الأحد , أبريل 21 2019

نارام سرجون:خاء الخبز وخاء الخيانة .. من يصالحني مع الثورات؟؟

نارام سرجون:خاء الخبز وخاء الخيانة .. من يصالحني مع الثورات؟؟

نارام سرجون

ويل لمن سلب من قلبي نعمة الحب .. وويل لمن حول قلبي من مضخة للنار الى مضخة للدم .. فقلوب البشر التي تضخ الدم لافرق بينها وبين قلوب الأنعام .. اما تلك التي تشبه البراكين وتستحم بالحمم فانها تبث الحب في ثوران العاطفة .. وأنا لن أسامح من سلب من قلبي الضوء وغمره بالعتمة .. فليس العمر من يسلب القدرة على الحب بل الخيبة والخديعة .. وقلبي الذي كان منجما للضوء صار منجما للظلام لأن هناك من سكب عليه الأكاذيب وأطفأه .. انه ليس الزمن من سلب مني الحب بل انه من خدع القلب وغش في الحب .. وعندما يخدع القلب يموت الحب ..

والثورات في هذا الزمن الرديء خدعتنا ولوثت أجمل أحلامنا .. وصارت قلوبنا لاتعرف الحب للثورات ولاتؤمن بشيء اسمه الثورات .. فوداعا للثورات النقيات التي قتلتها ثورات الناتو وثواره .. الثورات الملونة أسقطت كل رغبة في ان نحب الثورات ونثق بها .. فكما دخلت التكنولوجيا في كل شيء وخربت الطبيعة وصرنا نأكل اللحوم المهرمنة والحبوب المهجنة والمعدلة وراثيا .. فان الثورات صارت مهرمنة ومعدلة وراثيا كما الحبوب واللحوم المسمنة .. ولم يعد الخبز هو الذي يفجر الثورات .. ولاهو الذي يطعم الثورات .. لأن الثورات صار محركها الدولار .. ولها رائحة الدولار ولونه ..

لم يكن أحدنا يتخيل ان يتردد في دعم أي ثورة ترتدي ثياب الجماهير في الطرقات وتنشد حناجرهم وأناشيدهم .. وكان يخجل من التنكر لها او الشك بها لان الثورات كانت مقدسة وكان الثوار فيها قديسين .. ولكنني الان صرت حذرا من ثورات هذه الأيام ومن ثوارها .. لأن الجماهير غير الجماهير .. والشعارات غير الشعارات .. جماهير الامس كانت تحركها الماركسية واللينينة وتحركها فلسطين والخيانات .. وتحركها مصافحة مع محتل او مستعمر .. أما اليوم فان الثورات لاتعرف ماالذي يحركها .. فمن رذائل الربيع العربي هو انه جعلنا نشك ان زمن الثورات الحقيقية انتهى وان انسان هذا العصر انضم الى عصر الآلات والروبوتات حيث تمكن علم نفس الجماعات وسيكولوجية الجماهير من القاء القبض على أسرار الانفعالات وكيمياء الغضب والمفاتيح النفسية للتمرد المجتمعي وعلم الثورات ..

استفاد العصر الرأسمالي كثيرا من مراجعة الثورات الكبرى التي كان العمال والفقراء يهددون بها النظام الرأسمالي ويلوح فيها المثقفون بالثورات في وجه الظلم .. والثورة تحولت اليوم الى منتج من منتجات الشركات الكبرى التي ترمي بها كسلاح وقنبلة تدمير شامل في المجتمعات التي لاترضخ حكوماتها للاملاءات الغربية .. ولذلك تستغرب ان اللااستقرار الجماهيري او الثورات الملونة او الانقلابات في مزاج الجماهير وحتى الانقلابات العسكرية كلها تقوم في بلدان تعادي الغرب .. فكل الثورات اليوم تقوم في بلدان تحاول ان تستقل بقرارها وتميل للانعتاق من جدول شروط الاستعباد .. حتى صارت الثورات حكرا على قائمة الدول التي تزعج اميريكا .. فلماذا يشتعل العالم بالثورة والثوار ولكن كل الثورات تتوقف عند حائط دول النفط التي هي في أمس الحاجة لكل أنواع الثورات .. ثورات الكرامة وثورات العدالة وثورات الديمقراطية وثورات الانسان وثورات الدين .. كل شيء فيها يمكن ان يحرك ثورة فرنسية وبلشفية وإسلامية في آن معا .. ولكن الرمال تتحرك على المريخ ولاتتحرك الرمال في صحراء العرب .. ولم يعد هناك فرق بين الرمال ومن يمشي على الرمال .. فمن العجيب جدا ان هذه الثورات لاتصل الى مستحقيها .. فهي لاتحدث في السعودية ولاقطر ولا دول الخليج حيث أسوأ انظمة القمع والتفاوت الطبقي والغياب الابرز للحكم الديمقراطي والبرلماني.. وهذه الثورات لاتقع في بلدان اوروبة الشرقية التي تعاني من فشل اقتصادي ومن تراجع النمو بعد خروجها من المعسكر السوفييتي .. وهي ايضا لاتتمتع بالدعم في فرنسا حيث الستر الصفراء تحاول ان تحدث عامل تفجير للمجتمع ولكنها ثورات بارودها رطب ومبلل ولاتشتعل جماهيريا .. فتخبو وتهدأ ..

