الجمعة , نوفمبر 15 2019

سوريا تستقبل نازحيها العائدين.. وأمل بالخلاص والأمان بعد سنواتٍ عجاف

سوريا تستقبل نازحيها العائدين.. وأمل بالخلاص والأمان بعد سنواتٍ عجاف

إيمان مصطفى

تقتصّ الحروب دائمًا من أولئك الذين لا ذنب لهم سوى أنهم عاشوا في زمانها. حوراء ابنة العشرة أعوام لم تسعفها طفولتها.. الحرب السورية سرقت منها أجمل أيّامها، فحملت مع أقرانها حملًا كبيرًا وسارت به غير مدركة أين ومتى ستنزله عن كاهلها.

حوراء تقف كل يوم في مخيم الحرجلة في محافظة ريف دمشق في “طابور” لتتسلّم وجبة غدائها، تتلقى عِلمها ضمن المجمع التعليمي في المخيم وتعيش في مجمع اسمنتي مع عائلتها بعدما هربت من حصار الارهاب في كفريا والفوعة.

عندما تُسأل حوراء عن الحرب تصمت وتنظر بعينين مليئتين بالخوف والرجاء، تفضل عدم الحديث عمّا عاشته من قهر وظلم ومعاناة، كما هو حال الطفل أحمد الذي انهمرت دموعه عند سؤاله عن الحرب وما عاشه في فترة الحصار.

هذان الطفلان وغيرهما من النازحين السوريون التقينا بهم ضمن الجولة الاعلامية التي شارك بها موقع “العهد” الى سوريا ونظمها الحزب اللبناني الواعد بالتعاون مع الجمهورية العربية السورية بعد نجاح مبادرة “المشروع الوطني لاعادة النازحين السوريين الى وطنهم”، والتي أطلقها الحزب في الأول من تشرين الثاني عام 2018.

هنا في سوريا حيث بدأت الصور تتحول من الحطام الى الإعمار، جال الصحافيون من مختلف الوسائل الاعلامية في لبنان على النازحين السوريين للاطمئنان على أوضاعهم ومواكبة ظروف حياتهم.

المحطة الأولى كانت في مخيم الحرجلة، حيث تتوزّع البيوت الاسمنتية وفيها غرف واسعة وتجهيزات مطبخ وصرف صحي كامل، ليتبيّن أن المخيمات ليست خيما قماشية كما هو الوضع في لبنان بل هي بيوت اسمنتية او جاهزة، بالاضافة الى المطبخ المركزي الجماعي حيث تحضّر وجبات الطعام بشكل منتظم، الى جانب مدرسة تؤمن التعليم لكل الاولاد.

الحرجلة من بلدة صغيرة إلى واحد من أهم مراكز الإيواء في ريف دمشق

تُحدِثنا النازحة السورية السبعينية أم أحمد عن سوريا قبل الحرب.. تقف وتنظر بحسرة وألم وغصة، قائلةً: “أديش ضبينا شناتي وأديش مشينا على دروب القهر، بس الحمد لله هون أوضاعنا منيحة ومرتاحين”، رافعةً كفها بالدعاء: “اللهم أحفظ سوريا واكشف عنها هذه الغمة وفرّج عنها هذه الكربة”.

جارتها أم حسان وهي من كفريا تقول لـ “العهد”: “كم هو مؤلم أن تعيش غريبًا ومطاردًا في وطنك”، فيما تروي تقاسيم وجهها مئات القصص عن مرارة الأيام، وتوضح: “من أصعب المواقف أن تعامَل على أنك لاجئ في وطنك، وتشاهد بيتك الذي قضيتَ فيه أجمل ذكريات حياتك قد أصبح مجرد حجارة مدمرة وملوّثة بدخان الحرب”.

أم حسان تدعو النازحين السوريين في لبنان والعالم للعودة الى الوطن الأم، مؤكدة أن الدولة السورية تبذل قصارى جهدها لتوفير الحياة الكريمة للشعب السوري.

النازح السوري أبو أيهم يلفت بدوره الى أن “الأوضاع في مخيم الحرجلة ليست مثالية، لكن مقارنة بما سبق فالأمور هنا أفضل بكثير من الحصار والحرب”، ويتابع: “رويدًا رويدًا بدأ الاستقرار يطرق أبوابنا، ونعيش في أجواء أمنية هادئة وظروف معيشية توفر لنا حياةً كريمة”.

ويتحدّث أبو أيهم عن وفرة تقديمات الحكومة السورية من مراكز إيواء يؤمّن فيها المسكن والغذاء والتعليم والطبابة للنازحين السوريين العائدين.

في جولتنا على النازحين أحدهم ذرف الدموع علّها تخمد حرقة الاشتياق، وآخر عبّر عن حشد كبير من الذكريات لملامح الوجوه وروائح الأمكنة، والكثير منهم يعيشون على أمل طي صفحات الموت والحرب والعودة الى ديارهم، لكنهم أكدوا جميعًا أنهم يعيشون الأمان اليوم في ظل الجيش العربي السوري والدولة السورية.

