية وإيران وغيرها من الدول التي ترفض الهيمنة الأميركية وتقاوم الإحتلال، كذلك في اليمن، فالموقف الروسي نختلف معه لإنه يأخذ موقفاً يشبه الحياد، في وقت أنّ التحالف السعودي يشنّ حرباً ضدّ اليمن، تُنتهك فيها كلّ القوانين والمواثيق الدولية… قد تكون حسابات روسيا كدولة عظمى تسعى إلى لعب دور ما على حساب تراجع الدور الأميركي في المنطقة هُو ما يُفسّر هذا الموقف الروسي مما يجري في اليمن، أو من العلاقة مع الكيان الصهيوني. وفي هذا السياق يمكن إدراج المساعدة «الهدية» التي قدّمتها روسيا إلى رئيس حكومة العدو الصهيوني نتنياهو بتسليمه «رفات الجندي الصهيوني»، وبالتالي لا يجب إعطاء الأمور أبعاداً تتجاوز ذلك، والذهاب إلى حدِّ التشكيك أوالتنديد بالموقف الروسي… وهذه أمور نختلف فيها مع روسيا، مثلما نختلف معها في الموقف من الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين المحتلة، فنحن لا نعترف بوجود هذا الكيان، بينما روسيا تعترف به وتريد إيجاد حلّ للصراع على أساس حلّ الدولتين، وتطبيق قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

إذاً، ما يجمعنا مع روسيا أكثر بكثير من نقاط الخلاف، وهذا طبيعي في العلاقات الدولية.
البناء