فالغرب ألهب الشارع في ليبيا وتونس واليمن وسورية ومصر لانه كان يريد بناء قوس اسلامية يربطها بتركيا لاطلاق مشروع الحقبة الاسلامية الذي سيرث مشروع الحقبة القومية العربية لان التفاعل الطبيعي الناجم عن هذا التحول هو التفات المجتمعات والنخب المشرقية الى الصراعات الدينية البينية حيث تصطدم الكتل المذهبية الشيعية بالسنية وكتل الاقليات بالأكثريات .. وسيكون الصدام اليهودي الاسلامي هو الصدام المؤجل لان من طبيعة هذه الصراعات هو انها تنشغل بالتناقضات المباشرة الذاتية اثناء حالة الاستقطاب الداخلي خاصة ان عملية ادارة الصدام ستشرف عليها القوى الغربية التي هندست الثورات وصممت لها شعاراتها وصنعت لها قياداتها ومحركاتها التوربينية مثل داعش والنصرة والقاعدة والتي طعمت الاخوان المسلمين بنكهات قاعدية وداعشية ..

الثورات الخشنة تتنقل من الشرق الى فنزويلا وايران والجزائر واوكرانيا وتكون ناعمة في البرازيل واميريكا اللاتينية وتحل هذه الثورات محل القوى الناعمة والخشنة للولايات المتحدة .. وكلها ثورات تستفيد من بعض الخلل في الاقتصاد او الاداء الديمقراطي ولكنها تصبح أخطاء بحجم الخروج من الجنة ..

السودان نموذج فريد فهو غير مستقل بل انه في زمن البشير تحول الى بلد للاستئجار .. فالبشير شارك بقوة في عملية اسقاط القذافي عبر قوات سودانية نقلت بالقطارات الى مصر بعد مرحلة مبارك وهذه القوات شكلت الظهير للاسلاميين الذين اقتحموا المدن الليبية .. وفي زمن البشير تحول السودان عن خط الممانعة وقرر الرحيل الى معسكر الناجين وانضوى في معسكر قطر التي كانت تقود الثورات الملونة العربية .. ثم انتقل الى تأجير بندقيته في حرب اليمن للسعودية والامارات .. وبعد بروز النصر السوري حاول ان يعود الى معسكر الممانعة وان يضع قدما في دمشق وقدما في الرياض ..

وهنا انطلقت الثورة السودانية .. والله اعلم من اتخذ القرار باطلاقها لأنها انطلقت بشكل منظم جدا ولافت واتخذت نفس مسار الربيع العربي .. حيث يطيح الجيش بالرئيس كما في تونس ومصر بعد اسابيع من غضب الجماهير .. واذا تعذر ذلك اطلقت النار على الجيش بتسليح الشعب الاعزل وخلق الفوضى .. واطلاق التقسيم .. كما هي ليبيا مقسمة وكما اريد لسورية ان تتقسم وكما يحدث في اليمن من مشروع لاعادة تقسيمه .. ففي ثورة السودان غابت شعارات العداء للاستعمار والعمالة للرجعية .. وغابت بشكل غامض فلسطين كما غابت في كل الربيع العربي .. وغابت عنها خطيئة البشير في حربه ضد اليمن وليبيا من أجل آل سعود واميريكا وإسرائيل .. فهل فقط سعر الخبز هو الذي حرك الثورات؟ اني أشك ان الخبز وحده يصنع الثورة من دون شعور بخيانة عظمى بحق الوطن .. فخاء الخبز ليست كخاء الخيانة .. فالخبز هو الصاعق ولكن خيانة الأوطان هي التي تستعمل الخبز لقيام الثورات .. وعندما يحضر الخبز في الشعارات دون الخيانات والمحاكمات فانني أتوجس ان من يصنع الثورات خلف الكواليس يجعلها ثورات تبحث عن ثمن بخس ..

الحقيقة انني فقدت قدرتي على التعاطف مع الثورات وفقدت قدرتي على أن امتنع عن الشك في الثورات وأحس ان الثورات صارت سلاحا غربيا .. وان الجماهير هي التي تحمل الاستعمار من جديد .. بل هي سلاح الاستعمار الجديد ..

وهنا انا لااريد ان اصادر حق السودانيين والجزائريين والفنزويلليين في الغضب والثورة لكن قلبي امتلأ بالتوجس وأنا أرى ان الثورات تمسك بها اميريكا وتقرر موعد ولادتها ومكان ولادتها وتمنحها اسمها وكنيتها ولون بشرتها وراياتها .. وعجبت ان من يحتاج الى ثورة يموت من قلة الثورة .. وان الثورة في مكان آخر صارت هي أقصر الطرق الى اميريكا بعد ان كانت طريقا للابتعاد عن اميريكا .. ولذلك فانني للأسف لاأحس انني متفائل من ثورة السودانيين التي انتهت الى ايدي عسكريين ليس لهم تاريخ في فلسطين ولا في حرب مع اميريكا .. بل لاتاريخ لهم الا في حرب اليمن .. وأمسك قلبي من جمال شعارات ثورة الجزائريين التي تفيض جلالا ولكنها فقيرة بشعارات ضد الغرب وأذرعه الخليجية والذين تسببوا في كل ازمات الجزائر وعشريتها السوداء .. ولن يهدأ خفقانه السريع الا بعد أن يطمئن قلبي .. وماأصعب ان يطمئن قلب غسلته سنوات الخديعة في الربيع بالأكاذيب وغمرته الثورات بنكهة الناتو ورائحة الناتو ونفاق الناتو ونزف قلبه بسلاح الناتو

شاهد أيضاً

السياسية الأميركية تجاه دول الجوار السوري

السياسية الأميركية تجاه دول الجوار السوري ربى يوسف شاهين أميركا ومع استمرارية سياستها في اللعب …