الثلاثاء , أكتوبر 22 2019

حول صفقة القرن المبهمة

حول صفقة القرن المبهمة

د. يوسف جاد الحق

لا نجافي الحقيقة، ولا نذهب بعيداً عنها إذا ما قلنا إن كل ما جرى في المنطقة، والإقليم كذلك، من أحداث ومن حرب ضروس على مدى عدد من السنين، توطئة للوصول إلى تصفية نهائية للمسألة الفلسطينية، وما سمي بصفقة القرن التي لم يعلن عنها إلا منذ وقت قريب إن هو إلا الفصل النهائي والأخير من المخطط المرسوم والمفضي إلى تلك النتيجة، التي لم يحل دون الوصول إليها غير ثنائية الشعب والمقاومة المحور، سورية وإيران والمقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، وعندما فشلت حروبهم المباشرة وانتصرت سورية عسكرياً لجؤوا إلى الحرب بوسائل أخرى، كالحصار والعقوبات وما إليها مما تتفتق عنه «عبقرية» الرئيس الأميركي دونالد ترامب وزمرته الصهيونية الحاقدة.
وصفقة القرن هذه ليست جديدة فقد بدت بوادرها الأولى عندما طرح في حينه ما سمي بالمبادرة العربية التي كان وراءها الكاتب الأميركي توماس فريدمان والسعودية في عهد ملك السعودية السابق عبد الله، وقد رفضها في حينه رئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق أرييل شارون، الذي كان يرى أن الوصول إلى مضمونها سوف يتحقق عن طريق القوة التي لم يكن يؤمن بغيرها لتحقيق الحلم الصهيوني.
يبدو أنه قد آن الأوان، من وجهة نظر المخططين هؤلاء، إلى وضعها قيد التنفيذ في هذا الوقت، ولاسيما أن سيد البيت الأبيض اليوم دونالد ترامب، المشتعل حماسة لخدمتهم ولتلبية ما يطلب إليه عمله من أجلهم، من دون أي تردد أو اعتبار للرأي العام الأميركي والدولي ودول العالم قاطبة، وما تقديم القدس عاصمة أبدية لهم، ثم نقله للسفارة الأميركية إليها، ثم تقديمه الجولان هبة مجانية لهم وكأنه يملكها، إلى آخر ما هنالك من تصرفات غير مسبوقة إلا لخدمتهم وكسب رضاهم ولاسيما أن الرجل يطمح إلى البقاء في «البيت الأسود» لدورة رئاسية ثانية.
أصحاب صفقة القرن، أي واضعوها، على رأسهم وزير خارجية أميركا السابق هنري كيسنجر وبرنار لويس، وجماعات اللوبي اليهودي، وشخصيات من جماعات المحافظين الجدد، ومركز Rand ومستشار الأمن القومي جون بولتون، وصموئيل كوهين، وبول ونفتز وشارل بيرل، ودونالد رامسفيلد، وديك تشيني نائب الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الصغير، ووزير دفاع أسبق لجورج بوش الكبير، ومارتن أنديك، ووزيرة الخارجية السابقة كوندا ليزا رايس وصهر الرئيس الأميركي جاري كوشنير.
ولكن لماذا أحيطت صفقة القرن بالكتمان والتعتيم والإحجام عن كشف مضامينها وأهدافها الحقيقية كل هذا الزمن؟ هنالك أسباب قد يدركها المرء من دون أي عناء، منها:
إعداد النفوس والأذهان لانتظار الآتي، حيث لا يجيء صادماً صاعقاً لسهولة المضمون، المنطوية عليه، فعمدوا إلى الإخفاء، ثم التدرج في الحديث عنها بالتقسيط والتسريب على مراحل زمنية متفاوتة، هذا من قبيل التطبيع والاعتياد النفسي السيكولوجي على نار هادئة.
الأطراف الأساسية في الصفقة لم يتفقوا تماماً على كيفية الإخراج ثم على الأثمان المدفوعة والمقبوضة، ومن هي الجهات الدافعة والجهات القابضة؟
تهيئة الأجواء الدولية، بوسائل التأثير المعروفة، عن طريق إعلام مجند للتضليل والتواطؤ، والاحتيال بالألاعيب التي يتقنونها.
أخذهم في الحسبان موقف الجهة الرافضة المقاومة لمشاريع هذا الفريق العدواني المتآمر للوصول إلى الهدف بأقل قدر من الخسائر وهذه مسألة تستدعي الدقة في الحساب.
عرفت حتى الآن بعض عناصر هذه الصفقة منها مسألة تبادل الأراضي مع مصر في صحراء سيناء، وغور الأردن شرقيه وغربيه، وضم معظم أرض الضفة الغربية بما فيها من مستوطنات، على اعتبارها يهودا والسامرة، هذا من أجل إعلان يهودية الدولة على الصعيد الدولي كأمر واقع تفرضه أميركا وإسرائيل، أي ترامب ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، وللدخول في مرحلة التنفيذ للبقية الباقية من شروط الصفقة، بعد أن قدم لهم ترامب القدس والجولان السورية، وذهابه بعيداً في حربه الإعلامية والعقوباتية مع إيران تلبية لرغبة نتنياهو، إلى حد إدراج الحرس الثوري على قائمة الإرهاب، إضافة إلى تلك الحرب الغوغائية، المرفوضة عالمياً، على تصديرها للنفط وتهديده بالعقوبات المزمع اتخاذها نحو من يخترق الإنذار الهمايوني الترامبي!
للدخول في هذه المرحلة أوفد ترامب صهره كوشنر ومستشاره للأمن القومي جيسون غرينبلات، للسلطة الفلسطينية، لإبلاغها أنهم يعرضون «أبوديس» عاصمة لدولتهم القزم المزمع إعلانها، ذراً للرماد في العيون، بديلاً من القدس!
ما يشجع هؤلاء على المضي قدماً في مشروعهم الصفقة، الهرولة المهينة لتلك الدول العربية اسماً على غير مسمى، وراء نتنياهو استجداء لرضاه عنهم، وقد بلغت ذروتها بالأمس القريب في مشاركة الخليجيين لإسرائيل في مناورات السلاح الجوي الإسرائيلي الأخيرة! مناورات لحرب قادمة ضد من يا ترى؟
هؤلاء جميعاً يدركون أن العائق أمامهم لتنفيذ مخططهم بكل ما تنطوي عليه الصفقة إياها هو حلف المقاومة، الذي يحسبون له الحساب كله، ولداعميه أبناء الشعب العربي الحر في سائر أرجاء الوطن العربي، وهو ما حدا بهم إلى التردد والإحجام عن إعلان الشروط والتفاصيل التي تتضمنها الصفقة حتى الآن، لكنهم لن يمكثوا على هذه الحال إلى ما لا نهاية، ومن ثم لجؤوا إلى التصعيد الإعلامي في الآونة الأخيرة، المرافق للقرارات العدوانية الأخيرة الصادرة عن واشنطن ترامب وموجهيه الإيباك هناك ونتنياهو حيث هو.
الفشل الذريع هو ما ينتظرهم دونما ريب، وما عجزوا عن تحقيقه على أرض الواقع كل هذا الزمن، لن يستطيعوه قطعاً وأبداً في قادم الأيام.
الوطن