النازحون أكدوا أن الدولة السورية “تعاملهم بشكل جيد، مع تقديم مساعدات يومية ووجبات طعام، وسط زيارات متكررة لمسؤولين من الوزارات للوقوف على حالهم”، واشاروا إلى أنهم “لم يتعرضوا في ذلك المركز لأي نوع من الإهانة أو المضايقات”.

وللأطفال حصة كبيرة في الجولة، بضحكاتهم ودموعهم، بشقاوة بعضهم وهدوء البعض الآخر لفتوا أنظار الصحافيين.. تارة يلعبون فوق الرمال المعدة للبناء، تارة يركضون بين الكاميرات والمراسلين، ويطلبون منا التقاط الصور لهم. يخبروننا أنهم هنا في أمان ويكملون تعليمهم، تشخص أبصارهم نحو مستقبل خالٍ من الحروب والدمار.

خلال الجولة تبين لنا أن الحرجلة تحولت من بلدة صغيرة إلى واحد من أهم مراكز الإيواء في ريف دمشق، حيث استطاعت هذه القرية وبتضافر جهود أهلها أن تبقى بعيدة عن الأحداث التي دارت في سوريا خلال السنوات الماضية بسبب تماسك أهلها ووعيهم ولطبيعتها الجغرافية المتميزة، وهذا ما جعل منها ملجأ للكثير من الأسر التي وفدت من مناطق متفرقة في المحافظة لتتخذ من الحرجلة مركزا وملاذً آمنًا لهم.

سوريا على جهوزية تامة لاستقبال النازحين

وخلال الجولة، شدد معاون وزير شؤون الإدارة المحلية في الحكومة السورية معتز القطان في تصريح صحفي على الموقف الرسمي للدولة السورية بالاستعداد الكامل والجهوزية التامة لاستقبال كافة النازحين السوريين الموجودين في لبنان وتأمين كافة المستلزمات الآيلة لعودتهم.

وأكد أن النازحين السوريين عادوا من لبنان الى منازلهم مباشرة في سوريا أو عند أقاربهم، مشيرًا الى أنه لم تضطر الدولة السورية أن تشغل مكانًا لأي لاجئ سوري عائد من لبنان أبدًا، مشددًا في نفس الوقت على أن الدولة السورية مستعدة لتأمين السكن لكل نازح سوري سيعود من لبنان قريبًا ان لم يكن لديه سكن.

وأوضح القطان أن مركز الحرجلة مؤلف من 742 وحدة سكنية جاهزة لتستقبل السوريين الذين لا سكن لديهم، سواء من النازحين الداخليين في سوريا أو من العائدين من الخارج.

الحزب اللبناني الواعد: السوريون العائدون يعيشون حياة كريمة

الجولة انتهت بمؤتمر صحفي عقده رئيس الحزب اللبناني الواعد فارس فتوحي، أكد فيه أن الحزب نظّم عودة ما يقارب 2000 نازح سوري الى ربوع وطنه، مشددًا على أن الحزب وقف بوجه كل حملات التخوين والضغوطات وزرع الطمأنينة في نفوس النازحين وحثهم على العودة.

وأشار الى أنه “كان لا بد من أن نأتي لزيارة العائدين ونلمس لمس اليد أنهم بألف خير”، مضيفًا: “تأكدنا أن هؤلاء السوريين العائدين يعيشون حياة كريمة”.

وقال: “لا ننسى أن العلاقات بين لبنان وسوريا أخوية وتاريخية”، مؤكدًا أن ملف النزوح لا يمكن أن يتم الا من خلال التواصل المباشر بين الحكومتين السورية واللبنانية”.

وأوضح أن المبادرة التي تقوم بها المديرية العامة لقوى الأمن العام ايجابية ومطلوبة، إلّا أن الهدف الكبير لن يتحقق الا من خلال خطة مشتركة بين البلدين.

ودعا فتوحي الجهات المانحة الى مساعدة العائدين، فالمبالغ الصغيرة التي تقدم لهم في لبنان قد تساهم في اعادة بناء المنزل أو ترميمه اذا كان قد لحق به الضرر.

كما دعا النازحين السوريين في لبنان الى رؤية اخوتهم الذي عادوا واحتضنهم وطنهم، قائلًا: ” ليس لكم الا بلدكم فكل ما يقال من أجل تخويفكم لا أساس له من الصحة، والدولة السورية تقدم كل التسهيلات اللازمة وحين تتوفر الارادة تصبح كافة الحلول متاحة وممكنة”.

صحيح أنه لم يبق صنف من أصناف المعاناة والألم إلا وجربه السوريون من خوف وقتل وتدمير وبرد وجوع وعطش، إلا أن الإنسان يظل مشدودًا لأمل الخلاص ولشدة معاناته يرى في قطرة الماء نجاة وإن كانت لا تكفي لترويه إلا أنها أفضل من لا شيء.
العهد